بسم الله الرحمن الرحيم

أهلا بكم فى مدونة محمد جابر عيسى القانونية

28 مايو 2011

التعسف في إستعمال الحق و تطبيقاته على أحكام شؤون الأسرة((جزائر))

المقدمة

لقد نصت المادة 124 مكرر من القانون المدني في القسم الأول منه و الذي عنوانه المسؤولية عن الأفعال الشخصية ، عن التعسف في استعمال الحق واعتبرته يشكل خطأ ، في حالات حددتها حصرا، توجب قيام المسؤولية و التعويض عن الضرر اللاحق بالغير.
و الخطأ في مجال المسؤولية التقصيرية هو انحراف الشخص عن السلوك المألوف، غير أن هذا الانحراف قد يقع من الشخص و هو يأتي رخصة، و قد يقع منه وهو يستعمل حقا.
فالرخصة ) (simple facultéهي حرية القيام بما لا يحرمه القانون، كالسير، و التعاقد، والكتابة،
و التقاضي، و نحو ﺬلك من الحريات العامة التي كفلتها الدساتير للأفراد.
أما الحق (Droit défini) فهو مصلحة مرسومة الحدود يحميها القانون، كحق الملكية مثلا فالتملك رخصة أما الملكية فهي حق، فإذا جاوز صاحب الحق حدود الرخصة، كان هذا خروجا عن الحق، و هو خطأ يحقق المسؤولية .
فللخطأ على هذا الوجه صورتان ، الانحراف في استعمال الحرية ، والخروج عن حدود الحق، ولكن الشخص قد يستعمل حقا دون أن يجاوز الحدود التي فرضها القانون ، ومع ذلك يلحق بالغير ضررا من استعماله لحقه فهل يتحقق الخطأ إذا لم يخرج الشخص عن حدود حقه ، ولكن تعسف في استعمال هذا الحق ؟
إن الاتجاه السائد في الفقه المعاصر يفرق بوضوح بين الخروج عن الحق ، و بين التعسف في استعمال الحق ، ويجعل كلا منهما صورة من صور الخطأ الموجب للمسؤولية التقصيرية فالخروج عن الحق هو خروج عن حدود الحق و تجاوز لسلطته ، أي أن الشخص عندما يخرج عن حدود حقه يعمل في الحقيقة بغير حق .
أما التعسف في استعمال الحق، فهو انحراف في مباشرة سلطة من السلطات الداخلة في حدود الحق، أي أن صاحب الحق يعمل داخل نطاق حقه، ولكن يتعسف في استعمال هذا الحق.
فالشخص الذي يقيم بناء على أرضه، و يجاوز هذه الأرض وبيني على جزء من أرض جاره، إنما يخرج عن حدود حقه، بينما الشخص الذي يقيم حائطا مرتفعا على أرضه بقصد حجب النور و الهواء عن جاره ، إضرارا به، لا يخرج عن حدود حقه ، ولكنه يتعسف في استعمال هذا الحق.
لكن على أي أساس تبنى المشرع الجزائري فكرة التعسف في استعمال الحق، وما مصدره في ذلك ؟
وهل توجد تطبيقات تشريعية و قضائية في مجال الأحوال الشخصية تتعلق بالتعويض عن الضرر الناجم عن التعسف في استعمال الحق استنادا على المادة 124 مكرر من القانون المدني الجزائري؟
سنحاول الإجابة عن هذه الإشكالات أثناء تعرضنا للموضوع، وعليه نتيجة لما تم ذكره أعلاه فانه يتم التطرق إلى هذه الإشكاليات المطروحة و الإجابة عليها ، و ذلك من خلال معالجتنا لموضوع التعسف في استعمال الحق بانتهاج الخطة الآتية :






الفصل الأول
مفهوم التعسف في استعمال الحق














المبحث الأول: نظرية التعسف في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي.
المطلب الأول : نظرية التعسف في الفقه الإسلامي

لقد استعمل الفقهاء المتقدمون لفظ التعسف بمعناه اللغوي الذي هو التعدي والخروج عن الجادة الصحيحة وهذا لا يعني أن النظرية دخيلة في الفقه الإسلامي بل إن هذه النظرية استوت على أصولها في التشريع الإسلامي منذ القدم وفي فقهه أيضا تفسيرا وتطبيقا وفي شتى مذاهبه الجماعية والفردية على السواء أقيمت بذلك معاييرها ومؤيداتها تأصيلا وتفريعا وضبطا ونظرا وعملا(1).
ولهذه النظرية أدلة من الكتاب والسنة والأصول التشريعية والقواعد الفقهية نجملها فيما يأتي :
ففي القرآن الكريم ورد نهي الأب عن التعسف في استعمال ولايته على ابنه بانتزاعه من الأم إذا لم ترضعه (2) لقوله عز و جل: " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده" البقرة الآية 233“
والتعسف في هذه الحالة يفضي إلى ضرر معنوي والآية في الشق الثاني من المعنى تمنع الأم من التعسف في استعمال حق الرضاع بأن تطلب أجرا على الإرضاع إذا كان غيرها يرضعه مجانا أو بأقل فيمنع الضرر في هذا المثال لأن الأم تقصد المضارة.
و الخلاصة أن الآية الكريمة تفيد وجوب حماية كل من الأب والأم من أن يضر أحدهما بالآخر بسبب الولد باستعمال ما منح من حقوق، وبذلك نعتبر هذه الآية أصلا من أصول نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي.




















وفي الســنة النبوية قضـــى النبي صلـــى الله علـيه وسلم للأنصاري بقلع نخل سمرة بن جندب الذي كان في حائطه بعد أن عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم بيع النخل أو هبته بمقابل ولكن سمرة رفض ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنت مضار ثم قال للأنصاري إذهب فاقلع نخله(1).

فالحديث بين جزاء التعسف في استعمال الحق إذا أن قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بقطع النخل جاء بعد محاولته التوفيق بين مصلحة الأنصاري ومصلحة سمرة ولما لم تجد هذه الوسيلة أمر بقطع الملك (2)
و أساس الترجيح في هذه الواقعة هو قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف يبين أن هذا الحديث يعد أصلا لنظرية التعسف في استعمال الحق.
كما أن لهذه النظرية مؤيدات من الأصول والقواعد الفقهية إذ تستند إلى أصل النظر في المآلات الذي يلزم المجتهد أن ينظر في هذه المآلات والنتائج ويمنع الفعل أو يأذن فيه على ضوء منها جريا على سنة الله في اعتبار المصالح في الأحكام.
وللنظر في المآلات صلة قوية بنظرية التعسف إذ يتجه إلى اتجاهين أحدهما جوهري وهو النظر الموضوعي بالمنع أو الإذن على ضوء المآلات وهذا مهما كان الوصف الشرعي والآخر هو النظر إلى الباعث كأمر ثانوي (4)
ولعل هذا يتوافق مع ما تأخذ به الشريعة من ظاهر الإرادة.
و يتفرع عن هذا الأصل كذلك قواعد كقاعدة الذرائع والاستحسان عند الحنفية والمالكية وقاعدة الحيل وقاعدة مراعاة الخلاف عند المالكية.
ويتمثل أثر هذه القواعد في الدور الوقائي للنظرية في التصرفات القولية وبالتعويض عن الضرر وقطع سببه إذا وقع في التصرفات الفعلية(5).








وهذه القواعد تؤدي أصل النظر في مآلات الأفعال وهي بذلك تقوم بدور عظيم في حفظ مقاصد الشرع وتمنع وقوع ما يخالفها.
إلا أن قاعدة الذرائع أهم هذه القواعد لأن أحكامها تطبق على الأفعال المباحة التي تؤدي إلى المآل الممنوع سواء كان ذلك بقصد من المكلف أو بغير قصد منه(1) .



















المطلب الثاني : نظرية التعسف في القانون الوضعي

عرف القانون الروماني تطبيقات مختلفة لنظرية التعسف في استعمال الحق وقيد استعماله بما يحافظ على الأخلاق ويحقق العدالة وانتقلت قواعد النظرية إلى القانون الفرنسي القديم عن طريق الفقيه الذي الذي قرر أن قصد الإضرار بالغير وانعدام المصلحة يعدان تعسفا في استعمال الحق(1) (Domat)
ويقرر دوما أنه لا يسوغ للملك أن يأتي عملا في عقاره من شأنه مضايقة العقار المجاور أو الإضرار به كإحداث دخان كثيف من فرن أوكور(2) وهذا ما يبين أن فكرة التعسف في استعمال الحق لم تكن غريبة بل أوصى بها الذوق السليم والملكية القانونية فطبقوها على أشد الحقوق إطلاقا ألا وهي الملكية ولم تكن فكرة التعسف حبيسة أقلام الفقهاء فحسب بل طبقتها المحاكم والتي كانت تعرف حينها باسم البرلمانات حيث قضت بأنه ليس لأحد أثناء قيامه بعلمه أو صناعته أن يعطل أعمال جيرانه أو أن يجعل سكناهم في منازلهم غير محتملة(3).
غير أن فكرة التعسف وبالرغم من استقرارها في الفقه القانوني وظهورها في تطبيقات قانون المحاكم لم تلبث أن طمست معالمها وزالت أثارها في أواخر القرن التاسع عشر إثر الثورة الفرنسية التي انتهجت وتبنت المذهب الفردي في قيامها والذي يعطي للفرد مطلق الحرية في استعماله لحقوقه غير أنها عادت وعرفت طريقها للتشريع في قضاء المحاكم الفرنسية عقب ذلك.
وقد تطورت هذه النظرية في ظل الاشتراكية التي جعلت وظيفة القانون المحافظة على المجتمع وتحقيق المصلحة الاجتماعية غير أنه و بالرغم من النقد الذي وجه لهذه النظرية نتيجة نزعها بين النزعتين الفردية و الاشتراكية إلا أن التشريعات الحديثة قد أخذت بها كالمادة 02 من القانون المدني السويسري والمادتين 226 و 826 من القانون المدني الألماني والمادة 135 من القانون المدني البولوني والمادة الأولى من القانون المدني السوفيتي والمادة 1295 / 02 من القانون المدني النمساوي ومن التشريعات العربية المادة 124 من قانون الموجبات والعقود اللبناني والمادة 05 من القانون المدني المصري والمادتين 05 و 06 من القانون المدني السوري.


















المبحث الثاني : معايير التعسف في استعمال الحق في الفقه والقانون

المطلب الأول: معايير النظرية في الفقه الإسلامي
يمكن القول بأن نظرية التعسف تقوم على معيارين جمع بينهما وهما المعيار الشخصي أو الذاتي أي ما يتعلق بصاحب الحق في ذاته ودوافع تصرفه والمعيار المادي أو الموضوعي أي ما تعلق بما ينجم وينتج عنه من مضار ومقاصد عند استعمال الحق ويندرج تحتهما ضوابط تضبط التصرف أو الحق عند استعماله.
1/ المعيار الذاتي أو الشخصي: ويندرج تحت هذا المعيار معياران ثانويان،و قصد الإضرار بالغير قصد غرض غير مشروع.
* قصد الإضرار بالغير :
فإذا قصد صاحب الحق باستعماله لحقه وتصرفه فيه إضرارا بغيره ولم تكن له أي مصلحة في هذا الاستعمال كان استعماله تعسفا محرما وجب منعه وتعد المصلحة الذاتية قرينة على قصد الإضرار بالغير(1) ويعد هذا الضابط أو المعيار أوضح معايير التعسف لأن قصد الإضرار بالغير ممنوع في الشريعة دل عليه أكثر من دليل وتجد لهذه المعايير تطبيقات عديدة في الفروع الفقهية مما ورد لدى فقهاء المذاهب كما أراد الزوج أن يسافر بزوجته إلى بلد بعيد وهو غير مأمون عليها لا يريد بذلك إلا الإضرار بها أو إيذائها أو سلب مالها فيقضى بمنعه من السفر بها للإضرار.
وكذا تحريم طلاق المريض ليفر به من ميراث زوجته وتحريم وصية الضرار وبطلانها ويقصد بالإضرار بالتصرف كون الفاعل ناقض قصد الشارع وهدفه من تشريع الحق وإيجاده فوجب منعه أو معاملته بنقيض قصده كما في المطلقة في مرض الموت.
* قصد غرض غير مشروع:
أي قصد صاحب الحق باستعمال حقه تحقيق غرض غير مشروع ينافي ويخالف الغرض والقصد الذي شرع الحق من أجله فيكون بذلك التصرف باطلا لمخالفته قصد الشارع من وضع الحقوق ومن قبيل ذلك استعمال الزوج حق تأديب زوجته الناشز عن طريق الضرب لحملها على الطاعة، فان استعمل الزوج هذا الحق وابتغى به غير التأديب كان يريد به الانتقام والتعبير عن كرهه أصبح فعله تعسفا غير مشروع.






2/ المعيار الموضوعي:
أي تكييف التعسف على أساس الضرر الناتج من استعمال الحق بغض النظر عن نية صاحب الحق فالعلاقات الحقوقية التي من هذا النوع لا شأن لها بالنوايا فسواء كانت حسنة أم سيئة يمنع صاحب الحق من ممارسة حقه مادام يضر بالآخرين ضررا فاحشا، أما الضرر المألوف فلا بد من تحمله والتسامح فيه.
ويمكن القول أنه يندرج تحت هذا المعيار ثلاثة معايير فرعية هي:
1- أن يستعمل الحق يقصد به تحقيق مصلحة أو دفع ضرر فيترتب عليه ضرر بالغير أعظم من المصلحة المجلوبة أو الضرر المدفوع أي عدم التناسب بين المنفعة المشروعة المقصودة لصاحب الحق مع الضرر الكبير اللاحق بالغير جراء ذلك وهذا سواء كان الضرر الناشئ عن هذا الاستعمال للحق يلحق بفرد أو ضررا عاما يلحق الجماعة.
وعليه، فان من ضوابط التعسف في التصرفات واستعمال الحق لحوق ضرر غير معتاد بالغير فاحشا أو مساويا للمصلحة المرادة من التصرف.
2- أن يستعمل حقه الثابت استعمالا غير متعارف عليه بين الناس غير معتاد فيترتب عليه ضرر للغير وذلك كمن سقى زرعه بطريقة غير معتادة عليها الزرع فأتلف بذلك زرع جاره لكثرة الماء، أو يستأجر دارا فيحمل سقوفها مالا تطيق(1).
وكذا رفع صوت المذياع بوجه يزعج الجيران ويؤذيهم، ومقياس الاستعمال كونه معتادا أو غير معتاد هو العرف لا مقدارا لضرر الناشئ أو يستدل عليه بأهل الخبرة والتخصص .
3- استعمال الحق استعمالا فيه إهمال أو خطأ ينشأ عنه ضرر بالغير أي استعمالا لم يراع فيه صاحبه وجه الاحتياط فأضر به غيره وهذا ما يعرف بالخطأ الذي هو أحد أركان المسؤولية التقصيرية فيكون بذلك متعسفا في استعمال الحق وهذا سواء كان الخطأ في الفعل، كمن أراد صيدا فطاش سهمه فرمى إنسانا أو حيوانا ليصيبه بضرر أو أخطأ في القصد كمن قطف ثمرة يظنها ثمرته ويترتب على هذا تعويض الضرر الذي أصاب الغير بهذا التصرف وهذا لوجوب التثبت والانتباه والاحتراس عند التصرف في كل من القصد و الفعل.



















المطلب الثاني : معايير النظرية لدى فقهاء القانون الوضعي
لقد تجاذب الفقهاء في تحديد فكرة التعسف إلى معيارين: المعيار الذاتي الشخصي، والمعيار المادي الموضوعي.
أولا: المعيار الشخصي أو الذاتي
ويقوم هذا المعيار على قصد الإضرار الذي يكون الدافع الأساسي لصاحب الحق عند استعماله(1) فإذا ما استعمل الحق لتحقيق الإضرار والأذى بالغير، فقد الحق صفة مشروعيته وأصبح صاحبه غير محمي قانونا بهذا الوصف وذلك كمن ارتفع ببناء حائط ارتفاعا بالغا قاصدا من وراء ذلك مجرد حجب النور عن جاره ووفقا لهذا المعيار يتوقف التعسف على الحالة النفسية لصاحب الحق وهو يستعمل حقه فان لم يقصد من ورائه إلا الإيذاء والإضرار بمصالح الغير فانه يكون متعسفا ومسيئا لاستعمال حقوقه(2) ومما يؤخذ على هذا المعيار أنه ضيق من نطاق نظرية التعسف، باعتماده على قصد الإضرار وهو معيار دقيق من الصعب إثباته لذلك فان الفقيه "جوسران" لم يقبل به، ومن أجل هذا أدخل الفقهاء توسعه لنطاق التعسف وفق هذا المعيار حالة انتفاء المنفعة، ولو لم يثبت قصد الإضرار كقرينة دالة على معيار قصد الإضرار وتابعا له وذلك كون استعمال الحق دون منفعة قرينة على أنه لم يقصد سوى الإضرار بغيره.(3)
غير أنه مما يلاحظ على هذه الحالة أنها تقترب من المعيار الموضوعي المادي أكثر من المعيار الشخصي لكون قصد الإضرار بالتصرف ناشئ عن انتفاء المنفعة من هذا الحق لا القصد في حد ذاته.
إلى جانب هذا فقد أضاف الفقيه البلجيكي" بودان" حالة أخرى للتعسف تندرج ضمن هذا المعيار وهي استعمال الحق دون تبصر أو إهمال بحيث لو استعمل الحق بيقظة الرجل المعتاد لما تحقق الضرر، لأن عدم الاحتراز أو الإهمال متعلقان بالإرادة إذ هما الوجه السلبي لها وكذلك يمكن القول أن هذه الحالة أيضا تندرج ضمن المعيار الموضوعي المادي كون أن عدم التحرز والتثبت يتنافي وقصد الإضرار والعمد إليه وهو أساس المعيار الشخصي أو الذاتي.
ثانيا: المعيار الموضوعي أو المادي
انقسم أصحاب هذا المعيار إلى مذهبين ولم يتفقوا على نظرية في شأن هذا المعيار.










1/ مذهب المعيار الاقتصادي أو انعدام المصلحة المشروعة:
و مستند هذا المعيار فكرة أن الحقوق لا تعد غايات في حد ذاتها وإنما وسائل لتحقيق غايات ومصالح مشروعة رعاها وحماها القانون فيكون بذلك استعمال الحق تعسفا إذا لم يكن لصاحبه مصلحة من وراء استعماله أو كانت المصلحة المقصودة ضئيلة بحيث لا تبرر ما ينجم عن التصرف من أضرار ومما يظهر فإن هذا المعيار قد استمد فكرته من تعاريف الحق التي تجعله مصلحة يحميها القانون كتعريف "اهرنج" وغيره، فإذا ما حاد صاحب الحق باستعمال حقه عن هذا الغرض ولم يقصد به تحقيق أي مصلحة أو قصد به مصلحة غير مشروعة سقط عن الحق صفة المشروعية والحماية القانونية وعد متعسفا تجب مسؤوليته.
وبهذا الرأي أخذ الفقيه "سالي" حيث يرى التعسف يتولد من الاستعمال غير العادي أو الطبيعي للحق ومن الاستعمال المخالف للغرض الاجتماعي والاقتصادي للحق(1) وكذا الأستاذ جيني حيث يرى، أنه يمكن تحديد الحقوق تحديدا عادلا حقيقيا بتعيين الغرض الاجتماعي والاقتصادي منها وبمقارنة أهميتها بالمصالح التي تعارضها(2) وغيرهم من القانونيين.
2/ معيار الغاية الاجتماعية للحق:
وقال به الأستاذ جوسران كمعيار بديل عن المعيار السابق وينطلق جوسران في تحديد التعسف وفق هذا المعيار من أن القانون ليس إلا قاعدة إلزامية، وكل ما يتفرع عنه يأخذ طابعه والحقوق التي تتولد من القانون تعتبر اجتماعية في نشأتها وروحها والغرض منها، فما الحقوق بهذا المنظار إلا وظائف اجتماعية يجب مباشرتها لتحقيق الغرض الاجتماعي لها فإن خرج صاحبها على هذا الغرض بأن تحايل عليها فقد تعسف في استعمالها لأن التعسف ما هو إلا العمل المخالف لروح الحق والغرض الاجتماعي منه (3)
ومما يلاحظ على هذا المعيار هو مدى تأثره بالمذهب الاجتماعي الذي يغلب المصلحة العامة على مصلحة الفرد تغليبا كبيرا باعتبار أن المصلحة العامة هي المنظور إليها في تقرير الحق فهذا المعيار يخل بالتوازن المقصود من التشريع واعتبار الحق الفردي.
إضافة إلى هذا فانه كذلك يصعب تحديد الهدف الاجتماعي لكل حق من الحقوق يكون منضبطا مما يربط فكرة الهدف الاجتماعي للحقوق بنظرية السلطة ونظرية الحكم (4) وهذا لكونه معيارا مجردا وواسعا وغير محدود، مما يعتبر كذلك تطبيقه في القضاء وذلك لكونه سيخضع للأهواء الشخصية للقضاة كل يفسر الغاية الاجتماعية للحق من منطلق منظوره الشخصي أو فكره السياسي وهذا ما لا يستقيم معه ميزان العدالة (5) .








ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
1/ د. محمد سعيد رشدي مرجع سابق ص 98
2/ د. محمد السعيد رشدي المرجع السابق ص98
3/ // // // // ص 102
4/ إسماعيل العمري مرجع سابق ص 210
5/ د. فتحي الدريني نظرية التعسف مرجع سابق ص ج1 ص398 هامش 3 225

المطلب الثالث: معايير النظرية في التشريعات الحديثة:
لقد أخذت أغلب التشريعات الحديثة بنظرية التعسف في استعمال الحق من خلال ما ورد من نصوص تشريعية خاصة احتوتها القوانين المدنية على خلاف توجهات هذه القوانين من حيث اعتمادها للمعيار الذاتي أو الموضوعي كضابط للتعسف ومن هذه القوانين.
1/ النظرية في القانون الألماني :
الصادر سنة 1896 حيث اقتصر على المعيار الذاتي في أضيق حدوده ،باعتماده قصد الإضرار كضابط التعسف حيث تنص المادة 226 منه على أنه لا يباح استعمال الحق إذا لم يكن له من غرض سوى الإضرار بالغير (1).
2/ النظرية في القانون السويسري :
الصادر سنة 1907 لقد كان هذا القانون أكثر توسعا من حيث المعيار الذي اعتمده حيث تنص المادة الثانية منه على أنه يجب على كل شخص أن يستعمل حقوقه وأن يقوم بتنفيذ التزاماته طبقا للقواعد التي يرسمها حسن النية، أما التعسف الظاهر في استعمال الحق فلا يقره القانون (2) .
فهذا النص لا يقصد التعسف على حالة قصد ونية الإضرار فحسب بل ويشمل كل حالة تثور المسؤولية فيها بقطع النظر عن نية الإضرار.
3/ النظرية في القانون المدني اللبناني:
تنص المادة 124 من قانون الموجبات والعقود والذي هو من وضع الفقيه الفرنسي" جوسران" على أنه "يلزم أيضا بالتعويض من يضر الغير بتجاوز أثناء استعمال حقه حدود حسن النية أو الغرض الذي من اجله وضع الحق"(3) . ومما يلاحظ من خلال هذا النص أخذه بكلا المعيارين الذاتي والموضوعي فيعتبر الشخص متعسفا إذا ما استعمل حقه بنية وقصد الإضرار بغيره وهذا معيار شخصي أو إذا استعمله لغرض يخالف الغرض الذي من أجله شرع الحق وذلك أيا كان هذا الغرض اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا أو غير ذلك وهذا معيار موضوعي.
ويظهر خلال هذا أن القانون اللبناني قد وضع مبدأ عاما للتعسف وهو الانحراف عن غاية الحق بما يوسع دائرة التعسف عند التطبيق إلى مجال أوسع، ويجعل هذا المبدأ أكثر مرونة يتماشى والصور المنظورة للتعسف مما يترك فسحه للقضاء في تكييف التعسف عند استعمال الحقوق من خلال سوء القصد بالحق أو خروجه عن الغرض أو المصلحة التي شرع من أجلها.





