مزايا المحامي [(1)]
كفى المحامي شرفًا تعريفه بأنه الكفيل بالدفاع لأبناء وطنه عن الشرف والنفس والحرية أو المال، ويقينًا أن مهنته تجعله أمام مواطنيه من أكبر رجال الشرف وأكثرهم حرية وهي لذاتها معدودة من أهم الطبقات الضرورية في الهيئة الاجتماعية ذات النظامات القويمة الدستورية.
مما يؤثر عن العلامة ماريون دي بانسيه من طيب القول فيما دونه عن المحامي كلمات هن أم الكتاب فقد نعته بأنه (حر من القيود التي تأسر غيره من الناس، فخور بأنه يكتنف من يحميهم، وأنه لا سيد ولا مسود، وهو الإنسان بكرامته الأصلية إذا كان في الوجود بين الناس من يمثل معنى الإنسان) وإليكم نص كلماته.
L’ illustre président Henrion de Pensey a racé de l’avoct dans ces magnifiques paroles: Libre des entraves qui captivent les autres hommes, trop fier pour avoir des protégés, sans esclave et sans maitre, ce serait l’homme dans sa dignité originelle, si un tel homme pouvait encore exister sur la terre.
شرف يتعالى مع عزة النفس ويترفع عن الألقاب فأنعم به من امتياز وسمو مقام بلا مظاهر خارجية فالمعنى أرقى والمراتب أسمى (وأني لتعروني هزة عند هذا المقال ولا يتاح لي خلع تلك النعال - (الحكومية)).
ولهذه الصناعة تاريخ مجيد في كل الأزمان قد يضيق المقام عن سرد ماضيها ففي حاضرها ما يغني عن غابرها فحيثما كان القضاء كانت المحاماة وإني وجدت العدالة وجد المحامي وليس ذلك بغريب على من كان شعاره الأدب وحليته العلم وقد تسمو به مداركه لقصر جهاده على تنقيح العلوم كما وصل إليه أبناء هذه المهنة في تخصيص أنفسهم لخدمة العلم بسلامة الذوق ومتانة الرأي (Avocat consultant) مما قد يقضي به تقدم السن وكثرة التجارب وقد ينتهي بهم حب العلم والعمل به إلى التدريس فقط.
ولما كان موضوع محاضرتي في بيان مزايا المحامي فقصر القول على ما ينبغي لصناعة المرافعة من المعدات لمن تيسرت له أسبابها وكملت فيه صفاتها كافٍ حتى تكون أعماله جارية على النهج المطلوب وافية بالغرض المقصود.
وهذه المعدات وتلك الأسباب منها ما يكون فطريًا في بعض الناس يمنحه الله له بلا معاناة اكتساب ولا تجشم استعداد، ومنها ما يكون كسبيًا لا يحصل عليه الإنسان إلا بواسطة الاكتساب والأخذ في الأسباب.
في المعدات الفطرية
ينبغي لطالب هذا الفن كي ما يقدم عليه أن تكون المعدات المهيئة له حاضرة لديه وهي أمور ثلاثة:
الأمر الأول: في القوى الجسدية.
الأمر الثاني: في القوى العقلية.
الأمر الثالث: القوى الخلقية.
1 - في القوى الجسدية:
إذا لم يكن الإنسان جيد الصحة سليم البنية خليًا من الأمراض المؤلمة فلا تبلغ قوة الفكر حد كمالها ولا يكون لأعماله نظام مضبوط ولا تأثير حسن لأن قوة الجسد أساس كل القوى وقلما ينفع البناء إذا لم يقوِ الأساس فلا بد للمشتغل بصناعة المرافعة أن تكون أطرافه سليمة وأعضاؤه نشيطة حتى يسهل عليه التردد على دوائر القضاء المختلفة والانتقال إلى مراكزه المتعددة ويؤدي أعماله بسرعة وخفة حركة ولطف إشارة وأن يكون بصره قويًا (إلا من وهب الله الفطنة وحدة الذهن في المدركة….) لأنه لا يستغني عن مراجعة كتب الشرائع ونصوص القوانين ومؤلفات الشراح وقراءة أوراق القضايا - (دوسيهات الجنايات من قلم النسخ) والسهر في تجهيز المدافعة فيها وتحضير مذكراتها وتحرير ما لا بد من كتابته، وأن تكون أدوات نطقه كالحنجرة واللسان والأسنان والشفتين صحيحة وصوته معتدلاً حتى تخرج الحروف من مخارجها ويميز الكلمات بعضها من بعض ويؤدي العبارات صريحة بإلقاء محسن مؤثر في نفوس السامعين لأن المدار في المحاكم على الخطابة وحسن الإلقاء.
وربما يدرك المرافع بعذوبة خطابته وجودة تأديته ما لا يدركه غيره بكثرة البراهين وسرد القوانين إذا كان في حروفه اختلال وفي صوته بشاعة، وأن يكون صدوره ورئتاه في سلامة من العلل حتى لا يحول ضيق نفسه عن استرساله في الكلام ولا تعوقه العلل عن إظهار صوته بكيفيات مختلفة من جهر وتخافت وشدة ولين وتوسط حسبما تقتضيه المقامات وما لم يكن الصدر سليمًا فلا سبيل إلى حسن الإلقاء، وبالجملة متى كان الإنسان متمتعًا بقوة جسده لم يكن له اهتمام إلا فيما هو بصدده من إحكام العمل وضبطه بخلاف ما إذا كان متألمًا بالأمراض فإنه يكون دائمًا مفكرًا في نفسه مشغولاً بأمره وهيهات أن يحسن ما يعهد إليه من أعمال هذه الصناعة، والخلاصة أن العقل السليم في الجسم السليم وواجب الرياضة البدنية وتنظيم أوقات الأعمال العقلية موجب للرياضة النفسية.
2 - في القوى العقلية:
القوى العقلية هي التي يترتب عليها نجاح المرافعة الشفهية مباشرةً وإصابة الغرض إصالة وإنما القوى الجسدية مهاد لها ومتكأ تتكئ عليه كالجسم تقوم به الروح المدبرة لشؤون الحياة وهو بدونها لا يقصد، وأنواع القوى العقلية عديدة والمهم منها في هذا المقام ثلاث:
القوى الحافظة:
حاجة المرافع إلى القوة الحافظة شديدة إذ كثير ما يطلب منه سرد نصوص القوانين والأحكام الشرعية وقد يرجع أحيانًا إلى الأوامر العالية واللوائح والقرارات استشهادًا على مدعاه وتأييدًا لما يراه فيلزمه أن يكون حافظًا لتلك النصوص وتواريخ صدورها ليعلم الناسخ منها والمنسوخ لأن القول قد يجر بعضه بعضًا فربما انتقل الكلام إلى ما يحتاج بعض الأمر إلى الاستشهاد بنص لائحة مثلاً.