بخلاف القانون المدني اللبناني فإن القانون المصري في تناوله لمبدأ التعسف فقد وضعه في صور متعددة دون أن يحدد أي ضابط عام لها وإن كانت الصور في تعددها تشمل كلا المعيارين الموضوعي و الذاتي حيث تنص المادة الخامسة من القانون المدني في الباب التمهيدي " ويكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال التالية:
- إذا لم يقصد سوى الإضرار بالغير
- إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.
- إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة"(1)
ويمكن إضافة معيار رابعا ورد في المادة 807 من القانون المدني في حق الملكية هو معيار الضرر الفاحش وهو موطن تطبيقه الرئيسي(2)















المبحث الثالث: تقدير معايير التعسف في الفقه الإسلامي و القانون الوضعي و موقف المشرع الجزائري
المطلب الأول: تقدير معايير نظرية التعسف في الفقه الإسلامي و القوانين الوضعية
من خلال ما ذكرناه من معايير يتحدد من خلالها التعسف في استعمال الحق، ويبدو واضحا أثر الصراع لدى فقهاء القانون حول فكرة الحق بين المذهب الفردي و المذهب الاجتماعي الذي تجلى في تحديد معايير التعسف غير أنه مما يلاحظ أن كلا المعيارين وإن اختلفا من حيث مظهرهما و تأسيسهما فإنهما يرجعان في الأصل إلى المعيار الشخصي الذاتي، فأصحاب المعيار الشخصي يقيمون فكرة التعسف على أساس قصد ونية الإضرار بالغير وهو معيار ذاتي محض، و أقامها أصحاب المعيار الموضوعي على أساس انعدام المصلحة المشروعة أي قصد صاحب الحق باستعمال حقه مصلحة ممنوعة وأقام "جوسران" التعسف على أساس انعدام الدافع المشروع وهو معيار ذاتي حينما اتهم المعيار الموضوعي بالتجريد وعدم الانضباط والتحديد أي أن قصور هذه المعايير يبدو واضحا لرجوعها إلى معيار واحد مما يجعلها لا تستوعب صورا كثيرة للتعسف تتأسس على معايير موضوعية ويتضح هذا القصور جليا أمام التأصيل الفقهي الإسلامي للنظرية حين شمل بما وضعه من قواعد للتعسف جميع صوره آخذا بذلك كلا المعيارين الموضوعي و الذاتي.
وبهذا التصور الواسع لفكرة الحق، فإن جميع المعايير التي وضعها فقهاء القانون على اختلاف استقراءاتهم للأصول العامة التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية، فالمعيار المادي الذي يبني التعسف على أساس الضرر
نجد له تطبيقات كثيرة في الفقه الإسلامي تحتها قواعد كثيرة و منها" لا ضرر ولا ضرار" و "قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المنافع ، و "قاعدة إذا تعارض المانع و المقتضى يقدم المانع" ، فكل هذه القواعد وغيرها ترمي إلى تحقيق مقاصد التشريع الإسلامي وذلك بجلب النفع للناس ودفع الضرر و الأذى عنهم فهي إذا مرتبطة بنظرية اجتماعية تعود للمصلحة العامة لهذا فقد قيدت الحقوق بهذه الغاية، وكذا النظرية الذاتية التي تنظر إلى قصد صاحب الحق في استعمال حقه وغايته، أي اعتبار النية عند استعمال الحق فقد اعتد به الفقه مستندا إلى القرائن الخارجية كمؤشر على سوء النية ومرد هذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام :" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" حيث جعل النية أساسا في الأعمال.
بل حتى من ذهبوا إلى الاعتداد بالغاية أو الغرض الاجتماعي للحق كمعيار للتعسف إذا حاد عنه صاحب الحق فإنها نظرية لها أصولها ومرجعها في الفقه الإسلامي ولكن وفق توازن لا يغلو بموجبه حق الجماعة عن حق الفرد بما يمحو كيانه ويزيل شخصيته فهي نظرية مقررة في الشريعة بقواعد وتطبيقات، منها قاعدة "تحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام" ولعل أبلغ مثال على ذلك، أنها أجازت الحجر على المدين دفعا للضرر الذي يلحق الدائنين إذا كثروا.
ولهذا يذهب اغلب الفقهاء بما فيهم فقهاء القانون، إلى أن نظرية التعسف نظرية مستمدة من الفقه الإسلامي و متأصلة منذ نزوله، إذ يقول الدكتور" حسن كيرة ": والشريعة الإسلامية مكنت لفكرة التعسف في استعمال وأعطتها أوسع تصور ممكن وصلت إليه الشرائع والمذاهب الفقهية الحديثة. (1)








المطلب الثاني: موقف المشرع الجزائري من نظرية التعسف في استعمال الحق
لقد اهتم القانون المدني الجزائري بنظرية التعسف في استعمال الحق وجعلها نظرية مستقلة عن نظام المسؤولية التقصيرية وهذا في المادة 41 التي جاءت صياغتها عامة.(1) قبل أن يقرر ضمها إلى حيز هذا النظام بإلغاء المادة 41 واستبدال مضمونها بالمادة 124 مكرر بموجب التعديل الأخير للقانون المدني .
وسار المشرع الجزائري في تناوله لنظرية التعسف على وفق ما سار عليه المشرع المصري حيث مزج بين الفقه القانوني الحديث في نظرية التعسف و الفقه الإسلامي حيث أنه لم يقف عند نية الإضرار بالغير فحسب، واستمد من الفقه الإسلامي ضوابط ثلاثة تشمل كلا المعيارين الموضوعي والمادي، حيث تنص المادة 124 مكرر على أنه " يشكل الاستعمال التعسفي للحق خطأ لا سيما في الحالات الآتية :
* إذا وقع بقصد الإضرار بالغير.
* إذا كان يرمي للحصول على فائدة قليلة بالنظر إلى الضرر الناشئ للغير.
* إذا كان الغرض منه الحصول على فائدة غير مشروعة.
ومما يظهر من منطوق نص هذه المادة أخذ المشرع الجزائري بكلا المعيارين الذاتي، وذلك فيما تضمنته الفقرة الأولى، و المعيار الموضوعي وهذا ما تضمنته الفقرتان الثانية و الثالثة وقد وردت نصوص تشريعية وتطبيقات قضائية لنظرية التعسف في استعمال الحق في القانون الجزائري فمن التطبيقات التشريعية على سبيل المثال، مثال ذلك ما نصت عليه المادة 434 من القانون المدني التي نصت " يجب على القاضي أن يرفض للمالك استعمال حق الاستعادة إذا أثبت المكتري أو شاغل المحل أن المالك يطلب حق الاستعادة لا من أجل تلبية رغبة مشروعة ولكن بنية الإضرار به أو بقصد التهرب و التملص من أحكام هذا القانون.
والمادة 343 من القانون المدني التي تنص على أنه "يجوز لكل من الخصمين أن يوجه اليمين الحاسمة إلى الخصم الأخر على أنه يجوز للقاضي أن يمنع توجيه اليمين إذا كان الخصم متعسفا في توجيهها والجزاء على التعسف في هذا المثال هو منع الضرر قبل وقوعه(2). .







كما نجد نصوصا قانونية أخرى ومنها المادة 73 من القانون رقم 91/29 المعدل المتمم للقانون 90-11 المتعلق بعلاقات العمل التي تلحق البطلان بالتسريح التعسفي للعامل والذي يقع من غير مراعاة ميعاد الإخطار ويترتب عليه إعادة العامل لمنصبه بأمر قضائي مع ثبوت حقه في التعويض.(1)
وقد جوز قانون الأسرة تعويض الضرر الناجم عن العدول عن الخطبة والذي يعتبر العدول فيه تعسفا وبالتالي يستوجب التعويض وفقا لمبادئ نظرية التعسف في استعمال الحق.
أما القضاء الجزائري فقد طبق مبادئ نظرية التعسف في عدد من قراراته ،كإساءة استعمال حق الدعوى في حالة وجود نية الإضرار بالغير أو الاستعمال الكيدي لهذا الحق العام وهو ما حكمت به محكمة وهران، حيث اعتبرت أن من يرفع دعوى مطالبا بشيء يبدو أنه لاحق فيه، فإنه في هذه الحالة يكون متعسفا في استعمال حق الادعاء و مخطئا خطأ تقصيريا موجبا للتعويض(2) ، كما اعتبر طلاق الزوج بدون مسوغ قانوني أو مبرر شرعي مقبول طلاق تعسفيا يستوجب التعويض(3) .

















المبحث الأول : العدول عن الخطبة
الخطبة هي التماس الزواج من امرأة معينة بتوجيه هذا الالتماس إليها وإلى وليها، أو هي طلب الرجل التزوج بامرأة معينة خالية من الموانع الشرعية وذلك بأن يتقدم إليها مباشرة أوالى أهلها أو عن طريق أجانب يبعثهم للتفاهم والتفاوض في أمر العقد و المطالب الخاصة بهذا الشأن فإذا أجابته إلى طلبه تمت الخطبة بينهما، وكما تكون الخطبة صريحة تكون بالتعريض فالخطبة الصريحة هي طلب التزوج بامرأة وإظهار الرغبة في ذلك، بطريقة مباشرة ما كأن يقول الخاطب لمن يخطبها" إني أريد أن أتزوجك أو أرغب التزوج بك "، أما الخطبة بالتعريض فهي تلك التي يستعمل فيها الخاطب الجمل التي يفهم قصد الخطبة من عرضها بالقرائن كأن يقول الخاطب لمن يخطبها " إني فيك لراغب، إنك جميلة، إني أريد أن أتزوج ، ونحو ذلك".
ولقد عرف المشرع الجزائري الخطبة بأنها وعد بالزواج في المادة 5 من ق.أ.ج.
كما نص على أنه" يمكن أن تقترن الخطبة بالفاتحة أو تسبقها بمدة غير محددة" م 6/ 1ق.أ.ج، وعليه فإنه يدخل في حكم الخطبة قراءة الفاتحة من طرف مجلس الرجال وكذا ما جرت به العادة أو العرف من تبادل الهدايا م6/02 من ق.أ.ج.

















المطلب الأول: الطبيعة القانونية للخطبة وموقف المشرع الجزائري
* الطبيعة القانونية للخطبة:
يمكن تقسيم الاتجاهات الوضعية الفقهية والتشريعية والقضائية، إلى طائفتين اثنتين إحداهما تصبغ الخطبة بالصبغة العقدية و الثانية تنزلها منزلة الوعد بالزواج لا غير.
أ/ الاتجاه الأول: الخطبة عقد كامل
تقوم فكرة الطبيعة العقدية للخطبة على أساس أنها عقد بين الطرفين يكون صحيحا وملزما لهما كأي من العقود الملزمة للجانبين التي تتيح لأطرافها التنصل أو الإلغاء بمحض الإرادة المنفرة مع مراعاة الغاية من التعسف حين استعمال الحق في العدول و إلا عد هذا الطرف مرتكبا لخطا يستوجب التعويض.
وتحت هذا التأثير سار القضاء وبعض الفقهاء القانونيين في فرنسا و البلاد العربية، فقد كان القضاء المدني الفرنسي لا يميز بين الخطبة و العقد إذا كان التراضي كافيا لتصبح الخطبة عقدا.
و في مصر بدا التردد كافيا للقول بعدم الفصل في طبيعة الخطبة، حيث يرى بعض رجال القضاء أن الخطبة عقد تمهيدي يسبق عقد الزواج ورتب على هذا القول، نتيجة مؤداها أنه ما دامت الخطبة عقدا فيلزم لانعقادها إيجاب و قبول.
وقد أيد القضاء المصري هذا الرأي في بعض أحكامه، واعتبر الخطبة عقدا ملزما و العدول عن الوفاء به يوجب التعويض... كما أن تلك الأحكام تعبر دائما عن العدول عن الخطبة بأنه حق، و بأن استعماله مقيد بالحكمة التي شرع من أجلها فإن خرج عن هذه الحكمة وجب إلزام فاعلها بتعويض ما ينشا عنها من ضرر وبالتالي فالمحاكم تعتبر الخطبة منشئة لارتباط إلى حد ما(1). وما يمكن قوله إن هذه الآراء ومثلها تكون قد اعتمدت على الإعجاب و القبول الذي يتبادله الخاطبان وقد عولت كثيرة على العلاقات التي تنشأ بين الخاطبين والتي لا يمكن تجاهلها بأي حال، غير أن مناصرة هذا الرأي قد يجر إلى الالتزام بإبرام الزواج وهو ما يطرح إشكال انعدام الرضا في عقد الزواج،و عليه فإن تكييف الخطبة عقدا ملزما قد يكون ممهدا لتوطين بوادر الطلاق لاحقا في هذه العلاقة الزوجية من حيث يراد تحسيس الخاطبين بأهمية ارتباطهما ضمن نطاق هذا التكييف.
ب/ الاتجاه الثاني : الخطبة وعد بالزواج
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الخطبة مجرد وعد بالزواج ولا ترقى لمرتبة العقد وليست لها الصبغة الإلزامية ولا القيمة القانونية حيث لا تزيد عن كونها التزاما أدبيا لا غير.
ويستند هذا الاتجاه إلى ما يأتي :
* إن التشريع الفرنسي لم ينص عليها حيث كانت مجهولة في القانون المدني الفرنسي.












* مبدأ حرية الشخص في اختيار شريكته دون أدنى ضغط أو إكراه لأنه من النظام العام فحرية العدول يجب أن تكون مجردة من كل قيد.
وهذه الطبيعة غير الإلزامية للخطبة سار عليها كثير من الفقهاء في فرنسا وفي مصر وبقية العالم العربي ونصت عليها تشريعات الأحوال الشخصية العربية ودرجت عليها اجتهاداتهم القضائية.
فقد نصت أغلب القوانين العربية على أن الخطبة وعد بالزواج، وهو ما نجده في المادة 02 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية و المادة 05 من مدونة الأسرة المغربية الجديدة و المادتين 02 و 03 من القانون السوري للأحوال الشخصية و المادة 02 من قانون الأحوال الشخصية الكويتي(1) .
وقد سكت المشرع الفرنسي كما سلف ذكره في القانون المدني و لم يتعرض لأي بيان حول طبيعة الخطبة غير أن أغلب فقهاء القانون المدني في فرنسا قد قرر أن الخطبة مقدمة من مقدمات الزواج وليست لها قوة العقد وتخضع لمبدأ الرضائية و الحرية التامة ، وهو ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية بقولها الخطبة لا تلزم الزواج و مثلها الوعد، وقبول تبادل الهدايا .
واستقر القضاء الفرنسي منذ زمن بعيد على تجريد الخطبة من كل قوة ملزمة بل إن من بين أحكام المحاكم الفرنسية ما يقرر في عبارات صريحة إن الوعد بالزواج باطل وغير مشروع باعتباره يمس الحرية التي ينبغي أن تسود الزواج.
و بالنسبة للقانون المصري الذي لم يتضمن أحكاما في الخطبة فقد استقر قضاؤه منذ سنة 1939 على أن الخطبة ليست إلا تمهيدا لعقد الزواج وأنها ليست بعقد ملزم.
وقد اتجهت بعض أحكام المحاكم المصرية هذه الوجهة، إذ كان القضاء يقرر عدم التزام أي من الطرفين بالوفاء بالوعد بالزواج لما في ذلك من مساس بحرية عقد الزواج. وأن الخطبة مجردة شرعا من كل اعتبار قانوني ولا تقيد أحدا من المتواعدين(2).
وقد جاء في حكم محكمة الاستئناف المصرية أن مبدأ حرية الزواج يقضي بأن يكون الطرفان في حل من
العدول عنه إلى أن ينعقد، فالوعد بالزواج باطل حينئذ من الوجهة المدنية لمخالفته للنظام العام(3).
(تاريخ الحكم 29/05/1906).







* موقف المشرع الجزائري
أما بالنسبة لموقف المشرع الجزائري من الطبيعة القانونية للخطبة، فقد صرح في مادته الخامسة (05) بأن الخطبة" وعد بالزواج" ، مستندا في ذلك إلى أرجح الأقوال في الفقه الإسلامي ، متأسيا بالمشرعين العرب وللإشارة فإن وصف الوعد بالزواج، ليس جديدا على القانون الجزائري إذ نصت المادة الرابعة من الأمر رقم (59 - 274) المؤرخ في 04/02/1959 ، على أن الوعد بالزواج الصادر من جانب واحد أو من جانبين لا يعتبر زواجا ،ولا يرتب أي التزام بإبرام الزواج ، وجاء في المادة الأولى من مجلة الأحكام الشرعية الجزائرية الصادرة سنة 1907 ،بأن الوعد بالنكاح في المستقبل و مجرد قراءة الفاتحة دون إجراء عقد صحيح كل منهما لا ينعقد به نكاح، وللخاطب العدول عمن خطبها وللمخطوبة أيضا رد الخاطب الموعود بتزويجه منها .
ولو اقترنت الخطبة بقراءة الفاتحة فهذا لن يرفع من قيمتها الإلزامية شيئا، فستظل وعدا غير ملزم، وليس عقدا وتخضع لنفس أحكام الخطبة. وتكييف الخطبة بأنها وعد بالعقد، يعد أقرب للواقع وأقرب للصواب فمن غير العدل إلزام أحد الخاطبين بالعقد في مرحلة هو في حاجة ماسة إليها ليتعرف على من يشاركه حياته، وبالتالي تنتفي المقاصد التشريعية من مرحلة الخطوبة، وتنتفي معها مقاصد الزواج كلية.
وقد دأب القضاء الجزائري على تكريس ما ذهب إليه قانون الأسرة من خلال اجتهاداته المختلفة،فقد قررت المحكمة العليا بأن الأصل في الخطبة وفي غالب الأحيان أنها مقدمة للزواج وليس زواجا(1)












المطلب الثاني: أثر استعمال حق العدول عن الخطبة
ذكرنا سابقا بأن الخطبة هي من مقدمات الزواج ولا تعتبر زواجا شرعيا، وبأنها مجرد وعد بالزواج لا يربط كل من الخاطب و المخطوبة برباط الزوجية ،بل لكل منهما أن يعدل عن الخطبة، وينقض وعده على أساس عدم وجود فكرة العقد أو الإلزام (م 5 ق.أ.ج) هذا و توجب مشكلة العدول عن الخطبة البحث في نقطتين هامتين هما حكم الصداق و الهدايا و حكم المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي يلحق أحد الطرفين ماديا أو أدبيا.
أ/ حكم الصداق والهدايا حين العدول عن الخطبة:

إذا فسخت الخطبة من الطرفين أو من أحدهما وكان الخاطب قد دفع الصداق كله أو بعضه فله المطالبة باسترداده،فإن كان قائما يجب رده بعينه، وإن كان هالكا أو مستهلكا يجب رد مثله إن كان مثليا،وقيمته إن كان قيميا، وهذا باتفاق العلماء.
وأما ما قدمه الخاطب من هدايا،فالفقهاء متفقون في الجملة على ردها وإن اختلفوا في التفاصيل،ففي المذهب الحنفي تأخذ الهدايا حكم الهبة ،وحكم الهبة أن الواهب له حق الرجوع فيها ما لم يوجد مانع من موانع الرجوع في الهبة،أما الشافعية يذهبون إلى وجوب الرد مطلقا،سواء كانت الهدية باقية أم هالكة بشرط أن تكون الهدية لأجل التزوج، وهو الحكم الذي نجده في القانون الألماني و القانون السويسري.
وأما المالكية فيذهبون إلى أنه إذا كان العدول من جانب الخاطب,فلا يحق له أن يسترد شيئا من الهدية،سواء أكانت مثلية أم قيمية، و سواء أكانت قائمة أم مستهلكة، وأما إذا كان العدول من جانب المخطوبة، فللخاطب أن يسترد جميع ما قدمه من هدايا،فإن كانت قائمة استردها وإن كانت مستهلكة استرد قيمتها، وهذه الأحكام تسري في حال عدم وجود عرف ينافي ذلك.
ويظهر لنا بأن رأي الفقه المالكي هو رأي عادل وعقلاني، لأن الخاطب إذا عدل عن خطوبته،فليس من اللائق مضاعفة ألم المخطوبة، ولعل في ترك الهدايا بعض التخفيف من ألمها و مصابها، أما إذا كان العدول من جانبها فليس من العدالة أن تحرم الخاطب ما قدمه من هدايا وهو لم يقترف ذنبا أو يرتكب أي خطأ.
ب/ حكم الضرر المترتب عن العدول عن الخطبة:
قد يترتب عن العدول عن الخطبة ضرر يلحق أحد الطرفين ماديا أو أدبيا، وخاصة إذا استمرت الخطبة عدة سنوات، كما إذا كلف الخاطب نفسه بإعداد مسكن للزوجة المرتقبة، ثم عدلت المخطوبة عن الخطبة بغير مبرر، أو يطلب الخاطب من مخطوبته ترك دراستها أو الاستقالة من وظيفتها أو إعداد جهاز مهم كما قد يفوت عنها خطابا آخرين، أو يكون في فسخ الخطوبة ما يمس كرامة الطرف الآخر، فما هو حكم العدول في هذه الحالات، والضرر قد أصاب الطرف الأخر ؟
لا نجد في كتب الفقه الإسلامي القديم من تعرض لهذا الموضوع، وذلك لأسباب متعددة أهمها:اختلاف الحياة الاجتماعية و الآراء و العادات في عصرهم عن عصرنا الحالي، واعتبارهم بأن الزواج لا يتم إلا بالرضا الكامل وأن التعويض لا يكون إلا لسبب من أسباب الالتزام، كالإخلال بعقد مثلا، والخطبة ليست عقدا، أما في الفقه الإسلامي الحديث، فنجد في هذه المسالة أربعة آراء:
1-الرأي الأول:
هو ما ذهب إليه الشيخ محمد بخيث رحمه الله (مفتي الديار المصرية سابقا) إلى أنه" لا تعويض في حال العدول عن الخطبة لأن الخطبة ليست بعقد، بل وعد بالعقد ولا إلزام في هذا الوعد، ومن عدل عن خطوبته، إنما يمارس حقا من حقوقه الشرعية "



2-الرأي الثاني:
وقال به الشيخ محمود شلتوت رحمه الله (شيخ الأزهر سابقا) إن العدول عن الخطبة يستوجب التعويض للطرف الأخر
3-الرأي الثالث:
وذهب إليه العلامة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله وهو أن العدول إذا ترتب عليه ضرر مادي استوجب التعويض, أما إذا لم يترتب على العدول ضرر مادي أو ترتب ضرر معنوي فلا تعويض*
وقال الدكتور السنهوري: وهو يتكلم عن المسؤولية في استعمال الحق إن القضاء في مصر انتهى إلى المبادئ الثلاثة الآتية:
1-الخطبة ليست بعقد ملزم.
2-مجرد العدول عن الخطبة لا يكون سببا موجبا للتعويض.
3-إذا اقترن بالعدول عن الخطبة أفعالا ألحقت ضررا بأحد الخاطبين،جاز الحكم بالتعويض على أساس المسؤولية التقصيرية(1).

















المطلب الثالث: موقف المشرع والقضاء الجزائري من الأثر المترتب عن العدول:
أ/ موقف المشرع الجزائري:
لقد حسم المشرع الجزائري في قانون الأسرة مسألة تعويض الضرر المعنوي الناجم عن العدول عن الخطبة، وذلك بعبارة صريحة واضحة و قاطعة حيث نصت المادة الرابعة من الأمر رقم 05/02 على ما يأتي:
-" الخطبة وعد بالزواج.
- يجوز للطرفين العدول عن الخطبة ضرر مادي أو معنوي لأحد الطرفين جاز الحكم له بالتعويض". وهذا يعني أن الحكم بالتعويض جائز ومتروك لصلاحيات القاضي.
- ولا شك أن المشرع قد استند إلى أساس معين في المادة قد يكون قانونيا أو شرعيا.
ورأينا كيف أن تكييف الخطبة وعد بالزواج وليست عقدا كان محله الفقه الإسلامي. وبعض التشريعات كالتشريع الفرنسي الذي لم يتوصل لذلك إلا عن طريق القضاء.
وإذا تأملنا نص الفقرة الثالثة من المادة الرابعة ، نجد أن لفظة الجواز أي جواز الحكم بالتعويض، تنصرف لاستيعاب دلالة الخلاف الواردة في المسألة سواء في الفقه أم في القانون، حول مبرر التعويض عن الضرر، ولهذا فيمكن ألا يحكم القاضي بالتعويض، وذلك ما إذا بدت له المبررات المقنعة، كأن لا يكون الضرر معتبر أو ناتجا عن خرق قاعدة شرعية.
وما يمكن قوله حول صياغة نص المادة 4 ف 3 من قانون الأسرة أنها مرنة وتستمد مرونتها من خلاف الفقهاء في الشريعة والقانون حول مسألة التعويض.
ولقد أشار الأستاذ بلحاج العربي إلى رفضه كل الآراء التي أبداها بعض الشراح والمتعلقة بتأثر قانون الأسرة الجزائري بالقانون الفرنسي، مقررا بأن القانون قد استمد من الفقه بكل قوة وأصالة،بعيدا عن التقليد والجمود والأنظمة الدخيلة التي لا تساير الواقع الجزائري(1) .
- غير أن نص المادة 04 يحتاج إلى تقييد بناء على أن النص جاء مطلقا في حكمه بجواز التعويض عن العدول، مما يفهم منه أن الحكم بالتعويض متعلق بالعدول في حد ذاته، وهو قول منتقد، كما ذكرنا باعتبار أن الخطبة وعد لا يترتب عليه أي التزام، وبالتالي فإنه يحق لكلا الطرفين العدول وإنما يطلب التعويض إذا ما ترتب على هذا العدول ضرر، بتوفر شرطين هما:
* أن يكون العدول غير مبني على سبب مقنع ينزع على العادل صفة السلوك الخاطئ، الذي يحمله المسؤولية التقصيرية التي توجب الضمان تبعا.













* أن يكون الضرر اللاحق بالطرف المعدول عنه ناشئا عن تصرف صادر من العادل، مقترنا بالخطبة كما في حالة التغرير بالطرف الآخر ثم العدول عنه.
وعليه فان هذا النص يحتاج إلى تعديل يضبط به أساس التعويض ويقيده بناء على مبدأ التعسف في استعمال الحقوق.(1)
- هذا ويترك تقدير العدول على كونه تعسفا موجبا للمسؤولية إلى القاضي بحسب ما يراه اعتمادا على القرائن الدالة على ذلك.
ب/ موقف القضاء الجزائري من تعويض الضرر المترتب عن العدول:
من المعروف أن القضاء في الجزائر وفي بقية البلاد العربية عموما قد استقر على مبدأ تعويض الضرر الناجم عن العدول عن الخطبة تطبيقا، ولم يكن يخالف ما استقر عليه الفقه والتشريع في هذا الميدان(2).
وفي هذا الصدد قضت المحكمة العليا بتعويض الضرر في قرار جاء فيه:
حيث ثبت من أدلة الملف ومن تصريحات المدعى عليها بجلسة الصلح أن العدول عن الزواج كان بفعلها، وحيث يتبين من الملف أن الآنسة اعترفت في المحكمة أنها هي التي رفضت إتمام الزواج وأن فسخ الخطوبة كان منها وهذا إقرار قضائي حسب المادة (341 من ق.م) لذلك وجب تعويض الطاعن عن الضرر الذي أصابه بسبب العدول عن الخطبة(3)
وفي قرار أخر للمحكمة العليا قضت برفض طلب التعويض المقدم من الطاعنة التي عدلت عن الخطبة بناء على إرادتها، وكان عدولها وفقا لتفسير المحكمة بدون مبرر شرعي أو قانوني(4).
وكان مجلس قضاء مستغانم قد قضى بالتعويض عن الضرر الناجم عن العدول عن الخطبة منذ سنة 1966 مما يدفعنا إلى القول بأن هذا المبدأ قديم في القضاء الوطني حتى قبل صدور قانون الأسرة.
ولا يتوقف دور المحكمة العليا على مجرد تقرير الأحكام ونشرها بل إثرائها وتوضيح الأساس المعتمد عليه، والذي كيفت أساسه التعويض الموجب للمسؤولية التقصيرية، وأن العدول قد صاحبته أفعال أدت إلى الإضرار بالطرف الأخر.







المبحث الثاني: التعسف في استعمال الطلاق
المطلب الأول: مفهوم الطلاق التعسفي
الأصل أن الطلاق حق مباح للرجل يملك إيقاعه بحرية، هذه الأخيرة تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين فالرجل إن تمادى في استعمال حقه في الطلاق بطريقة لا يراعي فيها إلا ولا ذمة بزوجته يعتبر متعسفا في استعمال حقه،مما يوجب عليه تعويض الضرر اللاحق بزوجته التي طلقها تعسفيا لا يستند إلى أي مبرر شرعي،فأساس التعويض عن الطلاق هو التعسف في استعمال الحق.
والشريعة الإسلامية جعلت لكل من الزوجة والزوج حقا في إنهاء الزواج وفق الضوابط الشرعية في ذلك.
غير أن الزوج قد لا يلتزم في ممارسة حقه الإرادي بما ورد في الشرع ،فيتسبب بضرر للزوجة، وتتمثل هذه الممارسة المعيبة للحق في إيقاع الزوج للطلاق دون سبب معقول أو مشروع يبرره.
كما يجب على الزوج كذلك أن يراعي السنة في طلاقه,فلا يطلق امرأته في الحيض مثلا، أخذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في طلاق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض "مره فليراجعها" .
ويجب توفر القصد البريء بالطلاق، بأن لا يقصد الزوج الإضرار بالزوجة،ومن ذلك إيقاع الطلاق في مرض الموت بقصد حرمان الزوجة من الميراث، وأمثلة تطبيقية عديدة عرفت حديثا باسم الطلاق التعسفي،فما هو هذا الطلاق التعسفي، وما هي صوره ؟
أ / تعريف الطلاق التعسفي1:
الطلاق التعسفي مصطلح حديث في تسميته قديم في المعنى يطلق على كل طلاق استبد به الزوج وتتأذى المرأة من ورائه، وقد أشار إليه قانون الأسرة الجزائري في المادة 52
* معنى التعسف:
التعسف في اللغة هو الأخذ على غير الطريق أو سلكها على غير قصد,أما في الاصطلاح فيعرف بأنه: "مناقضة قصد الشارع في تصرف مأذون فيه شرعا بحسب الأصل" (2)
وفي استعمال الحق يراد بالتعسف ذلك الاستعمال على الوجه غير المشروع بمعنى مجاوزة الحق حين مزاولة الإنسان له.






- ولما كان الطلاق حقا للرجل يملك إيقاعه بإرادته المنفردة فإنه يعد متعسفا في ذلك إذا جاوز حدود الحق بأن أوقعه مناقضة لقصد الشارع في الطلاق، متمثل في تجنيب الزوجين المفاسد التي تنجم عما وصلت إليه علاقاتهما من الشقاق، وتفويت لمقاصد النكاح السامية من ألفة ورحمة وغيرها، ولا يخفى ما ينجم عن ذلك من ضرر مادي ومعنوي.
ب/صور الطلاق التعسفي :
إن للطلاق التعسفي تطبيقات وصور عديدة ومن أشهرها تلك التي نص عليها الفقهاء وأسهبوا في ذكر أحكامها وهي :
1)الطلاق في الحيض: وصورة التعسف فيه تتمثل في رغبة الزوج بتطويل العدة، فتكون الحيضة التي حصل فيها الطلاق غير محسوبة من مدة العدة.(1)
وقد أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض بغير رضاها.
2)طلاق الثلاث بلفظ واحد: ويظهر التعسف في مثل هذا الطلاق في إهمال الزوج للحكمة المقصودة في التفريق بين الطلقات الثلاث,ومناقضة قصد الشارع في ذلك,فإنها شرعت ليتدارك المفرط ويعتبر.
وقد ذهب جمهور الأئمة إلى وقوع طلاق الثلاث وبينونة الزوجة به,ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره إلا أن كثــــــيرا من الفقهاء المعاصرين يفــتون باعتبار طلاق الثلاث، واحد يستيسر على الناس وصونا للرابطة الزوجية ومراعاة لمصلحة الأولاد خصوصا في هذا الوقت الذي قل فيه الورع والاحتياط ،وتهاون الناس في التلفظ بهذه الصيغة في الطلاق,وهم يقصدون غالبا التهديد والزجر.
3) طلاق الهازل والسكران:
ويتجلى التعسف في هذا النوع من الطلاق في استخفاف الزوج بقداسة عقد الزواج بحيث لا يعرف قصد الهازل في وقوع الطلاق,والسكران,إذا كان متعديا بسكره,متناولا إياه بكامل إرادته(2)
وجمهور الفقهاء يوقعون طلاق الهازل و السكران إذا كان سكره محرما.
4) الطلاق بقصد الحرمان من الميراث: وهو أن يطلق الرجل المريض مرض الموت زوجته يحرمها من إرثها منه,وهذا بلا شك عدوان لا يرضاه الله و تأباه المروءة.
إذ كيف يطلق الرجل هذه المرأة في أخر أيامه,بعد أن قطعت معه أشواط العمر و ربما تحملته و صبرت على أذيته ليفاجئها بهذه النهاية المحزنة،فعاملته الشريعة الإسلامية على تقيض مقصوده,فقال المالكية بميراث الزوجة,كانت في العدة أم لم تكن و سواء تزوجت أم لم تتزوج ولذلك فهذه التطبيقات وغيرها يظهر فيها جليا مبدأ التعسف في استعمال الحق، في الطلاق و الضرر الذي يصيب الزوجة و الزوج على طرفي سواء،وذلك مثل الطلاق في الحيض و طلاق الثلاث بلفظ واحد.






المطلب الثاني : موقف المشرع و القضاء الجزائري من تعويض الضرر الناجم عن الطلاق التعسفي
1)موقف المشرع الجزائري:
لقد قضى المشرع الجزائري فيما ورد في المادة 52 من قانون الأسرة بالتعويض للمطلقة الذي ثبت تعسف زوجها في طلاقها حيث تنص في الفقرتين الأولى و الثانية "إذا تبين للقاضي تعسف الزوج في الطلاق حكم للمطلقة بالتعويض عن الضرر اللاحق بها، و إذا كانت حاضنة ولم يكن لها ولي يقبل إيواءها يضمن حقها في السكن مع محضونها حسب وسع الزوج" ،هذا وتكييف إطلاق الزوج بكونه متعسف فيه أمر متروك للسلطة التقديرية للقاضي وعليه، فإذا طلق الزوج زوجته و تبين للقاضي أنه تعسف في طلاقه بأن كان دون سبب معقول وأن الزوجة لحقها ضرر بذلك جاز للقاضي أن يحكم لها على مطلقها بحسب حالة و درجة تعسفه، بتعويض عادل متروك تقديره لسلطة القاضي التقديرية وفقا لحالة الزوج المالية(1)
وقد قضى المشرع الجزائري بالمتعة على المطلقة على وفق ما أقره الفقهاء دون التعويض,كتخفيف عن ألم,الفراق عن زوجها,لأنه يعتبر المتعة في حد ذاتها تعويضا.
أما في حال ثبوت تعسف الزوج في طلاقه فإن للمطلقة حقها في المتعة إضافة إلى التعويض عن الضرر الذي لحقها جراء تعسف الزوج.
وعليه فان المشرع الجزائري بقضائه الحكم بالتعويض للزوجة المطلقة بدون سبب معقول يكون مستنده مبدأ التعسف في استعمال الزوج حق الطلاق,حيث أن انتفاء السبب المشروع لإيقاعه يعتبر قرينة للضرر,وهو مبدأ مستمد من الفقه الإسلامي الذي يقضي بأن الحق يصبح غير مشروع إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير(2) وهذا تطبيق لمبدأ التعسف في معيار الذاتي الذي يعتد بالباعث والدافع في استعمال الحق,فإيقاع الطلاق من غير ما سبب وحجة يعتبر قرينة على قصد الضرر والأذى قد يستند عليه القاضي في تقديره الأضرار اللاحقة بالزوجة و الحكم بالتعويض لها.
كما أنه قد بنى الحكم بالتعويض على وفق القاعدة الشرعية "لا ضرر ولا ضرار" وذلك حينما ترك للقاضي مطلقة الحرية في تقدير التعويض عن الضرر اللاحق بالزوجة جراء هذا الطلاق التعسفي,بما يتفق و الحالة المالية للزوج.










2) موقف القضاء الجزائري من تعويض الضرر الناجم عن الطلاق التعسفي:
لقد اطردت المحكمة العليا على تعويض الطلاق التعسفي فقد شددت في قراراتها على أن التعويض واجب على من طلق زوجته تعسفا (1) ومن بين القرارات التي يظهر فيها بينا اعتماد المشرع الجزائري لنظرية التعسف في استعمال الحق, في إيجاب التعويض عن الطلاق التعسفي،

بدل المتعة ما يأتي:"من الأحكام الشرعية أن للزوجة المطلقة طلاقا تعسفيا نفقة عدة,نفقة إهمال,نفقة متعة,وكذلك التعويض الذي قد يحكم به لها من جراء الطلاق التعسفي,والقضاء بما يخالف هذا المبدأ يستوجب نقضا القرار الذي منح للزوجة مبلغا إجماليا من النقود مقابل الطلاق التعسفي(2) ولقد قضت محكمة سيدي امحمد بتاريخ 28/10/1984 بمبلغ 20,00 دج كتعويض عن الضرر الناتج عن الطلاق التعسفي,طبقا لسلطتها التقديرية,طالما أن المشرع لم يحدد حدا أقصى,ولا حد أدنى للتعويض الذي يقدم للمطلقة في حالة التعسف في الطلاق .
وقد حكم القضاء الجزائري بأن حق الطلاق مخول في الشريعة للزوج,ولا يترتب على استعماله من الأحكام سوى استحقاق الزوجة المطلقة لمؤخر صداقها,ونفقة عدتها,التي يراعي في تقديرها حالة المطلق المالية حيث جاء ما يلي:
"القرار المطعون فيه قد خالف أحكام الشريعة في الطلاق الذي هو ملف في عصمة الزوج الذي ما فتئ في كل مراحل الخصام يطلب رجوع زوجته و الحكم بتطليقها من جانب قضاء الموضوع لا مبرر له .(3)
"غير أنه إذا كان الطلاق لغير سبب مشروع يدعو إليه, وجب على المطلق المتعسف التعويض,لما لحق الزوجة من أضرار بسبب هذا الطلاق" (4) .

و في قرار للمحكمة العليا صادر في 22 نوفمبر 1982 مؤداه أن للمطلقة الحق في النفقة و التعويض و سائر توابع العصمة إذا كان طلاق الزوج غير مبرر,ولو كان الزوج غير مسجل بالحالة المدنية (5) .
















المبحث الثالث: التعسف في الوصية
المطلب الأول: تعريف الوصية ودليل مشروعيتها
أولا) تعريف الوصية:
ـ لغة:من أوصى الرجل و وصاه أي عهد إليه، والوصية ما أوصيت به,وسميت وصية لاتصالها بأمر الميت،ووصى الشيء بغيره وصيا وصله.
ـ اصطلاحا: الوصية عند الفقهاء اسم لما أوجبه الموصي في ماله بعد موته،أو هي تمليك مضاف لما بعد الموت بطريقة التبرع سواء كان التملك عينا أم منفعة 1 .
ثانيا) دليل مشروعيتها: الوصية مشروعة بما ثبت من نصوص القرآن والسنة وهي مندوبة على اعتبار أنها عقد من عقود التبرع.
فمن القران قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت،إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) سورة البقرة الآية 180
ونسخ الوجوب وبقي الاستحباب في حق من لا يرث.
وقوله (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ) سورة المائدة الآية 106.
وقوله عز وجلمن بعد وصية يوصي بها أو دين). سورة النساء الآية 12.
ومن السنة قوله ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) أخرجه مسلم كتاب الوصية. حديث رقم 1627 ج11 ص 63.
والمراد الحث على صاحب مال يمر عليه زمن وله ما يوصي فيه،ولا يكتب وصيته،فالحديث فيه حث على المبادرة على كتاب الوصية.
ولكن مشروعيتها وفق ضوابط وشروط وضعها الفقهاء تضبطها، وهذا حتى لا يضر الموصي بأصحاب الحق في ماله بعد موته، وهم الورثة، وحتى لا تحيد الوصية عن سبيل المقصد الذي شرعت من أجله.
تعريف المشرع الجزائري للوصية: لقد تناول المشرع الجزائري الوصية في قانون الأسرة في الكتاب الرابع الخاص بالتبرعات، حيث عرفها على وفق تعريف الفقهاء لها، فقد نصت المادة 184 منه على أنالوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع). حيث يشمل التعريف جميع أنواع الوصايا، وذلك باستعماله لفظ التمليك بصيغة الإطلاق، مما يشمل الوصية بالأعيان والوصية بالمنافع،أو بإسقاط الديون على الغير،لأنها من باب تمليك الدين للمدين.




وإيراده للفظ التبرع يدل على أن المشرع يقصد بالنص الوصية التي تبنى على محض التبرع ولا يكون في مقابلها أي عوض،فقد أخرج بهذا القيد الوصايا التي تنشأ عن بيع أو إيجار لأن مثل هذه الوصايا هي تمليك ولكن بعوض وليس تبرعا.
المطلب الثاني : مقدار الوصية المشروع:
لقد قيدت الوصية بمقدار الثلث، حيث أن العلماء اتفقوا على أنه لا تجوز الوصية في الكثير من الثلث لمن ترك ورثه وقد دلت على هذا المقدار السنة النبوية التي قيدت إطلاق لفظ الوصية في القرآن الكريم في قوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين ) سورة النساء الآية 12 حيث ثبت أن النبي عاد سعد بن أبي وقاص حيث قال: عادني النبي عام حجة الوداع من مرض أشفيت على الموت. فقلت :يا رسول الله بلغ بي من الوجع ما ترى و أنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال لا قال سعد: أفأتصدق بشطره؟ قال رسول الله (الثلث يا سعد،والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). أخرجه البخاري في صحيحه ج7. ص 269.
هذا وأن الثلث المعتبر هو مما يكون تركة خالصة من الدين،لأن سداد الدين يكون أولا، وبعد الدين تقدر الوصية بالثلث الباقي، فيخلص للورثة الثلثان كاملين(1) .
وعلى هذا فإنه إذا ما تعدى الموصي في وصيته ما حددت به شرعا بأن أوصى بأكثر من ثلث تركته,فإن نفاذها يتوقف على إذن وإجازة الورثة فان أجازوها نفذت واعتبر ذلك تنازلا منهم عن جزء من حقهم في التركة.
* مقدار الوصية في القانون الجزائري:
لقد قيد المشرع الجزائري كذلك الوصية بمقدار الثلث وجعل نفاذها في حال تجاوز الموصي الثلث المحدد لها على إجازة الورثة كما ذهب إليه الفقهاء حيث نصت المادة 185 من قانون الأسرة"تكون الوصية في حدود ثلث التركة وما زاد على الثلث تتوقف على إجازة الورثة ".











المطلب الثالث: صور المضارة في الوصية وأثر التعسف فيها:
لقد أباح الشرع الوصية لمقصد نبيل وسامي يعود على الموصي، ينال به الثواب حتى بعد موته،ولكن في حدود مشروعة مقيدة بأن لا يضر بأصحاب الحق في ماله بعد موته وهم الورثة،لذا فقد صرح المولى عز وجل بتحريم المضارة فيها في قوله تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار) وهذا حتى لا تحيد الوصية عما شرعت من أجله، غير أن الموصي قد يجانب هذا القصد بأن يلحق بوصيته ضررا بالورثة وذلك من خلال صور متعددة لهذه المضارة لا تكيف على كونها تعسف في استعمال حق الوصية بناء على مفهوم التعسف وضوابطه،ومن هذه الصور للمضارة في الوصية:
أولا/ الوصية لوارث:
بأن يؤثر وارثا بوصيته دون باقي الورثة أو إضرارا بهم،وهذه وصية باطلة ولا تجوز باتفاق العلماء وهذا لقوله صلى الله عليه وسلمإن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) أخرجه الترمذي في كتاب الوصايا. الجزء الرابع ص 433
وهذه الصورة من المضارة في الوصية،لا تكيف على أنها تعسف،و لذلك كون التعسف في استعمال الحق في تأسسه يقوم على وجود حق يتم وصفه بكونه متعسفا فيه، وفي الوصية لوارث فإن الحق منتف،وذلك لبطلان الوصية من أصلها(1)
ثانيا: الوصية بما يزيد عن الثلث لغير وارث:
وقلنا إن نفاذها متوقف على إجازة الورثة، فإن هم أجازوها عد ذلك تبرعا وتنازلا منهم عن جزء من حقهم في الميراث، وهو ما ذهب إليه المشرع الجزائري في قانون الأسرة في المادة 185تكون الوصية في حدود ثلث التركة وما زاد على الثلث تتوقف على إجازة الورثة).
وكذلك فإن هذه الصورة لا تعد ولا تكيف على أنها تعسف من الموصى في استعمال حقه في الوصية,وذلك لنفس سبب الصورة الأولى أي انتفاء وجود الحق حتى يوصف بكونه تعسفا،فالوصية بأكثر من الثلث المحددة شرعا هي من باب الخروج عن حدود الحق ، وبالتالي فلا تدخل في نطاق نظرية التعسف أصلا(2)




















ثالثا:الإيصاء في حدود الثلث مع قصد الإضرار بالورثة:
وهذه الصورة هي عين التعسف وذلك أن الموصي قد تقيد بالشروط الموضوعية للوصية ولم يخرج عن الحدود المشروعة لها ، غير أنه قصد بإيقاعها إلحاق الضرر بالورثة.
وعليه فإن أول ما يترتب على هذا التعسف هو الإثم والمؤاخذة باعتبار ارتكابه لمحرم ثابت بصحيح القرآن والسنة وقد قال بن عباس رضي الله عنه:" الإضرار بالوصية من الكبائر(1) ".
ولقد ذهب الفقهاء الذين اعتدوا بالباعث في التصرفات والعقود إلى القول بإبطال الوصية إذا كان الدافع إلى إبرامها هو محض الإضرار بالورثة.
فيقول الإمام ابن القيم الجوزية : " قاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها، أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبادات كما هي معتبرة في القربات والعادات فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالا أو حراما أو صحيحا أو فاسدا.....ودلائل هذه القاعدة تفوق الحصر......فقال تعالىمن بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار) سورة النساء. الآية12. فإنما قدم الله الوصية على الميراث،إذا لم يقصد بها الموصي الضرار،فإن قصده فللورثة إبطالها وعدم تنفيذها."
وعليه فإن الحنابلة يعتدون بالباعث في التصرفات فأيما عقد أو تصرف كان الباعث عليه أمرا محظورا سواء تضمن صيغة ما يدل عليه أو لم يتضمنه وكان أمرا باطنيا فإنه يعد باطلا لكونه استعمال للحق في غير ما شرع له.
ويقول الإمام القرطبي في تفسير لآية الوصية:" إلا أن مشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله مضارة في ثلثه لأن ذلك حقه,فله التصرف فيه كيف يشاء،وفي المذهب قول إن ذلك مضارة فترد". ولعل هذا الرأي مرده احترام إرادة الموصي في آخر حياته وصعوبة إثبات قصده على اعتبار وفاة صاحب الوصية.
غير أنه وبالرجوع إلى قواعد المذهب المالكي والذي اعتد بالباعث في التصرفات وتوسع في الأخذ بمبدأ سد الذرائع يرجع القول بإبطال الوصية إذا ما قصد بها محض الإضرار بالورثة.
ويوضح هذا ،الأستاذ علي الخفيف بأن بن القاسم نفسه يرى بأن الوصية للوارث ـ إن قصد به إضرار الورثةـ ترد ولو أجازوا فإذا قال الموصي:إن لم يجز الورثة، فذلك للمساكين فإن وصيته تبطل وترجع ميراثا،لأنه أوصى لبعض ورثته ثم جعلها للمساكين إن لم يجيزوا دل ذلك على قصد الضرر بالورثة،وما قصد به الضرر لا يمضى لقوله تعالى في حق الموصيغير مضار) ولخبر (لا ضرر ولا ضرار). (2)
وعليه نخلص إلى أن حق الوصية قد شرع في حدود ثلث المال كوسيلة من وسائل البر والثواب غير أنها تبطل إذا ما ثبت تعسف الموصي بأن قصد بها محض الإضرار بالورثة، أي إن كان قصد إلحاق الضرر هو الباعث الأساسي على إبرام الوصية.












* موقف المشرع الجزائري:
لم يرد في قانون الأسرة الجزائري ما يتناول موضوع الإضرار بالوصية و التعسف فيها وذلك إحالة منه على مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية وإن كان قد تناول مسألة تجاوز الوصية حدود الثلث في المادة 185 الإيصاء للوارث،في المادة 189 ، غير أن هذين النصين لا يتناولان المضارة في الوصية المتأسسة على التعسف فيها وذلك لكون تجاوز مقدار الثلث في الوصية الإيصاء للوارث،يعدان خروجا وتعديا عن الحق وليس تعسفا وهذا أحد ما يؤخذ على قانون الأسرة الجزائري بإغفاله لأثر التعسف في استعمال حق الوصية بنص صريح باعتباره قد اعتد بهذه النظرية في القانون المدني الجزائري في المواد من 775 إلى 777، وإن كان النصان السابقان قد تناولا موضوع الإضرار بالوصية ولكنه ضرر غير ناشئ عن التعسف فيها وذلك لانتقاء الحق في ذاته كما ذكرنا،والتعسف لا يقوم إلا إذا وجد الحق أصلا.



