فإن لم يكن لديه من قوة الحافظة ما يجعل ذهنه حاضرًا وقع في الارتباك، لا سيما وعلمكم بمواعيد قانون المرافعات مما لا يخلو الحال من حفظه (صم) ويحتاج أيضًا أن يذكر أمام المحكمة على التعاقب مجمل ما في أوراق القضايا التي استعد للمرافعة فيها، فإذا لم يكن حفظه جيدًا وقع لا محالة في المكاره:
أولاً: أن يضطر في كل قضية إلى التقلب والنظر في مفردات الأوراق مرة أو مرارًا والبحث عما يحتاج إليه منها ليتلوه بحروفه على القضاء، ولا يخفى ما يستوجبه هذا الصنع من إضاعة الزمن وإيقاع السامعين في الملل.
ثانيًا: أنه يقع في الاضطراب إذا كانت هذه القضايا متشابهة وينقل نظره من قضية لأخرى فيختلط عليه الأمر لا سيما في قضايا الحساب.
ثالثًا: أنه يضطر إلى استعداد جديد كلما أخرت هذه القضايا لنسيانه مدة ما بين الأجلين ما كان أعده أولاً وكذلك يحتاج لأن يحفظ إثبات الخصم أو أوجه دفعه وجهًا فوجهًا فيمكنه بعد انتهاء كلامه أن يرد عليها على الترتيب ولو علق عليها بمذكرة يدون فيها الدفوع، وربما يلزم الرد على عدة خصوم كل منهم يأتي بجملة أو وجه فإذا لم يكن واعيًا كل ما أتوا به من الدلائل كانت مرافعته ناقصة وحجته ضعيفة ولا يكفي أن يأتي على وجه أو وجهين ويقول ليس في باقي الكلام ما يوجب الرد كما يقع من كثير لأن هذا يدل على ضيق الفطن ومثله لا يعد حجة عند العقلاء بل لا بد من التعرض إجمالاً أو تفصيلاً لكل وجه بالإفساد إن كان قابلاً وإلا فالسكوت يعد تسليمًا.
وعلى المرافع إذا آنس من نفسه النسيان أن يكتب أثناء مرافعة الخصم رؤوس المسائل وإشارات الدلائل ليتذكر منها باقيها فلا تغرب عنه إذا أراد المناقشة فيها.
القوة المذكرة:
أقوى سلاح يتقي به الإنسان عاديات المرافعة الفجائية هو القوة المفكرة لأن ما يرتبه بقوة فكره ويقيده بقوة حفظه إنما يظهر أثره إذا كانت المرافعة في موضوع الدعوى ومن الدور الأول منها.
أما إذا كانت دفوع فرعية خارجة عن الموضوع أو في الموضوع وبعد انتهاء الدور الأول من الكلام فلا يجديه ذلك الاستعداد نفعًا، والمدار إذا ذاك على ما يتذكره المرافع من حوادث وإجراءات ربما بعد العهد بها ومن دلائل نقلية أو عقلية ربما لم يكن في حسبانه الاستناد عليها في ذلك الوقت.
فإذا كان ضعيف الذاكرة عجز عن تسديد الدليل ولزمته الحجة وقد قيل ليس الخطيب بأول كلام يلقيه بل بما يليه.
القوة المفكرة:
إذا اتسع فكر المرافع وانفسح مجال تصرفه في المعقولات برع في الجدال وترتيب الأقوال ومهر في تنسيق الأدلة وانتزاعها من أقوال الخصوم وأوراق القضايا وعبارات القوانين.
وتفاضل أرباب هذه الصناعة ذاتيًا إنما هو بالقوى المفكرة، إذ بها يكون تطبيق الحوادث على النصوص القانونية، وليس كل من حفظ القانون أو فهمه يجيد ذلك ولنا في القضايا التي ترفع إلى محكمة الاستئناف أو إلى النقض والإبرام شواهد عديدة على خطأ التطبيق الأول أو نقص الإجراءات ومخالفة روح القانون وإهمال بعض الطلبات في قضايا الالتماس ما يدل على الخطأ الواقع من القضاة أو المرافعين (من أعضاء النيابة أو منا نحن المحامين) وبها يهتدي إلى طريق العدل والاتصاف إذا كان الحكم المطلوب ليس له نص في القانون كما يكثر ذلك في الدعاوى المدنية المحتاجة للصرف وبها يختار الأصلح والأوفق إذا أمكن سلوك طريقين أو طرق نتائجها متفاوتة كما إذا صلحت الحادثة للانطباق على مادتين مؤداهما مختلف فترويج إيقاع الحكم على مقتضى إحداهما يحتاج إلى استعمال قوة الفكر، وكما إذا أمكن أن تؤول المادة الواحدة تأويلين متغايرين فترجيح أحدهما على الآخر لا يكون إلا لمرجحات ينتزعها الفكر الصائب وبها يمكن التوفيق بين النصوص المتضاربة والمواد المتناقضة وحملها على ما يوافق المصلحة وبها ننتزع الحجج الإلزامية والإقناعات الجدلية من أقوال الخصوم توصلاً إلى إفحامهم ونقض كلامهم وأكثر ما تمس الحاجة إلى ذلك إذا ألجأ الإنسان للمرافعة قبل أن يستعد لها أو بوغت في أثناء المرافعة بما لم يحط به خبرًا أو إذا لم يكن له في الواقع برهان حقيقي لينتج مطلوبه، والمرافع النبيه لا يعدم طريقة للمناقشة في أدلة الأخصام وإلزامهم من كلامهم ولو بعض الإلزام.
الأمر الثالث: القوى الخلقية:
الخُلق ملكة في الإنسان تصدر عنها الأفعال بلا تكلف وبدون تصنع وهو بحسب هذه الأفعال يكون حسنًا وسيئًا، ولا ريب أن التعويد التدريجي على عادات مخصوصة والتربية على صفات معينة وملاحظتها من عهد الصغر مما يجعل هذه الصفات خُلقًا في الإنسان وقد قيل الإنسان ابن عوائده لا ابن طبيعته إلا أنه لا ينكر أن الناس يتفاوتون في قبول التربية والتخلق فمنهم سريع التأثر ومنهم بطيئه ومتوسطه كما يدل عليه اتفاق أشخاص في درجة التربية واختلافهم في الأخلاق فلا بد أن يكون في الطباع أصول جبلية الأخلاق عنها ينشأ الاختلاف في قبول التربية بالسرعة والبطء والذي يريد أن ينتظم في سلك المرافعة ينبغي أن يكون متخلقًا بالأخلاق الحسنة عمومًا وبأربعة منها خصوصًا وهي:
الإنصاف، والجرأة، والأدب، والثبات.
بأن يكون في طبعه أصول لها في تربية تعود عليها.