المبحث الرابع: حق الزوج في تعدد الزوجات
المطلب الأول : الحكمة من التعدد و شروطه :
أ / الحكمة من التعدد :
إن الحكمة من تعدد الزوجات عظيمة و ذات نفع كبير يعود على المجتمع و الأسرة و الدولة ككل، و يمكن ذكر بعض مبررات التعدد فيما يلي :
1- إن التعدد رحمة من الله سبحانه، و نعمة على الإنسان، حيث أباح الإسلام تعدد الزوجات وأقر هذا النظام و جعله مباحا و ليس واجبا و ربطه بالقدرة على العدل و الإنفاق، كما أن الكثرة العددية في الإنتاج، و سعة النفوذ في العالم، و الزيادة في البشر نعمة، و طاقة هائلة عند حسن استغلالها .
2- الدولة كثيرا ما تتعرض لأخطار الحروب، فتفقد عددا كبيرا من الأفراد، و لابد من رعاية أرامل هؤلاء الذين استشهدوا، ولا سبيل إلى حسن رعايتهن إلا بتزويجهن و حتى لا يسقطن في الرذائل و الفواحش، و الانحراف، فيفسد المجتمع.
3- قد تكون زيادة عدد الإناث في أي شعب أكثر من عدد الرجال، و الأمر مطرد، في أكثر الأمم، و للتكفل بالعدد الزائد من النساء يجب التعدد.
4- أن استعداد الرجل للتناسل يمتد من البلوغ إلى سن متأخرة، و المرأة لا تتهيأ لذلك باستمرار بسبب مدة الحيض و النفاس، و الحمل و الرضاع و المرض و غير ذلك، فكيف يكون حال الرجل؟ و الأفضل أن يحصن نفسه أحسن من اتخاذ خليلة و الزنا محرم.
5- ما يطرأ على الحياة الزوجية من أمور تجعل التعدد ضرورة لازمة مثل عقم الزوجة ورغبة الزوجة في الإنجاب، أو مرضها، و عدم القدرة على القيام بشؤون البيت، و رعاية الأولاد إن وجدوا، وهو ما يفهم من مصطلح المبرر الشرعي الوارد في المادة 08 من ق.أ.ج خاصة إذا كان الزوجان متحابان.
6- إن تطبيق نظام التعدد في العالم الإسلامي له فضل كبير في بقائه نقيا بعيدا عن الرذائل الاجتماعية، و الفضائح الأخلاقية، حيث زاد عدد البغايا عن عدد المتزوجات في بعض الجهات و النتيجة تدفق جيوش من الأولاد غير الشرعيين،فمثلا الولايات المتحدة الأمريكية تستقبل أكثر من 205 ألف طفل غير شرعي كل عام، ونفس الأمر في أوربا الغربية و في روسيا حاليا هناك طفل من ثلاثة هو ابن الزنا و بذلك ضاعت الأنساب الصحيحة و تسربت عوامل الانحلال إلى النفوس، و كذا العقد النفسية و الاضطرابات العصبية، و تفكك الأسرة. كل ذلك و غيره ناتج عن الدعارة المتفشية بشكل مفزع ظهور داء جديد هو عزوبة النساء
تلك هي بعض المبررات التي تستوجب التعدد و المنافع المتولدة عن تطبيق هذا النظام.
ب / شروط التعدد حسب قانون الأسرة الجزائري:
إن المشرع الجزائري أباح التعدد كمبدأ عام، و لكن قيده بضرورة توفر شروط معنية تتضح بجلاء من خلال المادة08 من ق.أ.ج التي تقضي بأنه " يسمح بالزواج بأكثر من واحدة في حدود الشريعة الإسلامية، متى وجد المبرر الشرعي، و توفر شروط و نية العدل ، ويتم ذلك بعد علم كل من الزوجة السابقة واللاحقة، و لكل واحد الحق في رفع دعوة قضائية ضد الزوج في حالة الغش و المطالبة بالتطليق في حالة عدم الرضا"
وهكذا نستشف من نص المادة الشروط الواجب توافرها، حتى يتمكن الزوج من الزواج بأكثر من واحدة و هي :
الشرط الأول : وجود مبرر شرعي للزواج بزوجة أخرى، و هو معيار مرن و شخصي و واسع، كأن يكون عقم الزوجة مثلا، و رغبة زوجها في الإنجاب أو مرضها وعدم قدرتها على القيام بشؤون البيت، كما قد تصبح المرأة غير صالحة للاتصال الجنسي لإصابتها بمرض.
الشرط الثاني : ضرورة توفر شروط ونية العدل بين الزوجات في الحقوق و الواجبات حيث يقول الله تعالى
" فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا "(الآية 03 من سورة النساء.)
أباح الله تعالى تعدد الزوجات و قصره على أربع، و أوجب العدل بينهن في النفقة، أي الطعام ،و السكن و الكسوة و المبيت،فإن خاف الرجل عدم الوفاء بحقوقهن جميعا حرم عليه الجمع بينهن، فأن استطاع الوفاء بحق ثلاث نسوة حرم عليه العقد على الرابعة، و من خشي الجور و الظلم بزواج الثانية، حرمت عليه.
فشرط العدل ضرورة للتعدد في الشريعة الإسلامية، و العدل المطلوب هو العدل الظاهر الذي يقدر عليه، و ليس هو العدل في المودة و المحبة، فإن ذلك لا يستطيعه أحد، بل هو أمر خارج نطاق الزوج و إرادته و الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقسم و يعدل، و يقول " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " فالميل في الحب و القلب لا يؤاخذ الإنسان على ذلك، و هذا هو المعنى الذي يشير إليه الرسول، و هذه النقطة هي التي ذكرها المشرع الجزائري في ق.أ.ج في المادة 08.
و كذلك المادة 37 الفقرة الثانية بقوله "يجب على الزوج نحو زوجته العدل في حالة الزواج بأكثر من واحدة"
الشرط الثالث: لقد أورد المشرع الجزائري شرطا واضحا من نص المادة 08 من قانون الأسرة، و هو ضرورة إخبار الزوجة السابقة التي هي في عصمته برغبته في الزواج بالثانية ، كما يحيط علما المرأة التي ينوي العقد عليها، بوجود زوجة أخرى.
فمن واجب الزوج إخبارهما معا أو إخبارهن إن تعددن، و إذا لم يفعل ذلك فإن المشرع قد جعل ذلك سببا يسمح من خلاله للزوجة السابقة، و كذا اللاحقة بطلب التطليق من القاضي بناء على غش و سوء نية الزوج لهما أو لإحداهما.
و المشرع الجزائري من خلال اشتراط ذلك يهدف إلى تقييد التعدد حتى لا تهضم حقوق الزوجات عند تعددهن، و تفادي الأضرار الناجمة عن تعدد الضرات .
المطلب الثاني: وجه التعسف في حالة تعدد الزوجات:
إن تعدد الزوجات كمبدأ عام هو حق شرعي و قانوني مخول للزوج، غير أن الشريعة الإسلامية و القانون، قيدا هذا الحق فوضعت له حدود و ضوابط، لا ينبغي على الزوج تجاوزها و إلا عد متعسفا في استعمال حقه، و ملحقا ضررا ماديا و معنويا يستوجب التعويض عنه، حال الحكم به أمام القاضي.و يكون الزوج متعسفا في ذلك، إذا خالف أحكام المادة الثامنة و الثامنة مكرر من ق.أ الجزائري، والمادة 37 أيضا.
فالزوج لا يمكنه التزوج بزوجة ثانية أو ثالثة إلا إذا وجد مبرر شرعي لذلك، كما سبق بيانه، و إلا عد متعسفا في استعمال حقه، كأن تكون الزوجة عقيمة مثلا.
كما يجب عليه أن يعدل في الإنفاق على زوجاته، و ينجر عن التفريق بينهن و عدم مساواته ضررا ماديا كبيرا يجب تقييده، و إلا فإن الزوج إذا فعل ذلك مع علمه بأنه مقصر في واجباته، الزوجية تجاه واحدة منهن، فإنه يكون مسؤولا عن ذلك لكونه قد ظلم أسرة، بإهمالها و عدم الإنفاق عليها ، وقصد الإضرار يتضح جليا في إساءة استعمال هذا الحق من قبل الزوج.
و حسن ما فعل المشرع الجزائري عند تعديله لقانون الأسرة الجزائري الفرع بالقانون 05/02 لما أضاف شرطا قانونيا، يعتبر كأداة حماية ووسيلة قانونية تلجأ إليها الزوجة - عند ادعائها أمام القضاء- في حال تعسف الزوج بزواجه من أخرى و تدليسه عليها، إذ نص في القانون الجديد في المادة 08، بقوله:
« يجب على الزوج إخبار الزوجة السابقة، و المرأة التي يقبل على الزواج بها، أن يقدم طلب الترخيص بالزواج إلى رئيس المحكمة لمكان مسكن الزوجية ، يمكن لرئيس المحكمة أن يرخص بالزواج الجديد، إذا تأكد من موافقتها، و أثبت الزوج المبرر الشرعي، وقدرته على توفير العدل و الشروط الضرورية للحياة الزوجية .»
فعدم إخبار الزوجة بواقعة الزواج الجديدة و عدم الحصول على الترخيص من رئيس المحكمة دليل على سوء نية، و قصد محض للإضرار بالغير، كما نصت عنه المادة 124 مكرر من القانون المدني.
ولعل أن حكمة المشرع من وضع قيود على حق تعدد الزوجات، هو الحد من الزواج العرفي الذي استشرى و استفحل في مجتمعنا خاصة في المناطق الصحراوية و يحد من دعاوى إثباته ، إذ في غالب الأحيان ما يلجأ القاضي حين إثباته للزواج العرفي إلى إثبات مسألة النسب مما يصعب دور القاضي في البحث عن الحقيقة.
كما أن المشرع الجزائري تفطن عند التعديل الجديد لقانون الأسرة لمسألة وجوب وضع حماية قانونية للزوجة حتى يتيسر لها الحصول على حقها أمام القاضي عند طلبها للتطليق على أساس المادة 53 فقرة 06 و المادة 08 و 08 مكرر كأثر يترتب عن تعسف الزوج و تدليسه عن سوء نية على زوجته، و عن الضرر المادي و المعنوي اللاحق بالزوجة ، و لا يتمادى في استعمال هذا الحق بوجود هذا الرادع و الضمانة القانونية الفعالة . (1)
المطلب الثالث : تطبيقات قضائية عن الحالة الواردة بالمادة 53 ف 6 من ق ا الجزائري
لقد كان للمحكمة العليا عدة اجتهادات قضائية كان لها من الأهمية في إثراء وتبيان جوانب التعسف والضرر الناجم عنه في مجال تعدد الزوجات، ومن بين القرارات الصادرة ما يلي:
" المبدأ: عدم العدل بين الزوجات يشكل الضرر المعتبر شرعا طبقا للفقرة 6 من المادة 53 من
ق أ و يبرر بالتالي حق الزوجة المتضررة في طلب التطليق " ملف 356 997 قرار بتا ريخ
12/07/2006) مجلة المحكمة العليا العد د الثاني 2006 / 441 ص حيث أنه جاء في تسبيب قضاة المحكمة العليا خلال منا قشتها للأوجه المثارة مجتمعة :
" لكن حيث أن قضاة الموضوع قالوا في حيثياتهم بأن طلب المطعون ضدها مبرر نظرا للضرر الذي لحقها من طرف الطاعن لتقاعسه في العدل بينها وبين ضرتها والاعتداء عليها و هو ما يشكل الضرر المعتبر شرعا طبقا للفقرة 06 من المادة 53 من ق أ ، زيادة على استمرار الشقاق بينهما بالرغم من صدور حكم بالرجوع يوم 26/11/ 2002وتمادي الطاعن في إيذائها بالضرب هذا من جهة.
و من جهة ا أخرى لم يثبت قضاة الموضوع نشوز الزوجة المطلقة طبقا للقانون، ومن ثم حكموا للمطعون ضدها بالتعويض، بالتالي يكون ما ينعيه الطاعن بهذه الأوجه غير سديد يتعين رفضها و تبعا لذلك رفض الطعن".
ـــ (حيث أن قضاة الأساس استنتجوا من وقائع الدعوى بما لهم سلطة تقديرية مطلقة بأن بقاء الزوج مع زوجته الثانية بعيدا عن الزوجة الأولى فيه ضرر ، وأن بقاء الزوجة الأولى وحدها في الواحات بينما يسكن الزوج في العاصمة مع الزوجة الثانية ، مخالف لأحكام العدل المأمور بما شرعا ).
(م.ع.ع.أ.ش03/ 02 / 1971 ن . ق 1972 عدد 02 / ص 41 ).
ــ " حيث أن الزوج لم يقم بواجباته الزوجية تجاه المدعية في الطعن بمضي معظم أوقاته مع الزوجة الثانية ، و بالتالي فإن الزوج لم يطبق قاعدة المساواة بين الزوجتين طبقا للشريعة الإسلامية".

كما ﺃنه ﺃثناء تواجدي بمحكمة ورقلة لقضاء فترة التربص المقررة في السنة الثالثة وجدت حكما صادرا عن قسم الأحوال الشخصية ، تكلم عن التعسف في حالة تعدد الزوجات ،والأثر المترتب عن ذلك ،وقد جاء في تسبيب المحكمة مايلي :
( حيث أنه تبين للمحكمة من خلال الحكم الجزائي الصادر عن محكمة ورقلة بتاريخ 11/03/07، رقم فهرس 1546/ 07، الذي يدين المدعى عليه بجنحة السب والشتم ومخالفة الضرب والجرح العمدي على شخص الضحية التي هي زوجته المدعية ، ﺃنه يسيء معاشرتها ويضربها ، كما تبين للمحكمة من خلال عقد الزواج الصادر عن بلدية الرويسات بتاريخ 04/07/2007، تحت رقم 255 أن المدعى عليه تزوج بزوجة ثانية ، ولم يقدم ما يثبت إخبار زوجته المدعية بهذا الزواج ، مما يشكل مخالفة للمادة 08 من قانون الأسرة مما يجعل طلب المدعية للتطليق مؤسس قانونا طبقا للمادة 53 الفقرة 06 ، والفقرة 09 ، من ق.ﺃ مما يتعين الاستجابة لها.
حيث أن طلب المدعية الرامي إلى تعويضها مؤسس طبقا للمادة 53 مكرر من ق.ﺃ. مما يتعين الاستجابة لها.( حكم بتاريخ 14/10/08 رقم فهرس 1622/08 )
( ﺃنظر في الملحق الخاص ببعض نماذج الأحكام الخاصة بفترتي التربص بمحكمتي برج بوعر يرج و ورقلة ).
المخالف لفحوى المواد 08/ 08 ، مكرر و53 فقرة 06 ، من ق، ﺃ، ج . وقد أرفقت بالملحق بعض النماذج عن الطلاق التعسفي وحالة التطليق للضرر السالف ذكرها.

الخطأ تحت ستار الحقوق في القانون المصري

الخطأ تحت ستار الحقوق في القانون المصري
دراسة قانونية وتاريخية للمادتين الرابعة والخامسة من القانون المدني المصري الجديد رقم (31) الصادر في 16 يوليه سنة 1948