الإنصاف
الإنصاف هو التمسك بالعدل والميل مع الحق فإذا اتخذه المرافع شعارًا وجعله له ديدنًا في مرافعاته اطمأن لكلامه السامعون وارتاح لبيانه الحاضرون وإذا كان للإنسان مذهب معروف ومشرب معلوم آلت إليه جميع أحواله وأبت الشكوك أن تتطرق إلى شيء من أقواله وأفعاله لأن مقاصده تقررت في الأذهان وعرف بها بين العموم فإذا صدر منه ما يحتمل لذاته مخالفة ذلك المذهب حمل على المحمل الحسن وزال الإبهام وكفى صاحبه مؤونة التأويل واستراح من زعم إساءة الظنون به وتضارب الأوهام في أمره بخلاف ما إذا كان مجهول المذهب فإن كل ما يصدر عنه تعرف له التهم ويذهب الناس فيه مذاهب شتى بعدم اطمئنان النفوس إليه وثقتها بأمره.
وأليق مذهب تدور عليه أعمال المرافع هو الإنصاف ولذا نجد لأقل أقواله تأثير في القلوب فلم يحتج في تصديق الناس له إلى طويل معاناة، وإنصافه يكون بإذعانه للحق وتركه التشبث بالمحاولات إذا ظهر بالأدلة القاطعة أن الحق ما رآه الخصم ولا يعز عليه بعد طول الجدال أن يتنازل عن طلباته والتسليم لمناظره بحجته فإنه في الحقيقة لم يسلم إلا للحق - لا للخصم ولم يرجع إلا إلى العدل، والحق لم يكن خاصًا به حتى يحجر على الأذهان اعتقاده لغيره فهو أحق بالاتباع حيثما وجد وعلى أي لسان ظهر، وليعلم أن الإنسان عرضة للخطأ ومرمى للغلط ففخره إنما يكون بقلة الأغلاط لا بالعصمة منها ومن يحاول غير ذلك فهو يحاول أن لا يكون إنسانًا ولم تزل فحول العلماء قديمًا وحديثًا يقرون بالخطأ ويعترفون بالزلل ويرجعون بأنفسهم عن كثير من آرائهم معتذرين بأن العاقل عليه أن يتحرى الصواب لا أن يصيب بالفعل، وليحذر المرافع إذا انصاع إلى الحق واعترف بقوة دليل الخصم أن يتعدى إلى الاعتراف بحقيقة ما أودع لديه من المعلومات ويتطرف بإفشاء ما أؤتمن عليه من الأسرار، ولهذه الصناعة من الدقة في هذه النقطة ما هو معلوم لديكم من سر الصناعة والحرص على الأمانة (Secret professionel) فإن ذلك ذنب لا يغتفر وسيئة لا تمحى قد يلومونا على عدم الإنصاف بين ذوي القربى ومن تجمعهم أواصر الصلة في إصلاح شقاق الأهل ولو كان منا المنصف الذي يرفض قضية الولد ضد أبيه كي لا يكون لسان العقوق في مجلس القضاء وهدم قواعد البر بالوالدين أو قد يستعصي على المحامي منع شقاق الأخوين ولا يدري اللائمون أنهم في ذلك مغالون غير عالمين بحقيقة النفوس البشرية فقد يتطاير شرر الشر بين الأقربين بما لا يتفق في خصومة بين من لا تجمعهم أدنى صلة ولعله على قدر الوفاق يكون الشقاق وبنسبة العشم يكون الألم، اللهم إلا أن يكون بعرض الصلح أو التحكيم للتوصل لفض الخلاف وحسم النزاع بالحسنى.
من الإنصاف أن يكون المرافع معتدلاً في طلبه مراعيًا المقام فلا ينبغي له أن يحتد في شرح وقائع المخالفات وصغائر الجنح ويشتد في الطلب كما لو كان في كبائر الجنايات، والمثل الظاهر في هذا المعنى موظف النيابة الذي يظن أن واجباته منحصرة في طلب العقاب لكل متهم وإن كان بريئًا وأنه إن لم يفعل ذلك يكون مقصرًا في أداء واجباته متراخيًا عن القيام بها والعبرة بصون اللسان بحسن البيان عن الابتذال.
كما لا ينبغي للمحامي أن يشط عن مواقع الحقائق ويتغالى في مطالبه ويتبسط في مسالكه بمحاولة ما لا يمكنه من الظاهر كأن يعمد إلى من عظم اجتراؤه وفحشت جريمته وعاين الشهود العدول فعله وأقر بذنبه أو كاد يقر به وقامت الأدلة الظاهرة على ارتكابه للجناية فيجحد كل ما اُتهم به، ويطلب براءته فيضيع الزمن عبثًا بل خير له لو نازع في ثبوت ركن من أركان الجناية قانونًا وأولى له ثم أولى أن بحث توفر شرط من شرائطها ليمكن تخفيف العقوبة والمعاملة بالرأفة أو كأن يطلب في تعويض شيء حقير مما يقع التسامح في مثله عادةً أموالاً غزيرة ويقدر في التضمينات مبالغ باهظة بينها وبين القيمة الحقيقية مراحل زاعمًا أنه إن لم يسلم في الكل لسلم له فيما دونه مما يقرب منه وبذلك يكون قد حصل على قيمة ما هو مطلوب له في الواقع أو بالأقل على قيمة تامة، متمسكًا بما اشتهر على بعض الألسنة (ادعى الباطل حتى يسلم لك الحق)، ولكن تلك خدعة ومن طلب أخذ الحق زائدًا أعوزه نيله ناقصًا وما أقدر من قدر الأشياء قدرها ووقف عند حدها أن يذعن لقوله ويصدق في خبره ويقنع بإشارته فضلاً على صريح عبارته وما أحق من تجاوز الحدود أن يُساء به الظن ويرمي بالتلبيس والتغرير ويكذب حتى في الصدق ويخطئ في الصواب ألا ترى كيف تجد في نفسك ارتياحًا إذا اشتريت شيئًا ممن عرف أن يبيع سلعه بقيم محدودة ولا تجد ذلك الارتياح إذا اشتريته ممن اعتاد المساومة ولو كنت في الحالة الأولى مغبونًا وفي الثانية رابحًا وما ذلك إلا لاطمئنان النفس إلى من اعتاد الحق وعدم اطمئنانها إلى من لم يعتده، ويكون الإنصاف بتخير القضايا الحقة التي لا تمس المرافعة فيها بجانب الذمة ولا بجانب الفضيلة فإن الإشارة إلى درجة المحامي في طبقات الهيئة الاجتماعية أدعى إلى سلوك هذا السبيل من الإنصاف قيامًا بالخدمة العامة المفروضة على كل فرد في مهنته للجماعة وتطالب بها الأمة كل طائفة في أداء الحقوق المقدسة للوطن، فلا يذهب بالمحامي حب الربح وطلب الكسب إلى أن يقبل كل ما يعرض عليه من القضايا أيًا كانت بل عليه أن ينتقي منها ما لا تؤدي المحاماة فيه إلى اهتضام حق أو استلاب مال ولا يقضي الاهتمام به إلى خذل فضيلة أو نصر رذيلة حتى لا يجلب بالسعي في مصلحة شخصه ضررًا على الهيئة الاجتماعية عملاً بحديث (حب لأخيك ما تحب لنفسك)، فليس له أن يدخل في الخصومة إذا علم أن موكله يريد أخذ ما ليس له أو يلتهم حقًا للغير قبله وهو بعد معرفة ذلك منه إذا سهل له بلوغ مأربه واحتال لدرك أمنيته يكون قد رضي بمشاركته في الخيانة ولا فرق حينئذٍ بينه وبين من يشترك في جريمة، ولا إذا علم ممن انتدبه للدفاع عنه أنه ممن يعيثون في الأرض فسادًا ويكدرون صفو النظام الإنساني لأن تعضيد مثل هؤلاء للسعي في تخليصهم من العقاب موجب لتماديهم في الإضرار بالناس وحسبك بذلك خلة في خلائق المحامي لا تعد من مزاياه ونحن في مقام بيانها للدلالة بالاقتضاء على تجنب ضدها من المساوئ وما دمنا في ذكر المحاسن أطلقنا العنان لحسن البيان.