الأصل أن حرية الفرد مطلقة في استعمال الحقوق المخولة له قانونًا فله أن يستعمل حقه كيفما شاء وبأي وجه شاء غير أن هذه النظرية الفردية قد تأثرت بتشابك الحياة الاجتماعية وارتباط مصالح الأفراد وحقوقهم فلم يعد الفرد حرًا طليقًا في استعمال حقه حسبما يهوى ويرغب بل أصبحت غاية الحق تحقيق الخير لمصلحة الفرد ولمصلحة الجماعة في آن واحد - ومن ذلك اليوم أصبح الفرد مسؤولاً عن كل استعمال لحقه يؤدي إلى وقوع ضرر للغير.
ومنذ ذلك الحين بدأت الشرائع تعالج هذا الاتجاه الجديد في الفقه فنصت في قوانينها على قواعد المسؤولية المدنية في مثل هذه الحالات.
من بين هذه الشرائع القانون المدني المصري، فلقد نص القانون رقم (131) سنة 1948 الخاص بإصدار القانون المدني في الباب التمهيدي منه في المادتين الرابعة والخامسة على أنه لا تثريب على من يستعمل حقه استعمالاً مشروعًا أما من يستعمل حقه استعمالاً غير مشروع مما ينشأ عنه ضرر لغيره فتقع على كاهله مسؤولية تعويض ذلك الضرر.
فللمالك الحق في الانتفاع بملكه حسب ما يرى ولكن هذا الحق مقيد بوجوب مراعاة واحترام ملكية الجار فمسؤوليته قائمة متى لم يراعِ ذلك كمن يحفر بئرًا في ملكه وعلى حدود ملك جاره مما يلحق ضررًا بحائط ذلك الجار.
وللإنسان الحق في التقاضي للحصول على حق متنازع فيه ولكن مسؤوليته قائمة إذا استعمل حق التقاضي لمجرد الكيد والتشفي من خصم له وللإنسان الحق في استعمال التبليغ عن الجرائم ولكن مسؤوليته قائمة متى استعمل هذا الحق رغبة في النيل من سمعة الغير وإساءة له رغم براءته، ولقد وصف جمهور الشراح والفقهاء هذه الحالة القانونية (بالتعسف في استعمال الحق) أو (إساءة استعمال الحقوق (وتناولوها في كتبهم ومؤلفاتهم بكثير من البحث والتعليق.
إلى أن انبرى لهم العلامة بلانيول Planiol ونقد تلك التسمية التقليدية نقدًا لاذعًا فيؤكد لهم أن التعسف في استعمال الحق إن هو إلا خروج عن الحق فالحق ينتهي حيث بدأ التعسف في استعماله والعمل الواحد لا يمكن أن يكون في وقت ما متفقًا مع القانون ومخالفًا له – وليس معنى ذلك أنه يعترض على امتداد المسؤولية المدنية في هذه الحالة وإنما ينكر تلك التسمية المتناقضة المتعارضة فحسب وهي التعسف في استعمال الحق ويعتبرها خروجًا عن الحق وهو من قبيل الخطأ الموجب للمسؤولية التقصيرية.
ثم جاء بعد ذلك الأستاذ مارك دسرتو ورأى أن تعبير التعسف في استعمال الحق تعبير غامض ومن الممكن إيضاحه إذا استبدل بتعبير (تنازع الحقوق) مع تنظيم هذا التنازع كما فعل المشرع في مسائل التأمينات عندما نظم تنازع حقوق الدائنين الممتازين، ولقد وضع الأستاذ دسرتو لذلك التفضيل بين الحقوق المتنازعة ففضل حق المدعي إذا كانت حياته أو حريته في خطر أو كان في مكنة المدعي عليه تحقيق غرضه دون الإضرار بحق المدعي وفضل حق المدعي عليه إذا كانت المصلحة التي يدعيها المدعي غير مشروعة أو غير جدية.
إلا أن هذه التسمية والنظرية يتعارضان مع النظرية الحديثة التي تعطي لعنصر النية أهمية خاصة في تقدير المسؤولية إذ مما لا شك فيه أن مباشرة الحق بقصد الإضرار بالغير فيه خروج عن وظيفة الحق الاجتماعي التي قررها له القانون.
ثم أتى بعد ذلك سعادة مصطفى مرعي بك في مؤلفه (المسؤولية المدنية في القانون المصري) وذكر أن تعبير التعسف في استعمال الحق تعبير متناقض ويفضله تعبير آخر هو (الخطأ تحت ستار الحقوق) واستند في تأييد هذه التسمية الجديدة إلى تعريف الخطأ فالخطأ هو العمل الذي لا يأتيه الرجل الحازم الحريص اليقظ l’homme diligent فمن يتخذ حقه وسيلة للإيذاء ولو من غير قصد ونفع ظاهر له إنما يعبث في استعمال حقه وما العبث إلا صورة من صور الخطأ ففي هاتين الحالتين لا يسيء الفرد في استعمال حقه لأن الحق لا تحتمل طبيعته إساءة الاستعمال وإنما هو يرتكب خطأ مستترًا وراء الحق ظنًا منه أن الحق يحميه.
وفي اعتقادنا أن هذه التسمية الأخيرة للنظرية وهي (الخطأ تحت ستار الحقوق) فضل سائر التسميات لخلوها من التناقض والتعارض والغموض فضلاً عن اتساقها مع مبادئ القانون وروح التشريع.
أما وقد انتقينا التسمية الصحيحة للنظرية فيجدر بنا أن نحدد مكان تلك النظرية بين نصوص القانون المدني.
فلقد رأى المسيو لبنان دى بلفون أن مكان النظرية الطبيعي في باب الالتزامات بصدد بحث نظرية المسؤولية التقصيرية فما الخطأ تحت ستار الحقوق ألا توسع في فكرة العمل غير المشروع وهذا ما أخذت به بعض القوانين كالقانون البولوني في المادة (135) والقانون اللبناني في المادة (124) - ومشروع قانون الالتزامات الفرنسي الإيطالي.
إلا أن هناك اتجاهًا آخر في الفقه الحديث يرى أن نطاق تطبيق النظرية ليس مقصورًا على الحقوق الناشئة عن التزامات بل يمتد إلى كل قانون سواء في ذلك القانون المدني أو القانون التجاري أو قانون المرافعات بل لا يقتصر تطبيق النظرية على القانون الخاص وحده بل يمتد مجال تطبيقها إلى القانون العام كحق الاجتماعات وسائر الحقوق العامة، ولهذا يرى أنصار هذا الاتجاه أنه إذا كان هناك نص ينبغي بطبيعته أن يدرج على الأقل بين النصوص التمهيدية للقانون المدني فهو ذلك النص الذي يحكم هذه النظرية وذلك تمشيًا مع التقنين السويسري في المادة (2).
ولقد انضم القانون المدني المصري الجديد إلى هذا الاتجاه الثاني فنص على تلك النظرية في الباب التمهيدي من القانون في المادتين الرابعة والخامسة.
فلقد جاء في المادة (4) (من استعمل حقه استعمالاً مشروعًا لا يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر) ولقد جاء في المادة (5) (يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية:
( أ ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.
(ب) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب ألبتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.
(ج) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة.
ويتعين علينا أن نلفت النظر إلى أن النظرية التي نحن بصددها خاصة بالحق ولا تتناول ما يسمى بالمكنة أو الرخصة.
ويقصد بالحق كل مكنة تثبت لشخص من الأشخاص على سبيل التخصيص كحق الفرد في ملكية عين من الأعيان أو حقه في المطالبة بدين له على الغير أو حقه في طلاق زوجته.
وأما المكنة فهي ثابتة للناس كافة ويعترف لهم بها القانون دون أن تكون محلاً للتخصيص كالحريات العامة وهذه الرخص لا حاجة إلى فكرة التعسف فيها لتأمين الغير ما ينجم من ضرر عن استعمال الناس لها لأن أحكام المسؤولية المدنية تتكفل بذلك على خير وجه.
أما وقد فرغنا من هذه الدراسة التمهيدية للنظرية فيجدر بنا أن نحدد منهج البحث وفي تحديدنا له يتعين علينا أن نجاري الفقه الحديث.
فيمتاز الفقه الحديث بأسلوبين من البحث العلمي قد أحدثا اتجاهًا جديدًا في العلم القانوني ولها شأن خطير في توجيه التشريع الحديث وهذان الأسلوبان هما الدراسة التاريخية والبحث المقارن وذلك علاوة على دراسة النظم القانونية الحالية.
فقد عالجنا في الباب الأول الدراسة الفقهية للنظرية بما تحتوي عليه من لمحة تاريخية واتجاه القانون المقارن، ثم عالجنا في الباب الثاني التطبيق القانوني للنظرية فبحثنا معيارها وبعض تطبيقاتها في القضاء المصري.
الباب الأول: فقه النظرية
قديمًا كان البحث الفقهي قاصرًا على دراسة النظم القانونية الحالية ولما تغلغل الفقهاء في البحث وازدادت جهودهم أرادوا دراسة قوانينهم لا باعتبارها وحدة مستقلة خاصة بل باعتبارها أيضًا حلقة من سلسلة حياة مضطردة الحلقات يتصل ماضيها بحاضرها كي يستخلصوا ما وصل إليه التشريع الحالي من خطي في التقدم والرقي.
ولا شك أن النظام القانوني القديم قد طرأ عليه التغير نظرًا لازدياد الحضارة واتساع المعاملات وتشعب البلدان.
ولم يقتصر الفقهاء على دراسة تلك النظم القانونية القديمة وإنما بحثوا تلك النظم لدى سائر الدول كي يتمكنوا من تقدير ما وصلت إليه دولتهم من التقدم التشريعي بالنسبة لسائر الدول الأخرى وهذا ما يسمى في عالم القانون باتجاه القانون المقارن.
وبذلك سنتناول في هذا الباب بحثين.
البحث الأول: فذلكة تاريخية للنظرية:
البحث الثاني: اتجاه القانون المقارن:
البحث الأول: فذلكة تاريخية:
إن من المبادئ المسلم بها في فن التشريع أن القانون المصري قد استقى أحكامه من القانون الفرنسي ألا وهو قانون نابليون كما أن الأخير قد استمد بعض نصوصه من القانون الروماني - فالقانون الروماني يعتبر المصدر التاريخي للقانونين الفرنسي والمصري.
وقد طرأ على القانون المصري شيء من التغير بسبب إلغاء المحاكم المختلطة والقوانين التي كانت تطبقها.
أما القانون الروماني: فقد اتخذت نظرية الخطأ تحت ستار الحقوق مكانها بين سائر النظريات في الفقه والقضاء منذ زمن بعيد وذلك رغم تعارضها مع القاعدة الرومانية التي تقضي بأن من استعمل حقه فليس بظالم. Qui sno jure ulitur niminem loedit
وحقيقة الأمر أن للقانون الروماني الفضل في وضع بذور تلك النظرية.
فلقد كان للأب سلطة مطلقة على بنيه patria potestas
ولقد كان للسيد سلطة مطلقة على عبيده dominica potestas
ولقد كان للزوج سلطة مطلقة على زوجته manus
ولقد كان للمالك سلطة مطلقة على المال محل ملكيته dominium ex jure quiritium
كل منهم يستعمل حقه بأي وجه شاء ولأي غرض أراد إلى الخير أو الشر بحسن نية أو بقصد الإضرار دون أدنى مسؤولية حتى كان للأب سلطة تصل إلى حق الحياة أو الموت على بنيه jus vitoe ac necis فله أن يبيعهم وأن يحكم عليهم بعقوبة الإعدام.
ولكن هذه السلطة نقصت شيئًا فشيئًا منذ العهد الأخير نتيجة الأفكار الحديثة فتغيرت حقوق رب الأسرة وطرأ عليها بعض الفتور التي تحد من سلطتها فلم يعد له حق العقاب أو حق بيع أولاده.
أما حق الملكية وهو يخول لصاحبه حق الاستعمال usus وحق الاستغلال fructus وحق التصرف ab usu وهذه الحقوق كانت تستعمل بصفة مطلقة إلا أن حق الملكية قد خضع لعدة قيود مراعاة للجوار وللمصلحة العامة فيجب على المالك أن يترك حول منزله أو حقله مسافة معينة بلا بناءً أو زراعة وعليه أن يتخذ الحيطة لبنائه الذي يهدد جاره بالسقوط وقد نصت على ذلك الألواح الاثنا عشر.
كما يتعين على المالك عدم استعمال ملكه استعمالاً ضارًا بالغير بقصد الإساءة إليه - ولقد قرر الفقه الروماني البيان Ulpien أن من حفر بئرًا في أرضه وتعمق في الحفر يكون مسؤولاً إذا كان من شأن ذلك إسقاط حائط الجار.
وكل ذلك تطبيقًا لنظرية سلم بها في عهد الرومان وتدعى نظرية Notacensoria لعقاب من يستعمل حقوقه بأسلوب ينطوي على إساءة الغير أو بكيفية تعارض المصلحة العامة.
ولقد جاء في موسوعة جوستنيان بصراحة أنه لا يسمح بعد اليوم باستعمال الحق بغير مبرر مشروع.
ولقد انتقلت هذه النظرية إلى القانون الفرنسي القديم وظهرت لها عدة تطبيقات من بينها تنظيم العلاقة بين الملاك وجيرانهم واستقرت هذه النظرية وتناولها الفقهاء بالجدل والشرح وطبقها الفرنسي في أحكامه.
ولما قامت الثورة الفرنسية التي تؤيد المذهب الفردي individualisme فقد اختفت النظرية ردحًا من الزمن إذ أن مبدأ نصرة الفردية معناه - تسخير القوانين لحماية الفرد باعتباره العنصر الأهم في الحياة لا باعتباره جزءًا من كل هو الجماعة ونتيجة لذلك اعتبرت الحقوق مطلقة المدى وإن صاحب الحق في استعماله سيد لا يسأل عما يترتب على هذا الاستعمال من الأضرار التي قد تحيق بغيره.
ولقد صدر القانون المدني الفرنسي 1904 وفي ذهن المشرع تلك الأفكار السابقة فلم يرد في هذا القانون نص يؤيد هذه النظرية ويحبذ المبادئ التي استقر عليها الفقه والقضاء الفرنسيان في عهد القانون الفرنسي القديم إلا أن التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي سارت في خلال القرن - التاسع عشر - أثرت في هذا المذهب الفرنسي وساءت النظرية الاجتماعية التي تقضي بأن الفرد عنصر في جماعة تتجه جهوده إلى تحقيق مصالحه مع تحقيق مصلحة الجماعة التي يعيش فيها ومن ثم قيدت الحقوق الفردية.
ولقد ناصر هذا المذهب الحديث القضاء الفرنسي والبلجيكي نتيجة لانتكاص مبادئ الفردية وأيدهما في ذلك الفقيهان الفرنسيان سالي وجاسران وحاولوا جميعًا الحد من صرامة النصوص الصادرة وليدة هذه الروح الفردية فأصبح من المسلم به أن الحقوق الشخصية قد منحها القانون للفرد لغرض معين ولا يصح استعمالها بما يتنافى مع هذا الغرض ولا يتعرض صاحب الحق للمسؤولية المدنية - ولقد أيدت هذا المبدأ محكمة النقض الفرنسية في 26 ديسمبر سنة 1893 في أحد أحكامها
S’il est de principe que l'usage d'une faculté légale ne saurait constituer une faute ni motiver par suite une condamnation il en est autrement orqusue d'une ltelle faculté degenre en abus.
ولقد صدر القانون المدني المصري المختلط سنة 1875 والقانون المدني المصري الأهلي سنة 1883 نقلاً عن القانون الفرنسي وعلى غراره وقد كانت النصوص الفرنسية متأثرة بالمذهب الفردي فلم يرد نص صريح يقر النظرية وإنما وردت بعض نصوص لحالات فردية تقر تلك النظرية منها:
المادة (168) من القانون المدني الأهلي التي تنص:
(يجوز للقضاة في أحوال استثنائية أن يأذنوا بالوفاء على أقساط أو في ميعاد لائق إذا لم يترتب على ذلك ضرر جسيم لرب الدين).
والمادة (522) من القانون المدني الأهلي التي تنص:
(لا يجوز للوكيل أن يعزل نفسه عن الوكالة في وقت غير لائق).
ففي الحالة الأولى أعطى القانون للقاضي حق تأجيل الوفاء إلى ميعاد لائق وهذا ما يسمى في القانون بالمهلة القضائية délai de grâce.
وفي الحالة الثانية حرم القانون على الوكيل أن يعزل نفسه في وقت غير لائق حتى لا يلحق ضررًا بالموكل.
ولكن الفقه المصري لم يقتصر على هذه الحالات وإنما كون نظرية الخطأ تحت ستار الحقوق مستندًا إلى هذه الحالات الفردية ومبادئ العدالة والقانون الطبيعي ولقد سار القضاء المصري على نهجه وطبقها في أحكامه.
ولما صدر مشروع تنقيح القانون المدني جاء في المادة السادسة نص يؤيد تلك النظرية صراحة فقد جاء فيها: (يصبح استعمال الحق غير جائز في الأحوال الآتية):
( أ ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.
(ب) إذا كان متعارضًا مع مصلحة عامة جوهرية.
(ج) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة أو كانت هذه المصالح قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها أو كان استعمال الحق من شأنه أن يعطل استعمال حقوق تتعارض معه تعطيلاً يحول دون استعمالها على الوجه المألوف.
وهذا النص عام يقرر هذه النظرية ويتفق مع اتجاه القانون المقارن.
ولما صدر القانون المدني المصري الجديد رقم (131) سنة 1948 جاء في المادتين الرابعة والخامسة تسليم بهذه النظرية على وجه العموم بل لقد جاءت نصوص فردية تؤيد هذه النظرية وما هي في الحقيقة إلا تطبيق لهذين النصين العامين الواردين في الباب التمهيدي من القانون المدني (المادتان الرابعة والخامسة).
فلقد جاء في باب الوكالة في المادة 716/ 1
(إذا كانت الوكالة بأجر فإن الوكيل يكون ملزمًا بتعويض الموكل عن الضرر الذي لحقه من جراء التنازل في وقت غير مناسب وبغير عذر مقبول).
ولقد جاء في باب الملكية في المادة (806):
(على المالك أن يراعي في استعمال حقه ما تقضي به القوانين والمراسيم واللوائح المتعلقة بالمصلحة العامة أو بالمصلحة الخاصة وعليه أيضًا مراعاة الأحكام الآتية):
المادة (807):
1 - على المالك ألا يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار.
2 - وليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها إنما له أن يطلب إزالة هذا المضار إذا تجاوزت الحد المألوف على أن يراعي في ذلك العرف وطبيعة العقارات وموضع كل منها بالنسبة إلي الآخر والغرض الذي خصصت له ولا يحول الترخيص الصادر من الجهات المختصة دون استعمال هذا الحق).
هذا فيما يتعلق بالتطور التاريخي التشريعي
أما فيما يتعلق بهذا التطور في الفقه فلقد ناصب بعض الفقهاء هذه النظرية العداء ومن بينهم ديمولومب واسمان وبلانيول وعمانويل ليفي وبيفنوارفلقد ذكر ديمولومب أنه إذا كان العمل مشروعًا ومبنيًا على استعمال الحق فليس ثمة مسؤولية ولقد قرر اسمان أن النظرية تتناقض مع المبدأ القانوني المقرر في المادة (1382) من القانون المدني الفرنسي والتي تشترط الخطأ لقيام المسؤولية والقول بغير ذلك يؤدي إلى الخلط بين الخطأ الأدبي والخطأ القانوني وبعبارة أدق الخلط بين علم الأخلاق وعلم القانون فضلاً عما يؤديه من تحكم القضاة في الدعاوى.
ولقد ذكر عما نويل ليفي أن النظرية لم تأتِ بجديد فهي تدخل في نظرية المسؤولية التقصيرية أما بيفنوار فهو ينكر النظرية فيما يتعلق بحق الملكية فيعتبره حقًا مطلقًا غير مقيد ولو استعمل بنية الإضرار بالغير وسوء نية، أما غير ذلك من الحقوق فهو يسلم بالتعسف فيه وبالمسؤولية.
ولكن رغم ما تقدم فقد ظهر بعض فقهاء حديثين أيدوا هذه النظرية ودافعوا عنها دفاعًا قويًا وفندوا الحجج التي ذكرها الفقهاء المعارضون للنظرية استنادًا إلي وجهة نظرهم واستندوا في تأييد النظرية إلى قواعد الإنصاف والأخلاق.
ومن بين هؤلاء الفقهاء جوسران وسالي وكابيتان.
إلا أن هؤلاء الفقهاء قد اختلفوا فيما بينهم على كيفية تطبيق تلك النظرية وأساس ذلك التطبيق وهذا ما سنتناوله فيما بعد.
البحث الثاني: اتجاه القانون المقارن:
من المبادئ المسلم بها في تاريخ الشرائع أن هناك ثلاث شرائع سادت العالم القانوني وهي الشريعة الإسلامية والشريعة اللاتينية والشريعة الأنجلوسكسونية.
أما الشريعة الإسلامية فهي شريعة غنية بنظمها وقواعدها ولقد تناول فقهاؤها نظرية الخطأ تحت ستار الحقوق بكثير من البحث والتعليق.
فالحق في الشريعة الغراء غير الحق في القانون الوضعي والأصل أن العبد لا حق ولا ملك له كما جاء في الآية الكريمة (لله ما في السماوات وما في الأرض) ولكن الله يمنح عباده من نعمة فأصبحت لهم حقوق ولما كانت الحقوق الممنوحة للناس قد يضر استعمال أصحابها لها بغيرهم نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك وجاء بالحديث الشريف أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وفي هذا الصدد تفصيل.
فالإمام أبو حنيفة وأصحابه لا يرون أن يتقيد مالك في الانتفاع بملكه لأجل مصلحة جاره فإن مقتضى الملك التام أن يكون المالك له كامل الانتفاع بملكه على الوجه الذي يريد ما دام خالصًا له فله أن يفتح فيه ما شاء من نوافذ وأن يهدم ما شاء من جدران وأن ينشئ فيه ما شاء من مصانع وآبار ترتب على ذلك ضرر بجيرانه أم لم يترتب فإذا فعل ذلك وسقط بسببه بناء ملك غيره لم يضمن له شيئًا لمباشرته حقًا من حقوقه ولم يسقط بناء جاره إلا لوهنه وهو لا يسأل عن ذلك - ولكن عدم المسؤولية المدنية لا تعفيه من المسؤولية الدينية والأدبية والخلقية فإن رعايته الجار والإحسان إليه جاء بها الدين الحنيف فقد قال – صلى الله عليه وسلم – (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) وفي حديث آخر (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
وهذا ما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل.
أما الإمام مالك فيرى وجوب حفظ التوازن بين حقوق الأفراد إذا دعت إلى ذلك مصلحة المجتمع فلا يجوز استعمال الحق إلا لتحقيق الغرض الذي وجد من أجله هذا الحق ولا يسوغ استعماله للإضرار بالغير وإلى هذا ذهب المتأخرون من الحنفية فمنعوا الجار أن يتصرف تصرفًا يضر بجاره وذلك تطبيقًا لقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ولأن الناس - لسوء أخلاقهم ونقص - دينهم تركوا ما أوجبه عليهم الدين من رعاية الجار فوجب حملهم على ذلك بسلطان القضاء وإلا عمت الفوضى وساءت الحال وهذا استحسان ابتدعه متأخرو الحنفية ومن استحسن فقد شرع وهذا الرأي الأخير هو المتفق مع روح العصر وينطبق مع التشريع وقد أيده في ذلك محمد قدري باشا في مؤلفه (مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان) فلقد جاء في الكتاب الأول منه في الأموال بالفصل الثالث الخاص بالمعاملات الجوارية في المادة (57) (للمالك أن يتصرف كيف شاء في خالص ملكه الذي ليس للغير حق فيه فيعلي حائطه ويبني ما يريده ما لم يكن تصرفه مضرًا بالجار ضررًا فاحشًا) ولقد جاء في المواد (59) و (61) و (62) التالية تعريف الضرر الفاحش وأمثلة لذلك.
أما في الشريعتين اللاتينية والأنجلوسكسونية والقوانين التي استمدت أحكامها من هاتين الشريعتين فقد أيدت هذه النظرية إلا أن هذه القوانين قد اختلفت في مدى هذه النظرية فقد أخذت بعض القوانين بتطبيقها فيما يتعلق باستعمال الحق بقصد الإضرار بالغير فقط مثال ذلك القانون الألماني والنمساوي والصيني.
أما باقي القوانين الأخرى فقد أقرت النظرية على إطلاقها بالقانون المدني السويسري والمشروع الفرنسي الإيطالي.
ونسرد الآن بعض النصوص الواردة في هذه القوانين الأجنبية.
1 - القانون النمساوي - في المادة (1295) معدلة بالقانون الصادر في 19 مارس سنة 1926 ذكر (يلزم بالتعويض من استعمل حقه بطريقة تتنافى مع الآداب وبنية ظاهرة بالإضرار بالغير).
2 - القانون الصيني - الصادر في 1929 نص في المادة (148) على أنه (لا يجوز استعمال الحق إذا كان الغرض الأساسي منه هو الإضرار بالغير:
3 - القانون الألماني - فلقد جاء في المادة (226) (لا يباح استعمال حق ما إذا لم يكن من غرض له سوى إحداث ضرر للغير) والمادة (910) (لا يجب إحداث حفر في الأرض إلى الحد الذي يفقد فيه عقار الجار دعامته اللازمة له).
4 - القانون السويسري – في المادة (2) (يجب على كل فرد أن يستعمل حقوقه، ويقوم بالتزاماته حسبما تقتضي قواعد حسن النية وإن التعسف الظاهر في استعمال الحق لا يحميه القانون) والمادة (684) (لا يجوز للمالك التجاوز في استعمال حقه إلى ما يضر الجار وخاصة فيما ينشأ عن الاستغلال الصناعي).
5 - القانون الروسي - في المادة (94) (كل من يستعمل حقه طبقًا للقانون لا يسأل عن تعويض ما قد يحدث من ضرر للغير) والمادة (95) ( إذا ما تعارض استعمال حق مع حق آخر فإنه يجب تغليب الحق القوي منهما على الضعيف).
والمادتان (36) و (37) (كل من استعمل حقه في حدوده السليمة لا يلزم بتعويض ما قد ينشأ من ضرر للغير ولكنه يلزم بالتعويض إذا ما تبين أنه اختار من بين الوسائل العديدة لاستعمال حقه أضرها للغير بقصد إلحاق الضرر به) والمادتان (27) و (28) (ليس لأحد أن يسيء استعمال ما يتملك بما يحدث للغير ضررًا ويعتبر إساءة للاستعمال كل استعمال ليس له من غرض إلا الإضرار بالغير).
6 - القانون التركي - الصادر في سنة 1936 جاء في المادة الثانية (لا يحمي القانون من يستعمل حقه متعسفًا فيه فيضر غيره).
7 - المشروع الفرنسي الإيطالي - في المادة (74) (كل خطأ يتسبب عنه ضرر للغير يوجب مسؤولية فاعلة عن التعويض ولكن يلزم بالتعويض من تسبب في إحداث ضرر للغير بتجاوزه في استعمال حقه حدود حسن النية أو الغرض الذي من أجله منح الحق).
8 - القانون الإسباني - لم يرد به نص عام يقرر النظرية وإنما وردت به نصوص خاصة يستفاد منها الأخذ بالنظرية فلقد ورد في المادة (1908) مثال لذلك.
9 - القانون البرتغالي - نهج على منوال القانون الإسباني فلقد ورد في المادة (245) من القانون التجاري بإلزام الموكل بالتعويض إذا كان عزله لوكيله بغير أسباب قوية.
10 - القانون الإيطالي - فلم يرد به نص تشريعي وإنما أخذ بالنظرية في الفقه والقضاء.
11 - القانون الإنجليزي - لم يستقر بعد لوجود اتجاهين متعارضين أحدهما بالتأييد والثاني بمحاربة النظرية والقضاء لم يستقر وإن كان قد طبق النظرية في بعض حالات فردية مثل الوعد بالزواج ثم الإخلال به وغير ذلك.
الباب الثاني: التطبيق القانوني للنظرية
قبل صدور القانون المدني الجديد لم ينص على النظرية في قانون سابق كما أوضحنا فيما تقدم ولكنه رغم ذلك فقد استقرت النظرية في الفقه والقضاء على أساس قواعد العدالة والأخلاق وأخذ الفقه والقضاء بمعايير عدة أساسًا لتطبيق هذه النظرية في مواضع كثيرة.
كما وضع الفقه والقضاء الجزاء القانوني على الخطأ تحت ستار الحقوق فحكم على صاحب الحق بتعويض الغير الذي ناله ضرر من جراء استعمال حقه كما سمح بإزالة العمل إذا أمكن كمن يبني حائطًا في ملكه بغير مصلحة مشروعة له فيمنع النور والهواء عن ملك جاره ففي هذه الحالة يمكن أن يكون التنفيذ العيني وهو إزالة البناء هو الجزاء على فعل صاحب الحق.
ولكن الشريعة الإسلامية قررت علاوة على جزاءي التعويض والتنفيذ العيني جزاءين آخرين أولهما الجزاء الديني فمن يخطئ في استعمال حقه ويقصد الإضرار بغيره يعتبر آثمًا ديانة، وثانيهما التعزير فللقاضي أن يعزر كل من يستعمل حقه إساءة لغيره والتعزير هو نظام يخول للقاضي عقاب من يرتكب فعلاً يعتبره منافيًا للدين وهو يخالف قاعدة شرعية الجرائم والعقوبات والتي تقضي بألا عقوبة بغير نص.
وسنبحث فيما يلي معيار النظرية أي ما هو الضابط الذي نتخذه أساسًا للخطأ تحت ستار الحقوق، وثانيًا بعض تطبيقات خاصة للنظرية.
البحث الأول: معيار النظرية:
اختلف الفقهاء في وضع معيار (critère) لنظرية الخطأ تحت ستار الحقوق يستوي في ذلك الفقهاء الفرنسيون والمصريون ولعل السبب في هذا الاختلاف راجع إلى عدم ورود نص في القانونين الفرنسي والمصري القديم يقر هذه النظرية.
فأخذ كل فقيه يضع معيارًا لتطبيق النظرية تمشيًا مع الأساس المنطقي والعملي الذي بنى عليه النظرية فمن قائل إن الضابط هو نية الإضرار intention de nuire.
ومن قائل إن الضابط هو انعدام المصلحة المشروعة في استعمال الحق l’absence de l'interet légitine.
ومن قائل إن الضابط هو فكرة الخطأ faute
ومن قائل إن المقياس هو العدول بالحق عن وظيفته الاجتماعية فيعتبر صاحب الحق مقصرًا متى استعمل حقه بكيفية تتنافى مع الغرض الاجتماعي لتقرير الحق.
ولقد أخذ بالاتجاه الأول بيفنوار وشارمون ولاروميير وسوزات.
ولقد أخذ بالاتجاه الثاني سالي.
ولقد أخذ بالاتجاه الثالث كابيتان.
ولقد أخذ بالاتجاه الأخير العلامة جوزيف ريكول.
ويمكن الرجوع إلى مؤلفات هؤلاء الفقهاء لمعرفة وجهة كل مذهب والأدلة التي ذكرها لتأييد اتجاهه.
فظل الفقه المصري والقضاء المصري يتأرجحان بين هذه الميول السابقة إلى أن صدر القانون المدني المصري الجديد الذي أتى نصه الوارد في المادة الخامسة صريحًا وجليًا لا يسمح بالتأويل ولا يدع مجالاً للشك فلقد ذكر الحالات التي يعتبر استعمال الحق فيها غير مشروع فلقد ذكر في الفقرة الأولى من المادة (إنه يعتبر مخطئًا من استعمل حقه بقصد الإضرار بالغير كمن يبلغ عن واقعة بقصد الكيد والتشفي من خصمه رغم براءة الأخير وذكر في الفقرة الثانية أنه يعتبر مخطئًا من استعمل حقه لمصلحة قليلة الأهمية لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر كمن يحفر بئرًا بجوار ملك جاره مما يؤدي إلى وقوع حائط ذلك الجار.
وذكر في الفقرة الثالثة أنه يعتبر مخطئًا من استعمل حقه لمصلحة غير مشروعة والمصلحة غير المشروعة هي التي تتنافى مع النظام العام والآداب، وأظهر مثل لذلك فكرة إساءة استعمال السلطة المقررة في الفقه الإداري détournemet du pouvoirt كفصل الموظفين إرضاءً لشهوة حزبية أو غرض سياسي أو شخصي ولا شك أن نصوص القانون المدني تعتبر من مصادر القانون الإداري وجميع أحكام مجلس الدولة الفرنسي والمصري تستند إلى هذه الفقرة لإبطال جميع التصرفات الإدارية المشوبة بهذا الخطأ.
البحث الثاني: بعض تطبيقات للنظرية:
1 - حق الملكية: من المبادئ المعروفة أن للمالك أن يتصرف في ملكه كيف شاء وبأي وجه شاء plena in re potestas إلا أن هذا الحق مقيد بقيود عديدة بعضها مقرر للمصلحة العامة وبعضها مقرر للمصلحة الخاصة كالتزامات الجوار وكلها قيود قانونية وهناك قيود اتفاقية التزم بها المالك بناءً على تعاقده وعلاوة على هذه القيود القانونية والاتفاقية يوجد القيد الذي ينبني على نظرية الخطأ تحت ستار الحقوق والذي كان قيدًا قضائيًا في عهد القانون القديم وأصبح الآن قيدًا قانونيًا بعد النص عليه في المادتين الرابعة والخامسة من القانون المدني الجديد وفي أحكام المحاكم تطبيقات عديدة لهذه النظرية في حق الملكية.
2 - حق التقاضي: من المبادئ المقررة في فقه قانون المرافعات أن للفرد أن يلجأ إلي القضاء للمطالبة بحق له على الغير ولقد وضع إجراءات وأحكامًا معينة لهذا الحق.
إلا أن القانون المدني قد رتب مسؤولية على كل من يستعمل حقه المذكور استعمالاً يضر بغيره كمن يستعمل حقه لمجرد الكيد لأحد أخصامه والنيل من سمعته.
وللمدعي عليه في هذه الدعاوى أن ينكر وهو حق مشروع له ولكنه إن سعى بإنكاره في دفع الدعوى وخاب سعيه فيتحمل المصاريف وإذا ظل يتمادى في الإنكار ويتحايل في الإجراءات ابتغاء ضرر خصمه فإن هذا الحق ينقلب خطأ ويجوز للمحكمة أن تحكم بالتعويضات وهذا ما حكمت به محكمة النقض المصرية في 9/ 11/ 1933 ويدخل في حق التقاضي حق التبليغ فللإنسان أن يبلغ عن الجرائم إلا أنه يعتبر مسؤولاً إذا وقع بلاغه بسوء قصد أو بدون تروٍ وعدم احتياط وهذا ما حكمت به محكمة النقض في جملة مواضع.
3 - في العقود: وأظهر مثل لذلك عقد الخطبة أو الوعد بالزواج فمن يعدل عن الخطبة وهو حق مشروع له فإنه مسؤول عن تعويض ما أصاب الطرف الثاني من ضرر من جراء ذلك وهذا ما استقرت عليه المحاكم بعد تردد.
للإنسان أن يطلق زوجته في أي وقت إلا أنه ملزم بالتعويض متى أساء استعمال حقه.
وإذا طرد صاحب العمل المستخدم لديه في وقت غير لائق فإنه يسأل قانونًا عن الضرر الذي يلحق العامل بسبب هذا الطرد المفاجئ تطبيقًا للنظرية.
وهناك تطبيقات أخرى عديدة لهذه النظرية يمكن معرفتها عند الرجوع إلى كتب الفقه وأحكام المحاكم.
.

الفرق بين الحق والقانون

هناك ارتباط وثيق يعمل باستمرار بين الحق والقانون
فالحق
كلمة مجردة تحيا في الوجدان ضمن دواعي الأخلاق وتظل هذه الكلمة مثالية ما لم تساندها قوة تنفيذية فاعلة في إطار القانون تخرج بها إلى حيز التنفيذ,

وهذه القوة تتمثل في الحكم القضائي الناطق بالحق,

ولكل حق دعوى تحميه ونصوص قانونية تحكم أوضاعه والدعوى هي الوعاء القانوني الذي تتوضع فيها الخصومات القضائية يتبخر غير القانوني منها ويبقى ما هو قانوني, ويصدر القاضي حكمه الفاصل بموضوعها,

ومتى صدر الحكم القضائي نهائياً تمتع صاحبه بقوة تنفيذية تمكنه من اقتضاء
الحق الثابت فيه عن طريق التنفيذ الجبري وليس لأحد استيفاء حقه بالذات تحت طائلة العقاب لأن السلطة القضائية ومديريات التنفيذ
كفيلتان بالحماية المطلقة لحقوق الناس أفراداً وجماعات

فالقانون

هو الضابط للحقوق والعامل على إيصالها إلى أصحابها والحق هذا الحي على الدوام يعلو ولا يعلى عليه

الحق و القانون

يشير الحق إلى ما هو شرعي وما يجب أن يكون، ويعني مجموع القواعد التي تنظم الحياة الاجتماعية والتي تصاغ في قوانين، طبيعية (العرف) أو وضعية (مكتوبة)، تسهر الدولة على تنفيذها، و هذا يعني أن هناك علاقة وطيدة بين الحق والقانون. و القانون اليوم، هو المصدر الأساسي للحق، ورغم كون معنى الحق ينحى اليوم للاختلاط بمعنى القانون، فإن معاني الحق والقانون مختلفين.

فقاعدة الحق هي أداة يستعملها الحقوقي ليجعل من الفعل مطابقا للعدالة. في حين أن القانون هو أساسا إمرة، تصدر عن شخص شرعي له الوسائل الشرعية لممارسة الحكم. و هو ما يعني أن القانون ليس بالضرورة قاعدة حق بما أنه لم ينتج بالضرورة لغاية العدالة.

ورغم كون الحق في معناه الواسع هو البحث عن العلاقات بين الأحداث والقوانين. فإن القانون لا يمثل المعطى الوحيد الذي يجب أخذه بعين الاعتبار، إذ يجب أيضا النظر في طبيعة الأحداث و واقعية القانون... خاصة وأنه لا توجد قوانين بحسب كل حالات الأحداث الممكنة، ثم إن تحليل الأحداث هو ما سيمكننا من حسن إدارة العلاقات الاجتماعية، وهو ما يقودنا إلى السؤال عن مصادر الحق.
وفي هذا المستوى يمكن القول أن مصادر الحق أربعة:

المصادر الواقعية: و هي الوقائع التي يؤدي وجودها أو تمظهراتها مباشرة إلى ولادة الحق: مثل حركات المطالبة، الثورات...

المصادر الصورية: و هي الوسائل والطرق التي يعبر بها الحق عن وجوده مثل القانون، العادات...

المصادر الوثائقية: و هي الوثائق التي تشهد على وجود الحق مثل المدونة القانونية، أو المجلة الرسمية للدول.

المصادر المادية: و هي ما يجعل وجود الحق فعليا، وتتمثل في السلطات الثلاث للدولة، السلطة التشريعية، والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية، فهذه السلطات مطالبة بأن تجعل من الحق واقعا.

تعريف الحق

الحق هو كل مايستطيع الفرد القيام به في إطار مايسمى بالشرعية القانونية التي يمنحها له القانون، أي أنه مكنة أو سلطة يسندها القانون إلى شخص معين، يستطيع بمقتضاها أن يتسلط على شئ أو أن يقتضي أداءً معيناً من شخص آخر.