الجرأة
المراد بالجرأة هنا قوة القلب وثبات الجأش في المواقف الخطيرة وقد برهنت المشاهدات على أن كل عمل عظم شأنه في العالم وسار ذكره بين الناس أساسه قوة القلب ولولا ثبات الجأش لما انتقل من حيز الفكر إلى الخارج ولما أمكن بقاؤه في الوجود مرعى النظام محمود الأثر.
وإنما كانت الجرأة من الصفات الضرورية التحقيق في المرافع لأنه حين يقوم في مجلس القضاء وبالخطابة القانونية يكون قد أخذ على نفسه عهدة أمر خطير وقبل تحمل عبء عظيم تنتظر الناس نتيجته وتتشوف لعاقبته إذ وراء خطابته هذه حكم قاطع وقضاء محتوم بعده مستقبل سعيد أو شقي، ومن المتعين أن تنجلي هذه الخطابة إما عن دم بريء بحقن ونفس زكية تسلم وحق ضائع يثبت وضرر واقع يزال فتكون النتيجة خيرًا حصل بالأمة وإما أن تنجلى عن دم بطل يهرق ونفس طاهرة تعذب وحق مقرر يضيع وضرر مريع يبقى فتكون العاقبة شرًا حل بالأمة فيلزمه لأجل أن يظفر بالنتيجة الحسنة وينجو من العاقبة السيئة ويؤدي ما عهد إليه وافيًا أن يثبت في هذا الموقف العظيم مدافعًا بسلاح القانون معتصمًا بحصن الحكمة مبرزًا من الإقدام والجرأة ما تستدعيه الحال، وأما إذا طاش لبه من الهول ومنعه الخجل أو الوجل عن إجادة القول فإن عبارته تقصر عن الوفاء بالغرض ولا تقوم بإبراز ما في النفس من المعاني ويلحق كلامه العي واختلال الإلقاء وينبني على ذلك عجزه عن العبء الذي أقدم على حمله وذهاب الثقة به ورجوعه بالخيبة والخسران فالهيبة كما قيل خيبة نعوذ بالله منها.
وعروض الهيبة لطالب الخطابة إما أن يكون منشؤه خور طبع وضعف قلب كما يحصل لكثير يحاولون القيام في مواقف الخطابة فتأبى عليهم طباعهم ويدركهم من الخوف ما ترتجف منه القلوب وتسارع له الأنفاس وتتقطع عنده الأصوات فلا تسمع ما يعقل ولا تعقل ما يسمع وهذا لا علاج له والأجدر بصاحبه أن يطلب له عملاً غير الخطابة، وإما أن يكون منشؤه وساوس تعرض له وقت ما يهم بالكلام ملاحظتها تمنع الفكر واللسان عن سرعة الحركة ولكن طروؤها غير متأصل وملاحظتها غير لازمة فهذا يمكن علاجه بقلع تلك الوساوس وإزالة تلك الأوهام، والممارسة وطول الزمن أكبر معين على محوها، ومحوها يكون بتنبيه الفكر إلى أنها في غير محلها وتدبر أنها لا وجه لها، لأنها إن كانت ناشئة عن التفكر فيما يبديه من الأقوال ومخافة أن لا يسعفه منطقه بالبيان فيرتج عليه في الخطابة وينفذ القول والناس ينتظرون فلا يجدون ويستمعون فلا يسمعون وهنالك الخجل الفاضح والخزي الواضح فالأمر هين ولا وجه للمخافة لأن حصول ذلك في الغالب يكون لأحد اثنين رجل دعي بغتة للكلام فيما لم يكن أعلم بحقيقته من قبل فيبتدئ التكلم قبل استحضار أجزاء الموضوع إجمالاً فترتيب المبادئ والخواتيم ومواضع انتقالات المعاني فينفذ منه الكلام ويقف دون الإتمام، ورجل قيد فكره بحفظ عبارة معينة يتلوها وقت الحاجة بحروفها وحظر على نفسه التصرف فيها فإذا شذت منه كلمة واحدة انسد عليه سبيل الكلام ووقع في الخطر.
والمرافع ليس واحدًا منهما لأنه لا يحضر لمجلس القضاء إلا بعد أن يطلع على أوراق القضية التي أخذ على عهدته المرافعة فيها ويبحث عما يمكن أن يكون حجة له فيها يستند به وما يمكن أن يكون حجة عليه ليتبصر في دفعه عند الضرورة فهو لا يقوم بالكلام إلا وعنده فكر ومعانٍ قائمة غاية الأمر أنه يريد أن يعبر عنها وليس في ذلك شيء من الصعوبة لأن كل ناطق يمكنه أن يقول ما شاء من العبارات ما دام عنده فكر يريد أن يبرزه إلى غيره، كل إنسان يعرف عن نفسه أنه يتكلم مع من يدعو الأمر إلى كلامه الأزمنة الطويلة والأوقات العديدة لا يعتريه ملل أو وجل كما نشاهد في عملنا اليومي مع من نقف أمامهم وقد جمعتنا بهم رابطة المنبت والعلم واتحاد المشارب واتفاق المآرب.
الأدب
وهو صفة في الخلائق تبعث في النفس حب التواضع فنقر بها إلى من علاها وتسمو بها إلى من دونها وخليق بالمحامي أن يجعل شعاره الأدب في القول باختيار الألفاظ المؤدية للمعاني المقصودة بلا خشونة وتوخى إلقاءها بلا غلط كما يهذب قلمه في التحرير على النمط الذي تزين ألفاظه معانيه وألفاظه زائنات المعاني.
وحلية الأدب فضيلة أليق بالمحامي التخلق بها في معاشرته ومعاملته فإن له بين الناس قدرًا يزداد بالأب ويكمل بالمحاسنة وقد يأخذ باللين ما لا يأخذ بالشدة وغلبة المحامي على خصمه إنما تكون بآداب المناظرة فيقرن الدليل بالدليل ويقرع الحجة بالحجة وكلما لأن جانبه وظهرت مزاياه عرف بين الناس بالخلق الحسن فتسلك معه سبيل المجاملة ورد النظير بنظير فلا يؤاخذ زميلاً إن بدرت منه كلمة خارجة عن حدود اللياقة أو استعمل لفظًا جارحًا فحسن الجواب أبلغ في النوال، ادفع بالتي هي أحسن، وناهيك بخزي من يعتدي فيرد عليه اعتداؤه بالملاطفة وأبلغ حديث شريف يؤدي أرقى معنى في هذا الباب من مكارم الأخلاق (اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن).
حاجة المرافع ماسة لسلوك الأدب مع القاضي فيحترمه ويعتني بطلبه فتكون موعظة حسنة ومثلاً يقاس عليه - قد تكون علاقة المحامي بزملائه أكثر أدبًا وبموكله أظهر في حسن المعاملة واستنباط المجهولات بالمحاسنة فقد يكون بين أرباب القضايا من يظنون المحامي حاكمًا كما يسمعون العامة ويخشون بأسه فلا يفضون إليه بسر أمرهم ولا يدلون إليه بحججهم وأولئك خير لهم حلم الحليم وأدب الأديب للوصول للحق وإبداء الرأي بسلامة ذوق، يتوهم بعض الجهلاء إن واجب المحامي تقمص جلابيب موكله والاتصاف بخصاله واتخاذ مظهر العداء لخصمه ويغالبون في ذلك إلى حد الإساءة للإخوان ونقض الرعاية الواجبة للزملاء فلا يأخذ الغرور ناشئًا في الصناعة الاقتداء بتلك الخصال الذميمة ومناوأة زملائه بل حسن التفاهم قاعدة التعامل والمودة رابطة متينة في العمل قوامها الأدب والتآلف بحسن المؤازرة والتضامن بين أبناء الطائفة بالتناصر والتعاون (وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
الثبات
وهو إحكام الرأي وتأسيسه على التؤدة والتروي ثم التمسك به والحرص عليه وعدم التذبذب في الفكرة للعدول عنها من غير بحث وما دام الأمر مبناه علم يقين وحكمه ظاهر جلي لا يحتاج إلى التردد فلا مفر من الاعتصام به والاستمرار عليه وهي من الخلال الشريفة التي يتصف بها المحامي المنصف الجريء الأديب لتكمل الصفات ويمتاز بحسن المزايا وأجل المحاسن، قيل إن الرجوع للحق فضيلة ولا تنافي بين هذا وذاك اللهم إن الثبات على الرأي والدأب على العمل فرضته حسن العقيدة وقاعدته بناء الرأي على فكرة سديدة فمتى ما انكشف غامض أمرها وظهر الحق بخلافها فإن التمسك بالحق هو الثبات ولا خلاف بين الصدر والعجز إذ المقرر في الأذهان وتوافر فيه الإجماع هو الثبات على الحق وعدم نقض العهد إن العهد كان مسؤولاً.
في الأسباب الكسبية
تحصيل العلوم واقتناء المعارف وتقوية المدارك بالدرس والمطالعة والكد في العمل بالمثابرة وهي أهم الأسباب الكسبية، فمتى أتم الشاب دراسته ونال جائزة لم يكن مثله إلا كمثل طارق باب بيده المفتاح يسوغ له الدخول ويباح له الانتفاع (كلمة مأثورة عن المرحوم الأستاذ الإمام الشيخ عبده مفتي الديار المصرية).
وما دامت تلك الأسباب في نمو وازدياد هيأ الإنسان نفسه بها للمحافظة على مقامه والحرص على ما ادخره لمستقبله منها وكلكم ولا فخر رجال من ذوي الكرامة وأهل العلم فلا شك أن تعلو بمثلكم تلك الصناعة وتطبيق العلم على العمل هو منتهى المهارة ومبلغ الاجتهاد في تدوين المسائل القانونية وتقريرها على التوسع ببحث المؤلفات ومراجعة الموسوعات في مقارنة الأحكام وإسنادها لمختلف الآراء فيما ذهب إليه الشراح يؤدي للنهوض بالمهنة وبلوغها الشأو الأنسب لها من الرفعة فلا تضيق أوقاتكم بالاطلاع والأخذ بتلك الأسباب فإن لنا فيكم منتهى الآمال وما مذهب الحرية وأنتم ناصروه إلا حلية للفضيلة وقد تمسكتم بها، وقد يتناول موضوعنا من الإسهاب في كل باب ما يضيق المقام عن سرده كالإشارة إلى ما لا ينبغي للمحامي الاشتغال به مع مهنته مما قد يؤثر في شرفها ودرجتها من الاعتبار وكذلك الحقوق والواجبات بتوسع يفوق هذا المقال بالإيجاز، نم الكلام عن الاستفتاء والاستشارة والأتعاب بما يقتضي المحافظة على الكرامة وعلو النفس بما يزيد عن المساعدة القضائية المجانية - طبعًا - في نجدة المسكين وإعانة الفقير وإعانة الملهوف وكل ما في كرم الأخلاق من المزايا الإنسانية وإنما هي نبذة يسيرة في تجارب مدة قصيرة قضيتها أثناء التمرين بمكتب صديقي الأستاذ عبد العزيز بك فهمي حياه الله وبياه ونجح الله مسعاه ولا بد أن عنايتنا بتلك المزايا والتوسع فيها يستوجب حتمًا بلوغ مهنتنا أسمى درجات الشرف وغاية النوال بتمام الاستقلال.
أحمد مصطفى
[(1)] محاضرة ألقاها الأستاذ أحمد بك مصطفى المحامي على المحامين تحت التمرين في يوم الجمعة 12 إبريل سنة 1920.
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا بكم فى مدونة محمد جابر عيسى القانونية
23 سبتمبر 2011
تأثير اعتماد خط التنظيم في الملكية
مجلة المحاماة – العدد الأول
السنة الخامسة - أكتوبر سنة 1924
تأثير اعتماد خط التنظيم في الملكية
بحث في قانون التنظيم ولائحته
مسألة مهمة ومشكلة من مشاكل القانون العديدة التي تُعرض في كل يوم على المحاكم فتقضي فيها كل محكمة بحسب ما تتوجه إليه فكرتها ويوحيه إليها ضميرها.