التعسف في استعمال الحق

من معالم الفكر القانوني الحديث رسوخ واستقرار نظرية التعسف في استعمال الحق .. الا ان هذه النظرية ليست من ابداع هذا الفكر .. فقلد عرفتها الشرائع القديمة .. حيث امتدت جذور هذه النظرية إلى الماضي .. وقد تناول بعض جوانبها كالرومان وغيرهم , أما الشريعة الاسلامية الغراء فقد نشأت فيها هذه النظرية بنشأتها ( فلا ضرر وضرار بالاسلام ) .. و الضرر يزال .. و لقد تناول الفقه الاسلامي هذه النظرية بالبحث و هنالك عدة محاولات بغية تأصليها .

ولقد أخذت معظم التشريعات العربية و الأجنبية المقارنة بهذه النظرية و استقر العمل بها لديها .. و منها القانون المدني الاردني و الذي أفرد لها فصلا كاملا ضمن طيات النظرية العامة للحق ..

كيف يتسعف الانسان بحقه ؟؟

الحق كما عرفه بعض الفقهاء : هو كل مايستطيع الفرد القيام به في إطار مايسمى بالشرعية القانونية التي يمنحها له القانون، أي أنه مكنة أو سلطة يسندها القانون إلى شخص معين، يستطيع بمقتضاها أن يتسلط على شئ أو أن يقتضي أداءً معيناً من شخص آخر .

لما شرعت الحقوق .. كان الهدف من ذلك تمكين الافراد من الانتفاع بما شرع لهم و عليه فلكل منَا حقوق منحنا اياها القانون و تكفل بحمايتها و صونها و الذوذ عنها حال وقع اعتداء عليها ...

ولكن ماذا لو نشأ عن استعمالي لحقي الذي منحني اياه القانون ضرر أصاب الغير ؟؟

هنا و عملا بنص المادة ( 61 ) مدني الجواز الشرعي ينافي الضمان فمن استعمل حقه استعملا مشروعا لا يكون ضمانا ما يصيب الغير من ضرر .

الا أن هذا النص مقيد .. و عليه استثناءات .. ذلك ان هنالك بعض الاشخاص قد يستغلون ان لهم حقا منحهم اياه القانون وحماه لهم فيتعسفون في استعماله .. و يكون هدف استعمالهم لذلك الحق هو الاضرار بالغير .. و الأمثلة العملية على ذلك كثيرة ...

كأن يقوم شخص برفع سور البناء الذي بينه و بين جاره الملاصق فيسد عنه النور و الهواء .. فهنا قام الجار باستخدام حقه و بنى سورا على ارضه .. الا أن فعله سبب ضررا لجاره الملاصق .. فهل يقف مبدأ الجواز الشرعي ينافي الضمان في وجه الجار المتضرر ويمنعه من المطالبة بازالة الضرر ؟؟

بالطبع لا .. فلا ضرر و لا ضرار .. و القانون المدني الاردني قد عالج مثل هذه الحالة وغيرها .. فالحق لم يشرع اصلا للمكيدة و الاضرار بالغير و انما شرع لغاية اسمى ة هي تمكين صاحبة من اسعماله و اسغتلاله بما يعود عليه بالنفع و الفائدة ..
وهذا ما أكدته محكمة التمييز الاردنية في قرارها رقم 1079/97 ( ان استعمال الحق الشرعي وان كان ينافي الضمان عملاً باحكام المادة (61) من القانون المدني الا انه مقيد بعدم اساءة استعمال هذا الحق والا اصبح ضامناً للضرر الناشئ عن سوء استعمال الحق عملاً باحكام المادة (66) مدني ).

و هنا جاءت الاستثناءات على مبدأ الجواز الشرعي في المادة ( 66 ) من القانون المدني الاردني :
اساءة استعمال الحق
1. يجب الضمان على من استعمل حقه استعمالا غير مشروع .

وحدد القانون الحالات التي يستشف منها التعسف في استعمال الحق ألا وهي :

2. ويكون استعمال الحق غير مشروع :

أ . اذا توفر قصد التعدي .
أي اذا تمخضت ارادة صاحب الحق من استعماله الاضرار بالغير طبعا يستدل على ذلك من وقائع الحالة و القرائن و غيرها .


ب. اذا كانت المصلحة المرجوة من الفعل غير مشروعة .
عدم مشروعية المصلحة ذاتها مع مشروعية الفعل و هنا كأن يملك شخص عمارة بها شقق ويريد تأجيرها و هو هنا صاحب حق و له ذلك ففعل التأجير بحد ذاته مشروع .. لكن ماذا لو أنه أجرها كمكان للدعارة أو تعاطي المخدرات ؟ طبعا هذا أمر مخالف للقانون و النظام العام و الاداب العامة .


ج. اذا كانت المنفعة منه لا تتناسب مع ما يصيب الغير من الضرر .
فلا بد أن يكون ما يجنيه صاحب الحق أكبر مما يضيب الغير من ضرر .. فمن رفع سور منزله و حجب النور و الضوء عن جاره أضر به أكثر مما جلب منفعة لنفسه و هو هنا متسعف في استعمال حقه .

د . اذا تجاوز ما جرى عليه العرف والعادة .

التعسف في استعمال الحق ( التعليق على المادة 41 من القانون المدني الجزائري )

الجانب الشكلي :
موقع النص:
تحليل نص المادة 41 من القانون المدني الجزائري .
تنص المادة 41 من القانون المدني الجزائري على ما يلي :
( يعتبر استعمال الحق تعسفا في الأحوال التالية .
- اذا وقع بقصد الإضرار بالغير .
- اذا كان يرمي الى الحصول على فائدة قليلة بالنسبة الى الضرر الناشئ الى الغير
- اذا كان الغرض منه الحصول على فائدة غير مشروعة . )


أ- البناء اللغوي :
نص المادة 41 من القانون المدني الجزائري جاء قصيرا وتناول موضوع التعسف في استعمال الحق وصوره ، اما عن الأخطاء المطبعية فلم ترد في النص ماعدا لفظة ( حق ) في بداية المادة التي من الفروض أن تعرف ب: …….أل…..
ب- البناء الغوي :
أسلوب المادة كان أسلوبا مباشرا واضحا ليس فيه أي غموض او إبهام وتحدث عن موضوع التعسف في استعمال الحق .
ج- تحليل مضمون النص :
تحدث المشرع في المادة 41 من ق م ج على موضوع التعسف في استعمال الحق وذكر بأن مستعمل الحق يكون متعسفا في استعماله في حالات ثلاث هي عندما يكون نية مستعمل الحق الإضرار بالغير او كان يرمي الى الحصول على فائدة زهيدة مقارنة بالضرر الناشئ للغير او ان الفائدة هي غير مشروعة
• والإشكال المطروح :
متى يصبح صاحب الحق متعسفا في استعماله لحقه ؟
حتى لا يصبح استعمال الحق شيئا مطلقا .
ونتناول هذا الموضوع الذي بين أيدينا بواسطة الخطة التالية :

مقدمة :
مبحث تمهيدي : أسس التعسف في استعمال الحق .
المبحث الاول : معايير التعسف في استعمال الحق .
المطلب الاول : المعيار الشخصي .
المطلب الثاني : المعيار الموضوعي .
المبحث الثاني : جزاء التعسف في استعمال الحق .
المطلب الاول : قبل حدوث التعسف
المطلب الثاني : بعد حدوث التعسف.
المقدمة :
إن القارئ للمادة 41 من ق م ج يدرك أنها تنص على موضوع التعسف في استعمال الحق القيد بوظيفة الحق ذاتها أي المراد من هذا الحق في حد ذاته ، فالقانون لا يحمي الحق ومستعمله إلا اذا استعمل هذا الحق في الأطر الشرعية ولم يصل استعماله حد الإضرار بالغير ، او إن مصلحة صاحب الحق تخلفت حال استعماله .
والمشرع الجزائري عند سنه لهذه المادة لابد انه اعتمد على معايير أسس لموضوع التعسف في استعمال الحق لذلك لابد من التطرق لأسس التعسف في استعمال الحق .
المبحث التمهيدي : أسس التعسف في استعمال الحق .
يدخل التعسف في استعمال الحق في تظام المسؤولية التقصيرية اذ يعتبر المتعسف قد ارتكب خطأ في استعمال حقه ويتحقق هذا متى انحرف عن سلوك الرجل العادي سواء كان الخطأ جسيما او يسيرا .
وهناك من يرى ان نطاق التعسف في استعمال الحق أوسع حيث بالنضر للفقرتين 2/3 من المادة 41 نجد انهما تخرجان عن مجال الخطأ تماما وهذا ما يراه الأستاذ علي علي سليمان اذ يقول : ( التعسف في استعمال الحق قد استمدته قوانينا العربية من الشريعة الإسلامية أصلا ، وهذه الشريعة لا تقيم المسئولية في حالة التعدي على أساس الخطأ بل تنضر إليها نضرة موضوعية ……… فيعتبر التعسف في استعمال الحق مستقلا عن نظام المسئولية التقصيرية ) .
المبحث الأول : معايير أسس التعسف في استعمال الحق .
السؤال الذي يطرح على كل دارس للمادة 41 من ق م ج هو .
متى يصبح الشخص متعسفا في استعمالا حقه ؟
المطلب الاول: المعيار الشخصي .
بالرجوع للمادة 41 من ق م ج الفقرة 01 ، نخلص انه من قراءة العبارة ( …….اذا وقع بقصد الأضرار بالغير …….)
أن المشرع اعتمد على المعيار الشخصي أي بالرجوع الى نية وقصد الشخص مستعمل الحق كلما كان من وراء هذا القصد او النية الضرر بالغير المقابل لهذا الشخص .
وحتى نوضح هذا نعطي مثالا من الواقع فالذي يبني حائطا او يغرس شجرة تحجب النور عن جاره يكون قد تعسف في استعمال حقه .
المطلب الثاني : المعيار الموضوعي .
المادة 41 من ق م ج الفقرتان 2/3 نصتا على ( ……… - اذا كان يرمي الى الحصول على فائدة قليلة بالنسبة الى الضرر الناشئ للغير .
- اذا كان الغرض منه الحصول على فائدة غير مشروعة . )
وعند تحليل هاذين الفقرتين نجد ان هناك صورتان للمعيار الموضوعي


الصورة الأولى :
اذا كان استعمال الحق يرمي به صاحبه الى الحصول على فائدة قليلة او تافهة مقارنة بالضرر الناشئ للغير .
فالشخص قد يعتبر متعسفا مع ان له مصلحة في استعمال حقه انطلاقا من كون المصلحة تعتبر زهيدة ولا تتناسب مع الضرر الذي يصيب الغير
ومثال ذلك من يغرس شجرا بهدف توفير الرطوبة في مسكنه وفي في نفس الوقت يحجب النور عن جاره إذ بالمقارنة بين المصلحة والضرر نجد انهما غير متناسبتان إذ الضرر اكبر بالمقارنة مع مصلحة توفير الرطوبة التي تعتبر زهيدة .
والمشرع الجزائري نص في نفس السياق في المادة 708/02 على ما يلي ( غير انه ليس لمالك الحائط ان يهدمه مختارا دون عذر قانوني ، إن كان هذا يضر الجار يستر ملكه بالحائط ) . وهي صورة لما سبق فالجار ضرره كبيرا من تهدم الحائط وصاحب الحائط مصلحته قليلة من هدم الحائط إلا اذا كان هناك عذر قانوني وشرعي .


الصورة الثانية : عدم مشروعية المصلحة .
ومثال ذلك ان شخصا يستعمل منزله لسبب غير شرعي مخالف لنظام العام والآداب العامة ، وهذا يضهر بصفة مباشرة وواضحة لكن قد تكون المصلحة غير المباشرة ومثال ذلك فصل رب العمل للعامل نتيجة انخراطه في نقابة العمال .
ويجدر الذكر هنا ان هناك من الفقهاء من أضاف معيارا ثالثا للمعيارين السابقين ولم تذكره المادة 41 من ق م ج هو معيار ( الضرر الفاحش ) لكن ذكره المشرع في النصوص التي تحدثت عن مضار الجوار غير المألوفة وهذا تطبيقا لأحكام الشريعة الإسلامية ، او ما نصت عليه المادة 691 ق م ج ( يجب على المالك ألا يتعسف في استعمال حقه الى يضر بملك الجار . )
المبحث الثاني : جزاء التعسف في استعمال الحق .
نراعي في هذا البحث نقطتين هما .
المطلب الاول : قبل حدوث التعسف .
أن جزاء التعسف في استعمال الحق قد يكون جزاء وقائيا وذلك عندما يظهر التعسف في استعمال الحق بصفة واضحة قبل تمامه ، فيمكن منع صاحب الحق منع الاستعمال التعسفي لحقه .
المطلب الثاني : بعد حدوث التعسف.
وفي حالة حدوث التعسف فعلا فانه يحكم على المتعسف بالتعويض لصالح المضرور كما قد يلزم كذالك بإزالة الضرر ذاته كلما كان ذلك ممكنا .


الخلاصة :
ان المادة 41من ق م ج قد نصت على استثناء للمبدأ العام استعمال الحق هذا الاستثناء هو التعسف في استعمال الحق والمشرع الجزائري بين ثلاث صور للتعسف في استعمال الحق
وضحتها المادة هي : - اذا كان الهدف الأضرار بالغير
02 - الحصول على فائدة زهيدة بالنضر الى الضرر الناشئ للغير
03 - الفائدة غير الشرعية .

التعسف

قديماً جداً قال الرومان: "من استعمل حقه لم يضر أحداً". وقد أخذ بذلك القانون الفرنسي. وقديماً أيضاً قال الإنكليزي، بعدم الضمان لما ينتج عن استعمال الحق من الضرر لأنه "ضرر بلا تعد" حسب اصطلاحهم المنقول عن اللاتينية: "Damnum sine injura".

القانون المدني الألماني اعتبر أنه "لا يجوز استعمال الحق إذا لم يكن القصد منه إلا أحداث الضرر بالغير.

قانون الموجبات والعقود اللبناني "وضعه العلامة الفرنسي جوسران" اعتبر في المادة 124 منه أنه "يلزم بالتعويض من يضر بالغير بتجاوزه في أثناء استعمال حقه، حدود حسن النية أو الغرض الذي من أجله منح هذا الحق"، المادة العاشرة من أصول المحاكمات المدنية/اللبنانية نصت بدورها على أن: "حق الادعاء وحق الدفاع بحسب استعمالهما، فكل طلب أو دفاع أو دفع يدلي به تعسفاً يرد ويعرض من تقدم به للتعويض عن الضرر المسبب عنه".

كما اعتبرت المادة 11 من القانون عينه على أنه: "يحكم على الخصم المتعسف بغرامة". يقتضي الإشارة أيضاً إلى أن عبارة إساءة استعمال الحق قد استعملت أساساً لوصف الخطأ المتأتى في معرض استعمال الحق والذي يفضي إلى مسؤولية الشخص الفاعل عن العمل الضار.

بجميع الحالات، أن ممارسة الحق لا يمكن أن تشكل فعلاً غير مشروع حتى ولو كانت الأفعال تتطابق مع نموذج من النماذج التجريمية.

..ولا يكفي لمشروعية الفعل المرتكب استعمالاً للحق أن يكون صاحبه قد التزم بالحدود الموضوعية المنصوص عليها قانوناً، وإنما يلزم أن تكون ممارسته للحق قد روعي فيها الجانب النفسي المتمثل في تحقيق المصالح التي تقرر الحق من أجلها. فإذا انتقلت النية السليمة كنا في نطاف التعسف في استعمال الحق والذي ينفي عن الفعل الصفة المشروعة ليندرج تحت نطاق عدم المشروعية.

لقد أضحت فكرة التعسف في استعمال الحق نظرية مستقرة، في الفقه، والقضاء الفرنسي، وأن كنا نجد جذورها ممتدة منذ القديم. فقد عرفت في القانون الروماني، في بعض التطبيقات، التي قال بها بعض الفقهاء كالفقيه جايوس، وبول، والبيان ومنه انتقلت إلى القانون الفرنسي القديم. أما الشريعة الإسلامية فقد عرفتها كنظرية عامة تنصرف إلى كافة الحقوق. فالقرآن الكريم، قد نهى في أكثر من موضع فيه عن التعسف.

ولكن انتشار المذهب الفردي، في القرن التاسع عشر، أدى إلى احتجاب النظرية في فرنسا لبعض الوقت. فهذا المذهب، كما نعلم يقوم على أن للأفراد حقوقاً مطلقة، سابقة على دخولهم الجماعة. ومن ثم فلا مجال للقول بتعسف في استعمال الحق.

ومن أفول نجم المذهب الفردي، عادت النظرية إلى الظهور من جديد. فمن منتصف القرن التاسع عشر بدأ القضاء الفرنسي يأخذ بها ويرجع الفضل في ازدهارها ورسوخها كنظرية عامة إلى الفقهين سالي، وجوسران، اللذين جمعا الأحكام القضائية المتناثرة، وكونا منها نظرية عامة، واضحة المعالم والحدود.

ومع ذلك، فإن هذه النظرية لم تسلم من النقد، وكان أشهر خصومها الفقيه الفرنسي "الكبير بلانيول"، الذي ذهب إلى إنكار فكرة التعسف من أساسها. فهو يقرر في عبارة مشهورة عنه "إنما الحق ينتهي حيث يبدأ التعسف".

نظريَّة التَّعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي

نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي




تقدمة:
الفقه الإسلامي أظلت رايته بلاد المسلمين في أكبر بقعة عرفها التاريخ على وجه الأرض ثمانين سنة وثلاثمائة وألفًا - صان فيها حقوق الناس، وحفظ مصالحهم فنعموا بعدالة التشريع وعدالة القضاء: ذلك العدل الذي من أجله أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].

جهد القضاء والمفتون من الفقهاء في استنباط الأحكام من مصادر الشريعة كلما نزلت بهم قضية أو حزبهم أمر، فكانوا يحدثون للناس أقضية بقدر ما أحدثوا، ويصونون فيهم المصلحة التي أرادها الله من هذا الدين؛ كما يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فقامت بذلك الحجة البالغة على كمال هذا الدين، وعلى أنه شريعة الناس كافة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقامت بذلك الآية البينة على أن الفقه كائن حي ينمو ويؤتي أكله بإذن الله لتلبية حاجات الحياة ومطالبها على اختلاف ألوان المجتمعات في كل عصر ومصر، ونظرة واحدة إلى تطور الكتب الفقهية من زمن كبار الأئمة المجتهدين ترينا مبلغ الرقي المتزايد والنمو المُطَّرد الذي وصل إليه طالما كان يجلس مع القضاة على كراسي القضاء، ويقعد مع المفتين في المجامع والمساجد.

النظرية:
ونظرية التعسف في استعمال الحق تسميتها بهذا الاسم منقولة عن رجال الحقوق الغربيين؛ ولكنَّ هذه النَّظرية عرفها الإسلام منذ أرسل الله رسوله وأنزل عليه قرآنه واعتنقه الناس دينًا، وطبَّقوه في قضاياهم، وسائر علاقاتهم شريعة محكمة، بيَّن الحق كما بيَّن مصادره وأنواعَ التعدي عليه مباشرة وتسببًا وعمدًا وخطأً، وعن طريق التَّحايل والذَّريعة، فلم يترك قانونه قضية من غير حكم.

ولكن الذين يقرؤون لرجال القانون من الغرب، ولا يقرؤون الفقه الإسلامي دأبوا على أن يُعْجَبوا بكل ما نقلوه عن الغرب على حين يتَّهِمُون الفِقْهَ بقِصَرِ نظرياته، وجُمود أحكامه.

معنى التعسُّف في استعمال الحق:
قسم علماء الشريعة الحقوق إلى ما هو حق العامَّة، وضابطه ما يتعلق به النفع العام للمجتمع من غير اختصاص بأحد؛ كالانتفاع بالطريق العام، والأنهار العامة، والمساجد، وهذا يثبت للناس جميعًا حق الانتفاع به والدفاع عنه، الثاني: الحق الخاص، وهو ما تتعلَّق به مصلحة خاصَّة للفرد؛ كحقِّه في ملكه، أو في ولايته على ولده، وميَّزوا بين الحقَّين: بأنَّ الأول: لا يمكن تمليكه ولا إسقاطُه، والثاني: يمكن تمليكه وإسقاطه.

وما دام التَّعسُّف في استعمال الحق شاملاً للقسمين يمكن إدماجهما في تعريف واحد نستخلصه من الاستعمالات المختلفة للفقهاء، وهو ما يثبت للإنسان استيفاؤه؛ سواء أكان عامَّا أو خاصَّا، وسواء أكان حقَّا متعلقًا بالمال؛ كحق الملك في الأعيان، وحق الانتفاع بالعين المستأجرة أو المستعارة، وحق الحبس في المرهون، أم كان حقًّا غير مالي؛ كحق الولاية للشخص على أولاده، وحق الزَّوجية ومنه حق الطَّاعة لولي الأمر، وحق الشُّورى للأفراد الذين يتأهلون لذلك وغيرهما من الحقوق السياسية.

ولا يأبى الفقه الإسلامي تقسيم فقهاء القانون له إلى شخصي وعيني، فالأول: دين أو عمل أو امتناع عن عمل لشخص على آخر؛ كالثمن المؤجل، ومنفعة الأجير، والامتناع عن الانتفاع بالمرهون أو الوديعة، والحق العيني هو علاقة اختصاص لشخص على شيء في مواجهة الناس جميعًا؛ كحقِّ الملك، وحقِّ التَّصرُّف في المَملوك، وحقِّ الارتفاق بالشرب، والطريق، ووضع الجذوع على حائِطِ الجار.

وأسباب اكتساب هذه الحقوق إمَّا اختياريَّة، وإمَّا جَبْرِيَّة، فالأولى: العقد، والعلم النافع؛ كالفضالة، ومنها ما إذا أنفق على اللقيط بغَيْرِ إذْنِ القاضي عند المالكيَّة، والعمل الضَّار؛ كارتكاب الجرائم، والامتناع الضار.
والسَّبب الجَبْرِي أمران: الأوَّل: أوامر الشارع؛ كالإنفاق على الأولاد، والضرائب من العشر، والخراج، والزكاة، والثاني: هو الإرث.

معنى التَّعسف:
التَّعسُّف في استعمال الحقِّ تعبيرٌ واردٌ إلينا عن الحقوقِيِّين الغربيين، فيجمل بنا أن نعرفه بما أرادوا منه، ثم نتكلَّم عمَّا يقابله في الفقه الإسلامي.
فالتَّعسف في استعمال الحق عندهم هو: استعمال الحق على وجه غير مشروع، فالمفروض أن الحق أمر مشروع ومباح الاستخدام؛ ولكن الذي استعمله نحا في ذلك نحوًا غير مشروع؛ كما سيتبين هذا فيما بعد.

وفرق بين التَّعسف وبين الفعل الضار أو الامتناع الضار؛ لأن الأخيرين أمر غير مشروع، أي ممنوع ومحرم من أول الأمر.
أما التعسف فهو استعمال الحق المشروع على وجه غير مشروع.

أحوال التعسف في القوانين الحديثة:
ذكرت التَّقنينات الحديثة ثلاثة أحوال للتَّعسف في استعمال الحق هي:
الأول: أن يأتي الإنسان بعمل مشروع، ويقصد به الإضرار بالغير من غير أن تكون له مصلحة فيه.
الثاني: أن يأتي بعمل مشروع للحصول على مصلحة ضئيلة له، لا تتناسب مع الضرر العظيم الذي لحق الغير من جراء هذا العمل.
الثالث أن يأتي بعمل مشروع يقصد به تحقيق مصلحة غير مشروعة، وقد نص على هذا القانون المصري في المادة 4، 5؛ والقانون السوري 5، 6.

النظرية والفقه الإسلامي:
هذه النَّظرية مسطورة في صميم الفقه الإسلامي وبارزة في آيات الكتاب وأحاديث السنة بأوسع من معناها في القانون، وهي من المبادئ الكبرى التي حفظت بها الحقوق منذ كان الإسلام.

الأدلة عليها إجمالاً:
الأدلة عليها من القرآن والسنة:
الدليل الأول: قول الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231].
سبب نزول هذه الآية كما أخرج ابن جرير وابن المنذر، أنَّ رجلاً من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلَّق زوجته حتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها إلا يومين أو ثلاثًا راجَعَها ثُمَّ طلَّقها، فعل ذلك بِها حتَّى مَضَتْ لَها تسعةُ أشْهُرٍ يُضارُّها، فأنزل الله تعالى الآية.

يعني - والله أعلم - إذا طلَّقْتُمُ النِّساء فقارَبْنَ انْقِضاءَ عِدَّتِهن فأمسكوهن بالرجعة؛ بما هو متعارف في الشرع من حسن العشرة، أوِ اتْرُكوهُنَّ حتَّى تنقضي عدتهن، ولا تُراجِعُوهُنَّ مُضارِّين لَهُنَّ بِهذه الرجعة، فيتحقق بذلك عدوانكم عليهن.
وجه دلالة الآية أن الإمساك حق للزوج، وقد ندب الله تعالى إلى استعماله على نحو مشروع وهو الإمساك مع المعاشرة الحسنة، ونهى عن استعماله على نحو غير مشروع، وهو استعماله على وجه المضارة على النَّحو الذي فعله ثابت بن يسار، وهذا بعينه هو إساءة استعمال الحق؛ لأنَّهُ اسْتِعمالُ حقِّ الإمساك: على وجْهٍ غَيْرِ مَشروع.

الدليل الثاني: قال الله تعالى بعد بيان نصيب الإخوة لأم من الميراث: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 12].
يعني - والله أعلم - لكل من الإخوة لأم نصيبه بعد أداء دين المورث، وإخراج وصيته، على أن يكون المورث قد أقر بالدين، وأوصى من غير ضرار بورثته، بأن يكون الدين صحيحًا، والوصيَّة لا ضرار فيها.

وجه الدلالة أنَّ الوصية حق للمورث، وله استعماله على وجه مشروع بأن يكون فيه بر بالورثة، ولا يجوز استعماله على وجه غير مشروع بأن يكون إضرارًا بالورثة؛ كأن يوصي بأكثر من الثلث، أو يوصي لأحد الورثة، فالوصية مع الإضرار هي بعينها إساءة استعمال الحق.
الدليل الثالث: ما أخرج أحمد بسنده إلى عبدالله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لعن الله المحلِّل والمحلَّل له))، وما رُوِيَ عن الأوزاعي عنه - صلى الله عليه وسلم - ((يأتي على النَّاس زمان يستحلون الربا بالبيع)).

وما أخرج البخاري عن النُّعمان بن بشير أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مثل القائم في حدود الله والواقع فيها؛ كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)).

وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أنَّ الزواج والبيع عمل مشروع والزواج لأجل التَّحليل والبيع لأجل الربا عمل غير مشروع، فلما قصد بالمشروع غير المشروع نهى عنه الشارع، وحكم بفساده؛ لأنه تعاون على الإثم، وقد قال تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، ووجه الدلالة من الحديث الثالث أن الذين في أسفل السفينة يستعملون نصيبهم وحقهم؛ لكن لما أرادوا أن يستعملوه على وجه غير مشروع؛ لأنه يضر الجماعة ضررًا عظيمًا لا يتكافأ مع مصلحة شربهم، وترك إيذاء الفريق الأعلى، اعتبره الشارع منكرًا يجب أن يمنعوا عنه، إلى غير ذلك من أدلة يأتي بعضها إن شاء الله.

اشتراكية الحق في الإسلام:
الحقوق الشخصية والعينية ليست مختصة بأصحابها في الإسلام اختصاصًا مطلقًا، وليسوا مستبدِّين في التَّمتُّع بِمزاياها استِبْدادًا عمَّا قد يتبادَرُ من وصْفِها بِالحُقوق الخاصَّة.
بل الواقع أنَّ للجماعة حقًّا عامًّا مشتركًا بينهم، وذلك من ناحيَتَيْنِ:

الأولى: أنَّ تصرُّف الشَّخص فيها مشروعٌ بشَرْط سلامة الجَماعة من ضررٍ يَنْشَأُ عن استعمال هذا الحق؛ كما يشير إلى ذلك حديث الواقع في حدود الله؛ ولهذا أذن للجماعة في منعه عنِ اسْتِعماله للحقِّ استِعْمالاً ضارًّا بِهم، فصاحِبُ الحقِّ يَجِبُ أن ينظُرَ إلى النَّتائِجِ النَّاجِمَة عنِ اسْتِعْمالِه إنْ قَصَدَ الضَّرَرَ، أو ترك الاحتراس، أو أراد تحقيق مصلحة لا تتكافأ مع ضرر الغير أو مصلحة غير مشروعة.

الناحية الثانية: أن الحق كما جعل الله فيه مصلحة فردية لصاحبه، جعل فيه مصلحة اجتماعيَّة لصالح الجماعة؛ لأنه من ثروة الأمَّة التي تعتمد عليها، ولهذا نهى الشخصَ عن إتلاف ماله؛ لأنه إن لم يصبه هو بالخسارة أصاب الجماعة، ولأن الله جعل فيه نصيبًا معلومًا للجماعة كما في الزكاة والعشر والخراج، ويدل على هذا النَّهْي عن الاحتكار والنهي عن رفع الأسعار وحق الجماعة في بيع المال المحتاج إليه على صاحبه عند الغلاء الشديد أو المجاعة.
ويشير إلى هذا الأصل العظيم قول الله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5]، وبهذا تبيَّن أنَّ الحقَّ الخاصَّ فيه جهة عموم نظرًا للوظيفة الاجتماعية التي رتَّبها الشَّارع من النَّاحيَتَيْنِ السَّابقَتَيْنِ.
ولهذا المبدأ ارتباطٌ وثيقٌ بنظريَّة التَّعسُّف في استعمال الحقِّ، من جِهَةِ أنَّ صاحبَهُ يجب أن يشعر بأن لغيره فيه نصيبًا لا يصح الاعتداء عليه.

تفصيل الكلام على التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي:
تعريفه:
تبين من دراساتنا لأحكام التَّصرُّفات، وما يعتبر منها مُخالفة، وما لا يعتبر أنَّه يُمكن تعريفه بِما يأتي: هو تصرُّف الإنسان في حقِّه تصرُّفًا غيرَ مُعتاد شرعًا.
ولشرح هذا نقول: الأصل الفقهي العام في المسؤولية إذا تصرَّف الإنسان في حقه.
قرَّر الفقهاء كما في الفقه الحنفي وغيره، أن للإنسان أن يتصرف في ملكه تصرفًا معتادًا ولا يسأل عما يترتب عليه من ضررٍ حينئذٍ، وإنما يسأل عن الضرر إذا كان التَّصرف في ملكه غير معتاد.

ويقصدون بالملك ها هنا الحقَّ؛ بدليل أنَّهم ذكروا من فروع هذا الأصل ما لو سقى أرضه من الأنهار العظام التي ليست مملوكة للأفراد؛ كالنيل، والفرات، أو ساق منها نهيرًا إلى أرضه، قالوا: يجوز ذلك إلاَّ إذا أضرَّ بالعامَّة.

تفريع:
وفرَّعُوا على هذا الأصل أُمُورًا منها ما إذا سقى زرعه فنزت أرض جاره، وتلف بذلك زرع أو بناء إن سقاها سقيًا معتادًا بأن سقاها قدر ما تحتمله عادة لم يضمن وإن سقاها قدرًا لا تحتمله ضمن.

ومنها ما إذا أحرق حصائِدَهُ في أرضٍ مَملوكة أو مستأجرة، فاحترق بذلك شيء لجاره لم يضمن لأنه تصرف في حقه تصرفًا معتادًا، وإن كانت الرياح مضطربة عند الإحراق فأحرقت شيئًا لغيره ضمن، لأنَّه يَعْلَمُ أنَّ النَّار لا تستقرُّ فكان مستعملاً لِحقِّه استعمالاً غير معتاد؛ أي فكان متعديًا.
ومن هذا يتبيَّن حُكْمُ الفِقْهِ فيما لو حَفَرَ بئرًا في مِلْكِه فغاض الماءُ من بئر جاره، أو أدار آلةً إدارةً مُعتادة فتأذَّى السُّكَّان بضوضائها، وهو أنه لا يضمن الضرر؛ لأنه تصرف معتاد.

وحُكْمُ هذا الأصلِ يسري على مَنْ قامَ بِعَمَلٍ لغيره بناءً على عقد أو إذن كالطبيب والقاضي ومنفذ الأحكام؛ إذا سلك الطريق المعتاد في عمله فتخلف عن ذلك ضرر: لا يضمن وإن جاوزه ضمِن، ولهذا قالوا: إن الختان والفصاد إذا هلك الغلام والمريض بجرحهما المعتاد لا يضمنان[1]، وإن جاوزاه ضمنًا، وكذلك القاضي إذا ظهر أنه حكم بغير الحق، والمنفذ للعقوبة كالسجان والجلاد إذا تخلَّف عن قيامه بعمله المعتاد ضرر، ويشير إلى هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه)) الحديث، حيث لم يعتبر خطأ القاضي تعدِّيًا بعد ما تحرى في عمله وجه الصواب.
وتصرف الإنسان في حقه تصرفًا غير معتاد هو جماع مسائل التعسف في استعمال الحق.

أصول مسائل الإساءة في استعمال الحق
ويمكن حصر أصول مسائل التعسف في استعمال الحق بالاستقراء في أربعة:
الأصل الأول:
ما إذا استعمل حقَّهُ لا يقصد من ذلك إلا الإضرار بغيره، وليست له مصلحة فيه، وذلك كمن يدعي على آخر جريمة أو عملاً غير لائق، لا يقصد بذلك إلا الإضرار به، هذه الدعوى لا تسمع، ويعزر المدعي إذا ثبت ذلك بالقرائن، وفي فقه المالكية - كما في "التبصرة" - لو ادعى الصعاليك على أهل الفضل دعاوى باطلة، وليس غرضهم من هذا إلا أن يشهروا بهم ويوقفوهم أمام القضاء للإيلام والامتهان لا تسمع الدعوى ويؤدَّب المدعي.
ومن ذلك ما إذا أراد الزوج أن يسافر بزوجه إلى بلد بعيد، وهو غير مأمون عليها، لا يريد بذلك إلا الإضرار بها وإيذاءها أو سلب مالها، فيقضى بمنعه من السفر بها للإضرار، وقد قال تعالى: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} يعنِي: لا تضاروا المعتدَّات في السكنى؛ فالزوجات أولى ألا تضاروهن، والأصل في مسائل هذا الباب تحريم إمساك المعتدة بقصد الإضرار بها، وتحريم وصية الضرار وبطلانها، وتحريم طلاق المريض ليفر به من ميراث زوجته؛ فتقاس سائر مسائله عليهما لاتحاد العلة، وهي قصد الإضرار.

الأصل الثاني:
أن يستعمل الإنسان حقًّا يقصد به تحقيق مصلحة له فتترتب عليه مفاسد وأضرار لاحقة بالغير، وهي أعظم من هذه المصلحة أو مساوية[2] لها، وذلك كاحتكار ما يحتاج إليه الناس في أوقات الغلاء أو القحط يقصد به البيع بثمن مرتفع، فإن المحتكر يريد من ذلك مصلحة الربح الكبير؛ لكن يترتب على هذا ضرر عظيم يلحق الجماعة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون))، ومن هنا يمنع من الاحتكار ويباع عليه ما احتكره بثمن المثل إن امتنع من البيع.

ومن ذلك إغلاء التجار السعر على الناس بحيث يصل إلى ضعف قيمة السلع، فإن تقدير البائع لثمن مبيعه حق له، ولكن استعماله على هذا النحو، وإن حقق مصلحة له، فقد نشأت عنه مفاسد عظيمة بالجماعة، ولذلك قال الحنفية والمالكية: إذا عجز ولي الأمر عن رد التجار إلى الأسعار العادية بكُلِّ الوسائل أزال هذا الضرر بالتسعير بمشورة أهل الخبرة، وقد ثبت هذا بالمصلحة المرسلة لدفع الضرر عن الجماعة، وقال الشافعية وبعض الحنابلة بمنع التسعير واستدلوا بما روي أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ألا تسعر لنا؟ فقال: ((إن الله هو المسعر القابض الباسط))، وأجاب القائلون بالتَّسعير بأن الحديث كان فتوى في واقعة خاصة بسبب خاص، فلا تدل على عموم الحكم، فإن امتنع التاجر من البيع بالسعر المحدد بيع عليه كما يباع المال على المدين وفاء للدين.

ومنه تلقي التاجر للوافدين إلى السوق من أهل الريف والبادية، وشراء ما جلبوه بالثمن الرخيص لبيعه لأهل المدينة غاليًا؛ حيث يضر ذلك بأهل المدينة وبالوافدين، وقد نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ولا تلقوا الركبان للبيع)).
ومنه بيع السلاح في أيام الفتنة، أو لقطاع الطريق، وبيع العصير ممن يتخذه خمرًا، وبيع الحاضر للبادي، حيث قال الإمام أحمد ببطلان هذه العقود لرجحان المفسدة.
والمسائل المنصوص على حكمها مِمَّا قدمنا أصل في هذا النوع، فيثبت الحكم لنظائرها بالقياس، وإن شئت أثبته بالمصلحة إن تعذر القياس.

الأصل الثالث:
أن يستعمل حقه المشروع عقدًا أو غيره يقصد به تحقيق غرض غير مشروع مغاير للغرض الذي وضعه له الشارع.
وهذا كالبيع الذي يقصد به الربا، ومن هنا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع وسلف؛ لأنه يؤدي إلى الربا كأن يبيع سوارًا يساوي أربعمائة بخمسمائة على أن يقرضه البائع أربعمائة، فإن هذا العقد يؤول إلى ربا النسيئة، وهو أخذ تسعمائة ليردها ألفًا.

وكبيع العينة لأنه يؤدي إلى الربا أيضًا، وهو شراء ما باع بثمن أقل من الثمن الذي باع به قبل قبض الثمن، حيث تكون زيادة الثمن المؤجل ربا.
ومنه زواج التحليل فإن الزواج موضوع للعشرة الدائمة وتكوين الأسرة، وقصد به عمل مؤقت مذموم عند الله، وقد تقدم تحريمه بالحديث الكريم.
ومنه البيع الذي قصد به إسقاط الشفعة، وهبة المال التي قصد بها الواهب إسقاط فريضة الزكاة أو الحج، فما ثبت بالنَّصِّ في هذا الباب يعتبر أصلاً وغيره يقاس عليه[3].

هذه الأنواع الثلاثة مبنيَّة على قاعدة سدِّ الذَّرائع، وزيادة على ما تقدم من الأدلة نذكر أنَّ الأنواع السابقة للتعسف في استعمال الحق مبنية على أصل عظيم من أصول الشريعة، وهو سد ذرائع الفساد.
وضابطُها أنَّ الشَّارع إذا حرم شيئًا حرَّم وسائِلَهُ المُفْضِية إليه، وهذا يتحقَّق فيما إذا أفضَت الوسيلة إلى ضرَرٍ مَقصودٍ أو إلى مَصلَحةٍ معها مفسدةٌ تُساوِيها، أو تترجَّحُ عليْها، أو إلى غرض حرَّمه الشارع كالربا والزنا، وبالجملة: إذا أفضت إلى إسقاط الواجبات وإحلال المحرمات.

وهذا الأصل تثبته أدلة كثير في الشريعة؛ منها قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، فإنَّ مفسدةَ سبِّهم للإله الحقِّ أعظم من مصلحة سبِّ الأصنام المباح، فمنع السب المباح لذلك، ومنها قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]، حيثُ حرَّم الضرب المباح لما فيه من إثارة الميول الخسيسة، ومنها تَحريم البيع عند نداء الجمعة؛ لأنَّ مفسدة الانشغال عن الصلاة أعظم من مصلحة البيع، ومنها تَحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها؛ لأن مفسدة قطيعة الرحم أعظم من مصلحة الزواج، ومنها امتناعُه - صلى الله عليه وسلم - من قتل المنافقين حيث علل ذلك بقوله: ((لا يتحدث الناس أنَّ مُحمَّدًا يقتل أصحابه))؛ لأن مفسدة تنفير الناس من الإسلام ونبي الإسلام أعظم من مصلحة القتل.

وقد أطلنا بعض الشيء في ذكر الأدلة؛ ليظهر ظهور النهار أنَّ ما يخاله الناس قواعد قانونية مبتكرة لأهل الغرب هو من ضروريات الشريعة المحكمة.
وهذه الأنواع كذلك مبنيَّة على أصل آخر وهو أن الحيل التي تؤدي إلى إسقاط واجب؛ أو إحلال محرم تقع باطلة.
تدل عليه كثرة من الأدلَّة منها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لعن الله اليهود: إن الله لما حرم عليهم شحوم الميتة جملوها - أي أذابوها - فباعوها وأكلوا ثمنها))[4].

الأصل الرابع:
أن يستعمل الإنسان حقه لكن دون احتراس وتثبت فيما يمكن فيه الاحتراس، فيفضي هذا إلى الإضرار بالغير.
وذلك كما إذا أراد أن يصيد طيرًا فطاش سهمه وأصاب إنسانًا أو حيوانًا بضرر، فإن الصيد حق مباح، ولكنه لم يحترس في استعماله له، ولم يتثبت فأدى إلى ضرر الغير، وهو المعروف بالخطأ في الفعل، وكما إذا ضرب دابة غيره يظن أنها دابته فأعطبها، أو قطف ثمر غيره يظن أنها ثمره، وهو المعروف بالخطأ في القصد، وهذا تعسف في استعمال الحق لانطباق تعريفه عليه.

وحكمه ضمان هذا الضرر إنسانًا أو حيوانًا؛ لأن القرآن يدل على تضمين المخطئ كما في قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92].
ومن ذلك سائق السيارة إذا صدمت إنسانًا فقتلته أو مالاً فأتلفته؛ لأنه استعمل حقه في قيادتها لكنه لم يحترس، ومن ذلك ما لو استعمل في الدفاع الشرعي سلاحًا لا تدعو إليه ضرورة الدفاع فأدَّى إلى ضَرَرٍ فإنَّه يضمنه، وفي "الدر" لابن عابدين[5]: المرأة إذا أريدت بسوء، والزوج إذا وجد رجلا مع امرأته، وأمكن الدفع بالصياح أو بالضرب بما دون السلاح فاستعمل السلاح ضمن الضرر المترتب عليه.

لكن محل ضمان الضرر في هذا الأصل إذا أمكن الاحتراس عنه عادة، أما إذا لم يمكن فلا ضمان كالطبيب إذا أجرى جراحة على النحو المعتاد بين الأطباء فتلف بها إنسان، وذلك لاختلاف طبائع الناس واحتمالهم للجراحات.
أما إذا أمكن الاحتراس فإنه يكون مقصرًا؛ كالحمال إذا زلقت رجله فأتلف ما يحمله، والكواء إذا أحرق الثوب الذي يكويه[6].

وقاعدة الحنفية في هذه المسألة أن الإنسان إذا أتى بمباح فترتب عليه ضرر بالغير ضمن؛ لأن استعمال المباح مشروط بالسلامة، والضرر دليل عدم الاحتراس، وذلك كالمرور في الطريق وضرب الزوجة لترك الطاعة، وإن فعل واجبًا عليه فترتب عليه ضرر لا يضمن كمنفذ الأحكام والفصاد الذي يعمل بالأجرة؛ لأنه مسلط على ذلك إلا إذا تجاوز ما أمر به أو أمكن الاحتراس عن الضرر فحينئذ يضمن، وقال الشافعي: يضمن في تنفيذ الأحكام ومن الزيلعي (جـ 3 ص 211) وابن عابدين في الإجارة.

وقد يبدو غريبًا ذكر الأصل الرابع في أنواع التعسف، ولكننا رأينا هذا لأنه ينطبق عليه تعريفه، وإلا فالكل في نظر الفقه من باب التعدي على سبيل التسبب.

التعسف في استعمال السلطة:
رجال السلطة التنفيذية يتصرفون بالوكالة عن ولي الأمر في حدود الأحكام المشروعة، لذلك لا يجوز لهم أن يفعلوا ما يخالف الشريعة، ولا أن يفعلوا ما لم يفوضوا فيه، فإن فعلوا شيئًا من هذين اعتبر ذلك إساءة في استعمال حُقوقِهِم، وترتَّب عليه إزالة ما لزمه من الضرر فإذا اغتصبوا مال الأفراد وضمُّوه إلى ملك الدولة أو حصَّلُوا ضرائب ظالمة لبيت المال ردت إلى أصحابها وإذا عاقبوا أحدًا بغَيْرِ جريمةٍ أدبوا، ما لم يكن ترتب الضرر عن اجتهاد كاجتهاد القاضي، وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "إذا رأيتم في اعوجاجًا فقوموني"، وكان - رضي الله عنه - يرسل المفتشين إلى الولايات لمراقبة عماله، وصح عنه أنه عزل سعد بن أبي وقاص لما شكاه أهل الكوفة؛ ومن أجل ذلك أنشئتْ مَحاكم المظالم في خلافة عبدالملك بن مروان لإنصاف أفراد الشعب من ظلم الحاكمين[7].

ولهذا نرى أن تقنين العقوبات في البلاد الإسلامية هو احتياط لدرء مفاسد التعسف في استعمال الحق الذي قد يقع من القضاة؛ لأن العقوبات على الجرائم فيما عدا الحدود والقصاص كلها راجعة إلى التعزير، والعقوبات التعزيرية متفاوتة كما أن الجرائم متفاوتة، فالقاضي ما لم يكن خبيرًا بأحوال الناس وما يصلحهم، متشبِّعًا بالعدالة، بعيدًا عن الأغراض والغايات، كثيرًا ما يقع منه الشطط في تقدير الجريمة وتحديد العقوبة، فكان التقنين هو الضمان الصحيح للعدل بين الناس، وقد اتخذت الوسائل قديمًا للمنع من التَّعسُّف كالحجر على الطبيب الجاهل والمفتي الذي يفتي الناس بالحيل الباطلة وكالحجر على المديان[8].

التَّكييف الفِقْهِي للتَّعَسُّف في استعمال الحق:
عرفنا أن أنواع التعسف أربعة، وأن الثلاثة الأولى منها مبنية على قاعدة سد الذرائع التي تقول: إن المشروع إذا أدى إلى محظور كان محظورًا، أو المباح إذا أدى إلى حرام كان حرامًا.
والرابع كذلك استعمال محظور لما جاوره من عدم الاحتراس.

وبناء عليه يكون المتعسف في استعمال الحق قد تسبَّبَ في أمر مَحظورٍ، فيُعْتَبَرُ مُتَعَدِّيًا بطريق التسبب؛ لتقصيره عند استعمال حقه، بقصد الضرر أو بالسعي في حصول مفاسد غالبة أو في تحقيق أغراض غير مشروعة أو لعدم الاحتراس، فيكون مسئولاً عن هذا التقصير وترتب عليه حكم مرتكب المحظور، وهو في كل شيء بحسبه كما يأتي، فلا فرق في حكم الشريعة بين من يأتي بما هو محظور من أول الأمر؛ كالضرب والغصب، ومن يأتي بمشروع أدى إلى محظور نتيجة التقصير، كل تتعلق به مسئولية المخالفة.
وبِهذا يتبيَّن أنَّ التَّعسُّفَ في استعمال الحقِّ في حكم الفِقْهِ هو من الفعل الضارِّ أو الامتناع الضَّارِّ أو العقد المحرم[9].


الأحكام المترتبة على التعسف:
وحكم التعسف إما التعويض إذا أدى إلى إتلاف مال أو نفس كمن حفر في ملكه بجوار حائط جاره فانهدمت، وإما الإبطال إذا كان في التعاقد كوصية الضرار وبيع العينة، وإما رفع الضرر؛ كبناء المالك ملاصقًا لجاره فسدَّ عليه نوافذ الضوء والهواء، وكجباية ضرائب ظالمة ومنع المحتكر، وإما التعزير؛ كما في دعاوى التشهير، وإما المنع من ممارسة الحق المتعسف في استعماله؛ كما في منع الزوج من السفر بزوجه إذا قصد به إيذاءها، والحجر على المديان، والمفتي المحتال على المحرمات، والطبيب الجاهل.

وفاء النظرية في الفقه الإسلامي ووضوحها:
لعلنا تبيَّنا من العرض السابق أن هذه النظرية غدت مستوعبة لجميع حالات التعسف، واضحة المعالم لبنائها على أصول مضبوطة لا اضطراب فيها، فإن مبنى الأصل الأول وهو قصد الضرر، وإن كان أمرًا شخصيًّا لكن يمكن كشفه بالقرائن الظاهرة، والأصل الثاني مبني على مقياس مادي، وهو الموازنة بين المصلحة والمفسدة، والأصل الثالث معياره معرفة النظم الإسلامية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فكل عمل مأذون فيه يراد به تحقيق غرض يخالف هذه الأنظمة يعتبر من التعسف كمن أهدى ويريد الرشوة أو اشترى ويريد الربا أو تطوع للجندية ويريد التجسس على أنظمة الجيش، والأصل الرابع مبني على عدم الاحتراس من الضرر وهو واضح يكاد يدل على نفسه.

أما القوانين الأجنبية التي يقال عنها: إنها تقدمية وافية، فإنها لم تعرف هذه النظرية إلا في هذا العصر، ومع هذا فهي فيها ناقصة وغامضة، فالقانون السويسري يبنيها على سوء النية وكفى، والقانون الروسي يبنيها على مخالفة الأغراض الاجتماعية والاقتصادية لا غير.
ولهذا أحسن واضعو القانونين: المصري، والسوري في استمدادها من الفقه الإسلامي[10] لأنهم وجدوها فيه تَجمع بين الوضوح والوفاء بخلاف القانون اللبناني؛ فإن جسران الفرنسي - واضع هذا القانون - استمدَّها من القوانين الغربية[11]؛ ولهذا جاءت فيه ناقصة.

ملاحظة:
لكن يلاحظ على القانونين المصري والسوري أنهما قصرا أحوال التعسف على الثلاثة الأولى، وتركا حالة التعسف بسبب عدم الاحتراس مع أنَّ معنى التعسف فيها أوضح.

إثبات التعسف في استعمال الحق أمام القضاء:
يثبت التعسف أمام القضاء بجميع الطرق المثبتة للحق غير أن تكييفه يتوقف إلى حد كبير على الظروف المحيطة بالقضية، وعلى عرف الجماعات؛ فقد يكون استعمال الحق تعسفًا في بيئة دون أخرى، وضررًا في حال دون حال، وذلك كرفع صوت المذياع إذا كان في السوق العامة أو في الأحياء الآهلة بالسكان وبين سكان البادية أو الحاضرة.

ولما كان سوء النية والتحايل لتحصيل المفاسد والأضرار هما أكثر أسباب التعسف وجب على القاضي أن تكون له خبرة واسعة بقرائن الأحوال وفقه نافذ بأحوال الناس الاجتماعية؛ ليجمع منها أدلة قصد الإضرار ويكتشف التحايل باستعمال المباحات على الوصول إلى المحرمات والأغراض غير المشروعة، نعم، هناك حالات نصب الشارع عليها علامات ظاهرة؛ كالطلاق في مرض الموت لأجل الفرار من ميراث الزوجة ووصية الضرار.