وكثيرًا ما رأينا المحاكم تتخبط في آرائها ورأينا من العباد شكوى مرّة من قسوة أحكامها، وكم قُدم للمحاكمة شخص متهم بترميم منزل له خارج عن خط تنظيم اعتُمد بديكريتو ولم تُتخذ الإجراءات اللازمة لنزع ملكيته، فيقف المخالف أمام المحكمة مكتوف اليدين أمام قسوة المشرع الذي سن قوانين التنظيم ولوائحه، وقسوة القاضي الذي يتشدد في تطبيق حرفيات النصوص، ولا حيلة له في نقض أقوال الإدارة لحجية محاضر المخالفات، ولا سبيل إلى ذلك إلا بندب خبير قد يتقاضى أجرًا باهظًا، وكثيرًا ما ترفض المحاكم ندبه وبعد ذلك كله يُقضَى عليه بالعقوبة، وليتها الغرامة فقط بل تشفعها المحكمة بإزالة ما حصل من الترميم البسيط إزالة قد تؤدي إلى تلف المنزل وخرابه.
والقاعدة العامة أن الملكية وهي أثبت الحقوق وأهمها وأوسعها نطاقًا حق من أهم صفاته صفة الإطلاق، فهي حق مطلق يجيز للمالك الانتفاع والتصرف بكافة أوجههما.
ولكن المشرع في جميع الأزمان وفي جميع القوانين رأى أن يقيد هذا الإطلاق بقيود، منها ما وضعه للمنفعة العامة التي تستلزمها مصالح البلاد، ومنها ما هو للمنفعة الخاصة وهي منفعة الأفراد مستنيرًا في ذلك بنور التطورات العمرانية والتقلبات المختلفة التي تؤول إليها حال البلاد من وقتٍ لآخر، على أن القاعدة العامة هي أن ما ورد على خلاف القياس فلا يقاس عليه، فهذه القيود التي قيد بها الشارع حق الملكية قيود استثنائية وردت على خلاف القياس فلا يقاس عليها غيرها بل يجب التحرز وعدم التوسع في تطبيقها متخذين في ذلك العدالة إمامًا والرحمة سبيلاً.
نصت المادة الأولى من الأمر العالي الصادر في 26 أغسطس سنة 1889 على أنه (لا يجوز مطلقًا لأحد أن يبني في المدن والقرى منازل أو عمارات أو أسوار أو بلكونات أو سلالم خارجة مكشوفة أو غير ذلك من الأبنية التي تقام على جانبي الطريق العمومية ولا يسوغ أيضًا توسيع تلك الأبنية أو تعليتها أو تقويتها أو ترميمها أو هدمها بأي صفة كانت أو في أي حد كان من الحدود إلا بعد حصوله من مصلحة التنظيم على الرخصة وخط التنظيم) وجاء في المادة العاشرة من اللائحة الصادرة من وزارة الأشغال في 8 سبتمبر سنة 1889 بتنفيذ الأمر العالي المذكور أن (مجرد الإقرار على رسم خط التنظيم من ناظر الأشغال العمومية وصدور أمر عالٍ باعتماده يسوغان للحكومة أن تنزع شيئًا فشيئًا وبالطريقة القانونية الأراضي المبينة بالرسم لزومها لإنشاء الشوارع المعمول عنها الرسم المذكور، ومن تاريخ صدور الأمر العالي المشار إليه لا يجوز إقامة أي بناء على الأراضي اللازم نزع ملكيتها)، والذي يؤخذ من هاتين المادتين ثلاثة أحكام وهي:
أولاً: يجب لإجراء أي عمل من أعمال البناء أو الترميم أو التعديل أو الزيادة أو النقصان في بناء مجاور للطريق العمومي الحصول على رخصة ومراعاة خط التنظيم.
ثانيًا: إذا عُين خط تنظيم جديد لطريق من الطرق العمومية وأقرته وزارة الأشغال وصدر أمر عالٍ باعتماده ودخلت بعض المباني أو الأراضي التي على جانبي الطريق في هذا الخط جاز للإدارة أن تنزع ملكيتها شيئًا فشيئًا بغير حاجة إلى اتباع نصوص قانون نزع الملكية الصادر في سنة 1906.
ثالثًا: إذا كان الحال كما في الحالة السابقة فلا تجوز إقامة أي بناء على الأراضي المراد نزع ملكيتها.
والذي يهمنا وما هو محل بحثنا هو الحكم الثالث الذي قاسى منه الناس كثيرًا بلا رحمة ولا شفقة.
ويحسن بنا للاهتداء في هذا البحث أن نُرجع البصر إلى مأخذ تشريعنا الذي أخذنا ولا نزال نأخذ عنه قوانيننا وهو التشريع الفرنسي، ثم نعود إلى ما عليه تشريعنا المصري وبعد ذلك نفحص أقوال الشراح والمحاكم ونرد حججهم وأقوالهم ثم نبدي رأينا الخاص.
الشراح والمحاكم في فرنسا
لقد اختلف الشراح والمحاكم في فرنسا في آرائهم ولكن يمكن حصر هذا الاختلاف في رأيين:
الرأي الأول:
يرى أصحاب هذا الرأي من الشراح والمحاكم أنه منذ صدور الدكريتو باعتماد خط التنظيم لا يجوز إقامة مبانٍ على الأرض المعدة لنزع ملكيتها ولا يجوز ترميم أو تقوية أو تعديل الأبنية القائمة على هذه الأرض.
ومن الشراح الذين ذهبوا هذا المذهب (بلانيول) في شرحه للقانون المدني جزء أول بند (2334) و(كولان) و(كابتان) جزء أول صـ (745) و(فيجييه) في شرحه للقانون المدني جزء أول صـ (531)، ومما قاله (بلانيول) عن ذلك في صحيفة (720) بند (2334) أنه إذا دخل جزء من البناء في خط التنظيم ولو لم تُنزع ملكيته بالطرق المعتادة أصبح هذا الجزء خاصًا لشبه حق ارتفاق لمصلحة الطريق العام، فلا يمكن إقامة مبانٍ جديدة عليه ولا ترميم المباني القائمة من قبل حتى لا تدفع الإدارة إلا قيمة الأرض المجردة.
ومن المحاكم الفرنسية التي أخذت بهذا الرأي محاكم جزئية كثيرة أهم أحكامها الحكم الوارد في (مجلة سيري 93 – 3 – 97)، وفي ذلك حكم من محكمة النقض الفرنسية صادر في 7 إبريل 1911 منشور في (مجلة سيري 1912 – 1 – 179)، واستندت هذه الأحكام إلى أن إباحة البناء والترميم ينتفي معها الغرض من تعيين خط التنظيم ويعوق سرعة إنشاء الطرق بإقامة المباني وترميمها وتقويتها.
الرأي الثاني:
أما أصحاب هذا الرأي من الشراح والمحاكم فيوجهون إلى الرأي السابق من النقد أشده ويرى أصحابه أن اعتماد خط التنظيم لا يؤثر في ملكية المالك ولا يحرمه من حق البناء على الأرض المراد نزع ملكيتها أو ترميم ما عليها من الأبنية أو تقويتها حتى تنزع ملكيتها بالطرق القانونية، ويرون أن اعتماد خط التنظيم لا يكون إلا بمثابة مشروع لا يحرم الملاك من الانتفاع بملكهم حتى تُنزع ملكيتهم. وأهم أنصار هذا الرأي مسيو (هيريو) وهو رئيس الوزارة الفرنسية الآن، فلقد وجه إلى الرأي القائل بعدم جواز الترميم والبناء والتقوية نقدًا مرًا في تعليقه على حكم منشور في (مجلة سيري 1903 -3 - 97) ولقد بيّن هذا العالم مخاطر خط التنظيم ومضاره وانتقد جمود المحاكم في الأخذ بمباني النصوص دون مقاصدها.