بعض تطبيقات لمبدأ الإساءة في استعمال الحق:
1 – حق الوكيل في عزل نفسه:
الوكالة من العقود غير اللازمة؛ فلكل من الوكيل والموكل حق العزل.
وبناء على هذا قد يستعمل الوكيل حقه، فيفاجئ الموكل بعزل نفسه في وقت يعجز عن القيام بما وكل فيه أو عن التوكيل به؛ كالمرافعة في قضية قرب موعد نظرها، وهي محتاجة إلى دراسة واسعة وكالقيام بعمل ضروري عاجل والموكل غائب.

وهذا في نظر الفقه تعسف في استعمال الحق؛ لأنه إضرار عظيم بالموكل بقصد أو بغير قصد، وقد رأينا أبا حنيفة يشترط في عزل أحد الطرفين علم الطرف الآخر منعًا من الإضرار لجواز أن يكون الوكيل تصرف لصالح الموكل تصرفات فيها تبعات مالية ولجواز أن ن تكون هناك أعمال في تركها تغرير بالموكل وإضرار به.
وبناء على هذا فقواعد مذهبه تقضي ببقاء الوكالة وإلزام الوكيل بإنجاز ما وكل فيه دفعًا للضرر وتأديبه إن فرط، وعلى أن الوكيل بالأجر ليس له أن يعزل نفسه قبل إنهاء ما وكل به[12] عما في السمسار فإنَّه وكيل يعمل بالأجر[13].

2 – حق الخطيب في فسخ الخطبة:
الخطبة وعد بالزواج وإخلاف الوعد بعذر مشروع، وعلى هذا ففسخ الخطبة بسبب جائز؛ كالمرض المعدي أو المانع له من المعاشرة الزوجية، وعجز الزوج عن دفع المهر، والخلاف المستحكم بين الخطيبين أو أسرتيهما، وإن كان الفسخ من غير سبب كان إخلافًا للوعد من غير عذر بل كان إخلافًا ضارًّا؛ لأن الناس عادة يعلمون بالخطبة ويركنون إليها فينصرف عن الخطبة من يفكر في الزواج منها، فإذا فَسَخَ الخطيب من غير سبب فقد فوَّت عليها فُرَصَ الزَّواج التي كانت سانحة، ونشر حولها الشائعات في أسباب الرفض، الأمر الذي تثور له النفوس وترتكب بسببه الجرائم، ولاسيما في هذا الزمن الذي فسدت فيه الأخلاق وكثرت الظنون السيئة فتتعطل بذلك مصلحتها الأساسية التي أعدها الله لها.
وإخلاف الوعد إذا ترتب عليه أمثال هذه المفاسد كان منكرًا يجب تغييره ومعصية يستحق فاعلها التعزير عليها.

تكييف الفسخ بلا سبب:
وعليه فللقاضي أن يعاقب الفاسخ لا على مبدأ تعويض الضرر، بل على مبدأ التعزير على الإتيان بهذا المنكر وهو إخلاف الوعد المستتبع للمفاسد، والتلاعب بمصالح الناس وأعراضهم لأن التعزير ثابت على كل فعل أو قول فيه إيذاء للمسلم بغير حق زجرًا للناس عن ارتكاب المفاسد والمضار واستصلاحًا لهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده))، وهو خطاب لأولياء الأمر، وهذا المبدأ إذا عمل به حمل الذين يريدون الخطبة على الإمعان في التروي قبل الإقدام عليها، وعلى أن يفرقوا بين العدول عن شراء سلعة تم الوعد بشرائها، وفسخ خطبة فتاة كريمة على نفسها وعلى قومها.

3 – حق الطلاق:
الطلاق أبغض الحلال إلى الله، لكنه مشروع عند الحاجة كعدم عفة الزوجة، بل قال بعض الفقهاء بوجوبه حينئذ، خشية أن تفسد فراشه وتدخل عليه من ليس من أولاده، ولئلا يقع تحت طائلة اللعنة الواردة في الديوث الذي لا يغار على حريمه.
ومن واضع الحاجة سوء خلقها في معاملة الزوج أو معاملة الناس، وتضرر الزوج بها في الحياة الزوجية العاطفية لمرض بها أو لعدم انسجام في الطباع، وتفريطها في حقوق الله، وهي لا تطيعه في أدائها حتى لا يعاشر امرأة عاصية، ومن الأسباب عقمها إذا لم يستطع أن يتزوج بأكثر من واحدة.

فإذا وقع الطلاق لغير حاجة كان مبغضًا إلى الله، ولا سيما إذا كانت الزوجة ذات أولاد منه أو كانت فقيرة، وقد رتَّبتْ حياتَها على العيش معه.
وعند هذا لا ننكر أن الزوج قد يسيء استعمال حقه فيه لما يترتب عليه من الإضرار بالزوجة.
هل يجوز المَنْع من إيقاعه إلاَّ بِإذن القاضي؟
وبعض الناس يريد أن يتَّخذ من مبدأ التعسف في استعمال الحق سبيلاً إلى المَنْع من إيقاعه إلا بإذن القاضي.

وعندنا أنَّ هذا خطأ؛ لأنَّ إثبات التَّعسف في الطلاق هو إثبات أنَّ الزوج أوقعه من غير حاجة مشروعة تدعو إلى إيقاعه، والقضاء لا يستطيع إثباته بطُرُقه المعروفة ومعاييره الصَّحيحة؛ لأنَّ الكثير من أسباب الرخصة في الطَّلاق التي شرحنا بعضها: خفي لا يستطيع المسلم ذكره لأنَّ الله تعالى يحب الستْر على عباده، وفتح هذا الباب قد يؤدي إلى المُصارحَة بأشياء هي من السرية والخطورة بحيث يضر الزَّوجة إعلانها؛ بل قد يضطر الزَّوج الذي لا خلاق له إلى انتحال أسباب كاذبة ضارَّة بالمرأة، ولا يستطيع القضاء الوقوف عليها، وماذا يفعل القاضي إذا قال الزوج: إني أكرهها، وإن أمسكتُها أمسكتها على بغض ومضارَّة.

الحقُّ أنَّ عقدة الزَّواج عاطفية بناها الله على المودَّة والألفة فمن الطَّبعي في الغالب ألا يترك الزَّوج زوجته التي أحبها وسكن إليها وأنفق في سبيلها، إلا لداع قد يستتبع المقام معه من المضار ما لا يعلمه إلا الله، ويشعر الزَّوج حأحعندئذٍ أنَّ بيتها جحيم لا يُطاق، والمعروف في الشريعة أن المرأة إذا كرهت زوجها كان لها أن تفتدي منه بمالها ليفارقها؛ كما قالت جميلة امرأة ثابت بن يسار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إني أخاف الكفر في الإسلام لشدة بغضي إياه))، فماذا يكون الحال إذا اشتد بغضه لها، ومنعه القاضي من تطليقها؛ لأنه لم تقم لديه مبررات للطَّلاق؟ ولئن كان البُغض من المبررات عند القاضي فلكل واحد من الأزواج أن يدَّعيه.

وعليه فأقل حالات الطَّلاق عندئذٍ أن يكون ارتكابًا لأخف الضَّررين، والأحوال القليلة التي قد يفسد فيه تقدير الزَّوج، المجتمع مضطر إلى تحملها إذ لا سبيل إلا هذا.
والذي ينبغي لتلافيها هو إصلاح المجتمع، وإشاعة مبادئ الإسلام الصحيحة بين أهله بجميع الطُّرق الممكنة.

4 – حق تعدُّد الزَّوجات:
تعدد الزَّوجات مشروع قطعًا إلاَّ عند خوف الزَّوج أن يظلم من في عصمته، فعندئذ لا يكون حقًّا له، والظلم المانع هو الظلم في الإنفاق، أو في الإقامة عند الزَّوجة، أمَّا المحبة وميل القلوب فأمره إلى الله، وقد بيَّن سبحانه وتعالى أنَّه خارج عن استطاعة البشر، قال تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129]، والدَّليل على أنَّ العدل المشروط في الآية ليس هو المحبَّة التي أخبر الله عنها أنها غير مستطاعة قول النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم إنَّ هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك))، يعني ميل القلب.

والتَّعدد مشروع لحاجات اجتماعيَّة وعاطفيَّة لا يستطيع بنو الإنسان الاستغناء عنها، والذين منعوا التَّعدد بالقانون والقضاء وقعوا فيه من طريق السر والجريمة، وليس هنا بسط أسباب التَّعدد؛ وإنما إجمال ما نريد أن نقوله هنا أن الله العليم بأحوال عباده، وما يصلحهم شرعه لمصالح اجتماعية سامية، وأقلها عند المحافظة على العدل الواجب أنه ارتكاب لأخف الضَّررين، وهو المتعة من طريق حلال.

لهذا لا يمكن أن يثبت من طريق القضاء في حق التَّعدد تعسف في استعماله متى تحقَّق العدل الواجب.
نعم؛ قد يتعدَّى الناس فيفعلون ما ليس مشروعًا، وهو التَّزوج مع العجز عن تحقيق العدل، فإذا شاع ذلك بين الناس، ولم تكن لهم من ضمائرهم رقابة على أنفسهم في تنفيذ أوامر الدين، ساغ للقضاء أن يتدخَّل فيمنع من التَّعدد كل من يثبت بالأدلَّة أن حالته المالية لا يستطيع معها أن يَمون نساءه، أو يعدل بينهن.

التعسف في استعمال الحق

* مضمونه : لايجوز للشخص و هو يستعمل حقه أن يتعسف في استعماله

* أساسه : الفقه الإسلامي يري أن أساس مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق أن الحق في ذاته منحة من الخالق فينبغي ان يقيد بالغاية التي منح من أجلها ، ويكون استعمال الحق غير مشروع كلما وقع خارج حدود هذه الغاية .

أما فقهاء القانون فيرون المبدأ حلقة وصل بين المذهب الفردي ( الذي يوسع من دائرة الحق ) و بين المذهب الاجتماعي ( الذي يضيق من دائرة الحق ) .

* معايير التعسف :

يعتبر صاحب الحق متعسفا في استعمال حقه كلما توافر في حقه معيارا من المعايير التالية :

1 – قصــــــــــــــــــــــد الإضـــــــــــــــــــــــــــرار :

معناه: و بموجب هذا المعيار يعتبر صاحب الحق متعسفا في استعماله كلما اتجهت نيته ( قصده ) إلى إلحاق الضرر بالغير من وراء استعمال الحق و لو كان صاحب الحق يجني مصلحة من وراء هذا الاستعمال .

و لا يشترط وقوع الضرر فعلا للقول بقيام حالة التعسف .

مثال : من يعلو بسور منزله ليس بقصد تحقيق الأمان و لكن لمجرد قصد حجب الهواء و الضوء عن ملك الجار و لو كان هذا الجار غير مقيم فعلا بالمنزل .

إثباته : يستدل علي وجود قصد الإضرار بالقرائن او الظروف التي تصاحب التصرف .

2 – رجـــــــحــــــــــان الـــضـــــــــــــــــــــــرر :

معناه : و بموجب هذا المعيار يعد الشخص متعسفا في استعمال الحق إذا كان يحقق من وراء استعمال الحق ضررا جسيما بالغير في مقابل منفعة تافهة يحققها لنفسه .


مثال : من يعلو بالمبني ليزيد من قيمته في سوق العقارات و لكن ترتب علي هذا حبس الهواء و الضوء عن ملك الجار .

3 – عدم مشروعية المصلحة :

معناه : يعد الشخص متعسفا في استمال حقه لو كان يقصد تحقيق مصلحة غير مشروعة .

مثال : كمن يستأجر شقة بغرض إدارتها للأعمال المنافية للآداب العامة .



* نطاق التعسف :

يشمل مبدأ عدم التعسف جميع أنواع الحقوق ، فهو مبدأ عام يستوجب من كل شخص أن يستعمل حقه استعمالا مشروعا .

* جزاء التعسف :

يلحق التعسف ضررا بالغير ، فيكون الجزاء الضمان ، و يشمل الضمان ما يحكم به القاضي من تعويض نقدي (مقسط أو معجل ) للمضرور أو تعويض عيني لجبر الضرر يتمثل في الأمر بإعادة الحال إلي ما كان عليه ( كهدم السور المرتفع بشكل تعسفي ) أو الأمر بأداء معين متصل بالعمل غير المشروع ( كالأمر بتغيير وضع مدخنة لتوجيه الدخان بعيدا عن الجار ) .
__________________

07 مايو 2011


رســـوم خدمــات نظافة- أحكام إدارية

رســـوم خدمــات نظافة :
المبدأ : شروط وقف تنفيذ القرار الإداري ـ الجدية والاستعجال :
ـ عدم دستورية فرض رسوم خدمات نظافة إضافية على المنازل والأنشطة التجارية والصناعية والطبية والسياحية والخدمية ـ بيان ذلك ـ فرض الرسوم لا يكون إلا بقوانين تجيز للجهة الإدارية فرضها , وأن يكون ذلك فى حدود إجازتها , وإلا كانت هذه القرارات باطلة دستورياً , وفقدت أساس الإلزام بها :

تطبيق : " من حيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن ولاية محاكم مجلس الدولة فى وقف تنفيذ القرارات الإدارية مشتقة من ولايتها فى الإلغاء , وفرع منها , ومردها إلى الرقابة القانونية التى بسطها القضاء الإدارى على القرار , وعلى أساس وزنه بميزان القانون وزنا مناطه مبدأ المشروعية , إذ يتعين على القضاء الإدارى ألا يوقف قراراً إداريا إلا إذا تبين له ـ بحسب الظاهر من الأوراق , ودون مساس بأصل الحق ـ أن طلب وقف التنفيذ قد توافر فيه ركنان : أولهما : ركن الجدية : ويتمثل فى قيام القرار المطعون فيه ـ بحسب الظاهر من الأوراق ـ على أسباب جدية من حيث الواقع والقانون , تحمل على ترجيح الحكم بإلغائه عند نظر الموضوع والثانى : ركن الاستعجال : بأن يكون من شأن استمرار القرار وتنفيذه نتائج يتعذر تداركها فيما لو قضى بإلغائه .

ومن حيث إنه عن ركن الجدية فإن المادة (119) من الدستور تنص على أن : " إنشاء الضرائب العامة وتعديلها أو إلغاءها لا يكون إلا بقانون و لا يعفى أحد من أدائها إلا فى الأحوال المبينة فى القانون .

ولا يجوز تكليف أحــد أداء غير ذلك من الضرائب أو الرســـوم إلا فى حدود القانون " .

ومن حيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن الدستور مايز ـ بنص المادة (119) منه ـ بين الضريبة العامة وغيرها من الفرائض المالية , سواء من حيث أداة إنشاء كل منها أو من حيث مناطها : فالضريبة العامة فريضة مالية , تقتضيها الدولة جبراً من المكلفين بأدائها , إسهاماً من جهتهم فى الأعباء المالية , دون أن يقابلها نفع خاص يعود عليهم من وراء التحمل بها , فى حين أن مناط استحقاق الرسم قانونا أن يكون مقابل خدمة محددة بذلها الشخص العام لمن طلبها , كمقابل لتكلفتها , وإن لم يكن بمقدارها .

ومن حيث إنه بالبناء على ما تقدم , فإنه لما كان من المقرر أن الدستور لم يستلزم , لفرض الرسم , صدور قانون بتقريره , بل اكتفى بأن يكون فرض الرسم بناء على قانون , ومن ثم , فإنه يتعين أن تستند القرارات الإدارية بفرض الرسوم , إلى قوانين تجيز لها هذا الفرض , وأن يكون ذلك فى حدود إجازاتها , وإلا كانت هذه القرارات باطلة دستوريا , وفقدت أساس الإلزام بها .

ومن حيث إن المادة (12) من قانون الإدارة المحلية الصادر بالقانون رقم 43 لسنة 1979م ، المعدل بالقانون رقم 50 لسنة 1981م تنص على أن : " يتولى المجلس الشعبي للمحافظة في حدود السياسة العامة للدولة الرقابة على مختلف المرافق والأعمال التي تدخل في اختصاص المحافظة وفقاً للمادة (2) من هذا القانون … ويختص في إطار الخطة العامة والموازنة المعتمدة ، وبمراعاة القوانين واللوائح بما يأتي :

(1) ……………………. (2) …………………… (7) فرض الرسوم ذات الطابع المحلي ـ وفقاً لأحكام هذا القانون ـ أو تعديلها أو تقصير أجل سريانها أو الإعفاء منها أو إلغاؤها بعد موافقة مجلس الوزراء .

( ………………………………………….. ……………….. إلخ " .

ومن حيث إن مفاد النص المتقدم أن المشرع في قانون الإدارة المحلية ، المشار إليه ، ناط بالمجلس الشعبي للمحافظة سلطة الرقابة على المرافق و الأعمال المختلفة التي تدخل في اختصاص المحافظة , على أن يكون ذلك في إطار السياسة العامة للدولة ، واختص المشرع في القانون ذاته المجلس المذكور بجملة اختصاصات ، قيده في ممارستها بقيدين , الأول : أن تكون في إطار الخطة العامة والموازنة المعتمدة ، والثاني : أن يراعى في هذه الممارسة القوانين و اللوائح القائمة ، ومن بين هذه الاختصاصات التي ناطها به المشرع الحق في فرض رسوم ذات طابع محلي ، أو تعديلها ، أو تقصير أجل سريانها ، أو الإعفاء منها ، أو إلغائها ، شريطة موافقة مجلس الوزراء على ذلك .

ومن حيث إن الرسم موضوع التداعي يتعلق بالنظافة الشاملة للمحافظة .

ومن حيث إن النظافة العامة انتظمها قانون صدر باسمها في مصر هو القانون رقم 38 لسنة 1967م الذي نص في المادة ( ) منه على " يجوز للمجالس المحلية فرض رسم إجباري يؤديه شاغلو العقارات المبنية بما لا يجاوز 2% من القيمة الإيجارية ، وتخصص حصيلة هذا الرسم لشئون النظافة العامة . وينشأ في كل مجلس محلي يفرض فيه هذا الرسم صندوق للنظافة تودع فيه حصيلة هذا الرسم وحصيلة التصالح المنصوص عليه في الفقرة الثالثة من المادة التاسعة , وكذلك الاعتمادات التي تدرج في ميزانية المجلس للصرف منها على أعمال النظافة " ومن ثم ، فقد كان متعيناً على المجلس الشعبي المحلي في الطعن الماثل وهو بصدد دراسة فرض رسم محلي على النظافة الالتزام بما قيده به قانون الإدارة المحلية المشار إليه من قيود , أبرزها وأخصها مراعاة القوانين واللوائح القائمة ، بحيث يستند القرار الصادر بفرض الرسم إلى قانون يجيزه ، وأن يكون ذلك في حدود إجازته .

ولما كان قانون النظافة ، المشار إليه ، أجاز للمجالس المحلية فرض رسم إجباري يؤديه شاغلو العقارات المبنية ، بما لا يجاوز 2% من القيمة الإيجارية تخصص حصيلته لأغراض النظافة ، فما كان يتعين على المجلس المذكور بالمحافظة وقد استنفد سلطته المخولة بالنص المتقدم إعادة فرض رسم آخر لذات الغرض ، بل حتى فرض رسم إضافي يتجاوز به الحدود التي عينها القانون ، ومن ثم يغدو قرار المحافظة بفرض الرسم موضوع التداعي مخالفاً للقانون لافتقاره أساس الإلزام بفرض هذا الرسم من ناحية ولانطوائه من ناحية ثانية على ازدواج الرسم عن الوعاء الواحد ولو كان تحصيله يتم على أساس مغاير وهو شرائح الاستهلاك الكهربائي وهو أمر يأباه الدستور والقانون.

ومن حيث إنه لا يغير من ذلك القول بأن القرار الطعين كان يستهدف تحسين خدمة النظافة وزيادة الموارد اللازمة لأن ذلك لا يكون إلا عن طريق تدخل المشرع سواء بتعديل نسبة الرسم أو وعاء تحصيله احتراماً لمبدأ الفصل بين السلطات أو بزيادة الموارد اللازمة لتحسين مرفق النظافة .
ومن حيث إنه وقد توافر ركن الجدية على النحو المتقدم ، فقد توافر أيضاً ركن الاستعجال لما يترتب على تنفيذ القرار المطعون عليه من نتائج يتعذر تداركها تتمثل في الاعتداء على حقوق الأفراد وأموالهم بفرض رسم دون سند من القانون ، فضلاً عن تعرضهم لقطع التيار الكهربائي عن منازلهم ومنشآتهم بمعرفة شركات الكهرباء دون مقتض لمجرد امتناعهم عن سداد رسوم النظافة .

ومن حيث إن الحكم المطعون فيه إذ خالف هذه الوجهة من النظر فإنه يكون قد جانبه الصواب ، متعين الإلغاء ، وهو ما تقضي به هذه المحكمة ، وبوقف تنفيذ القرار المطعون فيه ."

( الطعنين رقمى 13860 &14439 لسنة 49 ق0 عليا ـ جلسة 11/12/2004

الحكم الخاص برسم النظافة الوارد على فواتير الكهرباء

الحكم الخاص برسم النظافة الوارد على فواتير الكهرباء


أصدرت محكمة القضاء الإداري ( الدائرة الأولى ) بجلستها المنعقدة علناً يوم الثلاثاء الموافق 9 / 12 / 2003
برئاسة السيد الأستاذ المستشار / فاروق على عبد القادر رئيس محكمة القضاء الإداري
وعضو الأستاذين المستشارين / احمد محمد الشاذلي / عبد السلام عبد المجيد النجار نائب رئيس مجلس الدولة
وحضور السيد الأستاذ المستشار / عماد محمد عبد الرحيم مفوض الدولة
وسكرتارية السيد / سامي عبد الله أمين السر
الحكم الأتي في الدعوى رقم 1980 لسنة 57 ق
المقامة ضد :
1 - وزير الكهرباء .
2 - محافظ الجيزة .
3 - رئيس الشركة القابضة لهيئة الكهرباء .
4 - رئيس الهيئة العامة للنظافة بالجيزة .

المقامة ضد :
1 - وزير الكهرباء والطاقة .
2 - الممثل القانوني لشركة القاهرة لتوزيع الكهرباء بالدقي .
3 - الممثل القانوني للشركة القابضة للكهرباء .
4 - محافظ الجيزة .
5 - رئيس حي جنوب الجيزة .
6 - رئيس الهيئة العامة للنظافة والتجميل بالجيزة .
7 - وزير الدولة للإدارة المحلية .
8 - رئيس مجلس الشعب .
9 - زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية

الوقائع :

فوجئ سكان الجيزة بفواتير تحصيل الكهرباء مضافاً إليها بند ( جمع المخلفات ) دون سابق إنذار أو توجيه أو الإعلان عن ذلك وقد بدأ التحصيل من أول شهر مايو لعام 2003 وبالاستفسار عن ذلك تم بيان بأن ذلك قد تم بناء على قرارات صادرة من المدعي عليهم .........
و أضاف المدعي شرحاً للدعوى أن نظام التحصيل المعمول به ( المطعون عليه ) و الذي ربط تحصيل قيمة جمع القمامة باستهلاك الكهرباء أدى إلى زيادة هذه القيمة مع زيادة إستهلاك الكهرباء والذي أدى بدورة إلى ارتباك بين المواطنين لإختلاف أوضاع الدفع وهذه الإجراءات قد جاءت بالمخالفة للقانون وحقوق المواطنين التي كفلها الدستور والتي تحميهم من أي قرارات مجحفة تؤدى إلي الأضرار المادي والمعنوي في ظل الظروف الاقتصادية التي يعاني منها الجميع وبصفة خاصة محدودي الدخل ................
وكل ذلك يمثل مخالفة لحكم المادة ( 119 ) من الدستور وقد طلب المدعون الحكم بقبول الدعوى شكلاً وبصفه مستعجلة بوقف تنفيذ تحصيل جمع المبالغ المالية المطالب بها لجمع المخلفات على فاتورة الكهرباء وفي الموضوع بإلغاء القرار والزام المدعي عليهم بالمصروفات .


وقد حددت المحكمة جلسة 17 / 6 / 2003 لنظر الشق العاجل في الدعوى وبهذه الجلسة قدم الحاضر عن الهيئة العامة للنظافة والتجميل مذكرة بدفاع طلب في ختامها الحكم برفض الدعوى بشقيها مع إلزام رافعها بالمصروفات استناداً إلي أن القرارات الصادرة بشان موضوع الدعوى هي قرارات اللجنة الوزارية برئاسة رئيس مجلس الوزراء في 1 / 4 / 2000 وبهذه الجلسة طلب الحاضر عن المدعين ترك الخصومة بالنسبة للمدعي عليه التاسع . وقد قررت المحكمة ضم الدعويين معاً وتداولت الجلسات بالمحكمة وبجلسة 18 / 11 / 2003 قررت المحكمة حجز الدعوى للحكم بجلسة 9 / 12 / 2003 .


المحكمة


بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد إتمام المداولة قانوناً :
حكمت المحكمة



أولا : بإثبات ترك الخصومة بالنسبة للمدعي عليه التاسع و ألزمت المدعين بالمصروفات إعمالا لحكم المادة ( 184 ) مرافعات .

ثانيا: بقبول طلب تدخل الخصوم المنضمين إلى المدعين وبعدم قبول الدعوى لرفعها علي غير ذي صفة بالنسبة للمدعى عليه الثامن0 وبرفض الدفع المبدئي من المدعى عليهم بعدم قبول الدعويين لرفعها على غير ذي صفة و بقبولهما شكلا وبوقف تنفيذ القرار المطعون فيه ( قرار محافظ الجيزة رقم 7351 لسنة 2003 ) مع ما يترتب على ذلك من أثار أخصها عدم تحصيل قيمة رسوم النظافة المحملة على فواتير الكهرباء وألزمت المدعى عليهم بمصروفات الطلب العاجل وأمرت بإحالة الدعوى إلي هيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير بالرأي القانوني في طلب الإلغاء.