ومن الشراح الذين أخذوا بهذا الرأي أيضًا (أوبري) و(رو) في شرحهما للقانون المدني جزء (4) صـ (47)، و(لوران) جزء (6) صـ (47)، و(داللوز) في موسوعاته جزء (23) صـ (16).
ومن المحاكم الفرنسية التي أخذت بهذا الرأي محكمة النقض في حكمها الصادر بدوائرها المجتمعة في 24 نوفمبر 1837 بعدم توقيع العقوبة على من بنى داخل خط التنظيم قبل نزع ملكيته ودفع التعويض له. وحكم آخر من هذه المحكمة في 30 إبريل 1886 يقضي بإباحة البناء في الأرض المعدة لنزع ملكيتها وترميم ذلك البناء وتقويته.
الشراح والمحاكم في مصر
أما الشراح في مصر فلم نجد منهم من حلل النصوص القانونية في هذا الصدد تحليلاً يسير مع التطورات العمرانية مراعيًا في ذلك مصالح العدد الكثير من الملاك الفقراء الذين تدخل بيوتهم ضمن خط التنظيم، وأول هؤلاء الشراح (مسيو لامبا) فقد قال في كتابه في القانون الإداري المصري 474، 475 (بعد أن عرّف خط التنظيم في صـ (473) بأنه تعبير يراد به الحد المجاور) إنه منذ صدور الأمر العالي يحرم البناء على الأرض المعدة لنزع ملكيتها، ولا يشترط في ذلك أن يكون الطريق قد وُجد فعلاً بل يكفي أن يكون هناك تصميم اعتُمد بدكريتو حتى يصبح خط التنظيم إلزاميًا وإن اعتماد خط التنظيم هو قيد لا يسمح للملاك المجاورين أن يعدلوا أو يزيدوا في حالة أملاكهم الخارجة عن هذا الخط.
كذلك قال الدكتور محمد كامل مرسي بك (الآن السكرتير الثاني للسفارة المصرية بلندن) في رسالته التي قدمها في الدكتوراة القانونية المسماة (نطاق حق الملكية في مصر) صـ (180) إنه لا يجوز إجراء عمل من أعمال الترميم والصيانة في البناء القائم على الأرض المراد نزع ملكيتها للطريق العمومي متى اعتُمد خط التنظيم، وما ذلك الحظر إلا لئلا يطول أمد المباني القائمة على الأرض حتى إذا أُهملت تداعت من نفسها ولا تدفع الإدارة إلا ثمن الأرض.
أما المحاكم المصرية: فنوعان المختلطة والأهلية.
أما المحاكم المختلطة فمنها ما يميل إلى إباحة البناء وتقويته وربما كان ذلك الميل الأغلب منها، وفي ذلك أحكام كثيرة من محكمة الاستئناف المختلطة أهمها حكم صادر في 25 إبريل 1894 مجموعة التشريع والأحكام س (6) صـ (321) وأول مارس 1905 المجموعة المذكورة س (17) صـ (139).
ولكن من المحاكم المختلطة ما قضى بعكس ذلك وحظر البناء والترميم وفي ذلك أحكام قليلة من محكمة الاستئناف المختلطة وأهمها حكم 11 يناير 1891 المجموعة المذكورة س (6) صـ (108)، 2 فبراير 1906 المجموعة المذكورة س (14) صـ (125)، 15 نوفمبر 1893 المجموعة المذكورة س (6) صـ (43)، 4 ديسمبر 1890 المجموعة المذكورة س (3) صـ (45).
أما القضاء الأهلي وعلى رأسه محكمة الاستئناف الأهلية فقد خطا خطوة حسنة في تحليل النصوص القانونية. وتنحصر آراء المحاكم الأهلية في ثلاثة آراء:
الرأي الأول:
يرى هذا الرأي أغلب المحاكم الجزئية ومحكمة الاستئناف في بعض أحكامها، ومقتضى هذا الرأي هو حظر البناء في الأراضي المعدة لنزع ملكيتها أو ترميم البناء القائم عليها أو تقويته متى اعتمد خط التنظيم، ومن الأحكام الصادرة في هذا الصدد (وجميعها لم تُنشر) الحكم الصادر من محكمة مخالفات مصر في 5 يناير 1914 (وألغاه حكم الاستئناف الصادر في 5 إبريل 1914) وكذلك الحكم الصادر من محكمة مخالفات المنصورة في 20 أغسطس 1916 (وألغاه الحكم الصادر من الاستئناف في 21 نوفمبر سنة 1916) وحكم محكمة العطف في 24 مارس 1924.
وأهم أحكام محكمة الاستئناف في هذا الصدد الحكم الصادر في 26 مارس سنة 1917 (المجموعة الرسمية س (18) عدد (32) صـ (52)) ومجموعة الأحكام لحمدي بك السيد (القسم المدني) صـ (99).
الرأي الثاني:
قضت أحكام عديدة من المحاكم الجزئية ومن محكمة الاستئناف بعكس الرأي السابق وإباحة البناء على الأرض اللازم نزع ملكيتها وجواز تقوية البناء القائم عليها وترميمه كما يشاء المالك (حكم محكمة أسيوط الجزئية 17 مايو 1915 المجموعة الرسمية س (16) صـ (118) عدد (103)) وحكم لم يُنشر صادر من محكمة فوه في 20 يناير 1922 في القضية نمرة (231) سنة 1922، ولقد استأنفت النيابة هذا الحكم فأيدته محكمة الاستئناف في 18 يونية 1922 في القضية نمرة (2132) سنة 39 قضائية. وحكم محكمة سنورس (الذي لم يُنشر) في 6 فبراير 1917.
الرأي الثالث:
يفرق أصحاب هذا الرأي من المحاكم بين حالتين:
الأولى: إذا كان المراد إجراؤه بناءً جديدًا أو ترميمًا يزيد من قيمة الأبنية القائمة.
الثانية: إذا كان ما أُجري ترميمًا أريد به الانتفاع بالبناء القائم واستعماله.
فإن كان من النوع الأول فلا يجوز إجراؤه وإن كان من الثاني جاز.
ومن هذا الرأي محكمة الاستئناف في حكمها الصادر في 15 إبريل 1914 المجموعة الرسمية س (18) صـ (53) عدد (20) وآخر في 21 نوفمبر 1916 المجموعة الرسمية س (18) صـ (55) عدد (31). مجموعة الأحكام لحمدي بك السيد صـ (99) (القسم المدني).
خلاصة حجج الآراء السابقة
1 - الرأي القائل بالحظر:
تتلخص حجج الرأي القائل بحظر البناء والتقوية والترميم متى اعتُمد خط التنظيم فيما يأتي:
أولاً: نصت المادة الأولى من الأمر العالي الصادر في 26 أغسطس 1886 على أنه لا يجوز بناء منازل أو عمارات أو سلالم أو بلكونات أو سلالم خارجة مكشوفة أو غير ذلك من الأبنية القائمة على جانبي الطريق العمومي، ولا يسوغ أيضًا توسيع تلك الأبنية أو تعليتها أو تقويتها أو ترميمها أو هدمها بأي صفة كانت أو في أي حد من الحدود إلا بعد الحصول من مصلحة التنظيم على الرخصة وخط التنظيم.
ونصت الفقرة الأولى من المادة (11) من الأمر العالي المذكور على أن إجراء أعمال بدون رخصة خارج خط التنظيم يستوجب توقيع العقوبة المدونة بالمادة (328)، وذلك فضلاً عن هدم الأعمال المذكورة على مصاريف المخالف.
وهذه الحجة قوية في ظاهرها إذا أُخذت بمفردها، ولكنها إذا فُسرت مع بقية النصوص الأخرى الواردة في هذا الصدد وجد أنه لا يصح الأخذ بها على إطلاقها لأنها من القيود المقيدة للملكية الواردة على خلاف القياس فيجب تضييق تفسيرها حتى تلاءم مصالح العباد.
ولكن محكمة الاستئناف في حكمها الصادر في 26 مارس 1917 أبت إلا أن تقول إن حكم هذه المادة عام ويشمل المباني والأعمال الخاصة بها من ترميم ونحوه سواء كانت هذه المباني واقعة على خط التنظيم أو على غير خط التنظيم، على أن في هذا الحكم مطعنين:
1 - إذا راجعنا هذا القول وجدنا الشطر الأول منه مبهمًا لأننا لو راجعنا المادة العاشرة من لائحة التنفيذ الصادرة من وزارة الأشغال عقب صدور الأمر العالي المذكور وجدنا أنها لا تمنع إلا البناء ولم تتكلم عن الترميم أو التقوية الواردين بالمادة الأولى من الأمر العالي وهذا النقص ووجوب تضييق التفسير يقضيان بالقول بإباحة ترميم الأبنية القائمة وتقويتها.
2 - وقد أجمع المحاكم والشراح على أن الأعمال التي تُجرَى في البناء الداخل عن خط التنظيم لا تستلزم رخصة (انظر نطاق حق الملكية لكامل مرسي بك صـ (179) وحكم محكمة الاستئناف المختلطة 25 إبريل 1894 مجموعة التشريع والأحكام (6) صـ (321) و17 إبريل 1895 المجموعة المذكورة (7) صـ (229) و11 مارس 1896 المجموعة المذكورة (8) صـ (163)).
وإذا رجعنا إلى المادة (10) من لائحة التنفيذ وجدناها تنص على حكمين:
أولهما: أن اعتماد خط التنظيم بدكريتو يسوغ للإدارة شيئًا فشيئًا أن تنزع ملكية الأراضي المبينة بالرسم بغير حاجة في ذلك لاتباع نصوص قانون نزع الملكية الصادر في 1906.
وثانيهما: أنه لا يجوز البناء على هذه الأراضي.
فيؤخذ من هذه المادة أنها وردت لتسهيل أعمال الإدارة فيما يتعلق بنزع الملكية وعدم إطالة الوقت باتباع الإجراءات المعتادة، وما لم تنزع الملكية فهي باقية وإن هذه المادة لا تسري إلا على الأراضي التي أُعدت لنزع ملكيتها وإدخالها في الطريق العام.
أما المادة الأولى من الأمر العالي والمادة (11) منه فما أريد بهما إنما هو خط التنظيم الذي يفصل طريقًا عموميًا مستعملاً بالفعل عن الأملاك المجاورة، وذلك حفظًا للطرق المستعملة من قبل واستبقاءً لرونقها ونظامها وما لم يكن الطريق مستعملاً بالفعل بأن كان لا يزال مشروعًا فلا تسري عليه المادة الأولى من الأمر العالي بل المادة (10) من لائحة التنفيذ.
ثانيًا: استندوا إلى أن الحكمة في حظر البناء والتقوية والترميم هي زوال المباني الخارجة عن خط التنظيم متى تداعت أو هدمها أصحابها، وبذلك لا تدفع الإدارة إلا ثمن الأرض مجردة والرد على ذلك هو القول بأن في ذلك اعتداءً كبيرًا على الملكية لا تبرره القوانين بل يقضي بعكسه ورود هذه المواد باعتبارها قيودًا على سبيل الاستثناء وحماية حرية الأفراد في التمتع بأملاكهم حتى تُنزع ملكيتهم قانونًا ويعطوا التعويض عن ذلك وإلا لو سلمنا بهذا الاعتداء لكان فيه حرمان الأهالي من أملاكهم حرمانًا قد يكون لأجل غير مسمى فقد يصدر الديكريتو ولا تنزع الإدارة الملكية إلا بعد خمسين أو ستين سنة من صدوره وهذا يتنافى مع العدالة التي ما شرعت القوانين إلا لحمايتها.
ثالثًا: قالوا إن إباحة البناء والترميم والتقوية تبقي المباني الخارجة عن خط التنظيم قائمة وتعوق نفاذ الطرق العمومية بالسرعة المطلوبة، ولكن هذا القول مردود على قائله لأن الإدارة إذا شرعت في نزع الملكية فلا يعوقها قيام البناء أو عدمه وكل ما هناك إنما هو النزاع في التعويض، وسنتكلم على مشكلة التعويض عند الكلام على رأينا الخاص في هذه المسألة.
2 - حجج الرأي القائل بإباحة البناء:
أولاً: قالوا إن الأراضي والمباني التي لم تُنزع ملكيتها لا تزال باقية على ملكية أصحابها ولهم حق الانتفاع بها إلى أن تُنزع هذه الملكية (حكم محكمة فوه السابق ذكره) وإن اعتماد خط التنظيم ليس إلا بمثابة إخطار للملاك بعزم الحكومة على نزع ملكية أراضيهم في المستقبل القريب أو البعيد (حكم محكمة أسيوط السابق).
ثانيًا: أن المادة العاشرة من لائحة (8) سبتمبر سنة 1889 لا يمكنها أن تنشئ جرائم أو تقرر عقوبة لأن ذلك من حق السلطة التشريعية نفسها (حكم محكمة أسيوط ) ولكن لنا على ذلك الحكم اعتراض وهو أنه يتنافى مع نظام الحكومة عندنا سابقًا لأن السلطة التنفيذية عندنا كانت هي السلطة التشريعية، ولأن كثيرًا من اللوائح أصدرتها وزارات مختلفة وأتت فيها بعقوبات طبقتها المحاكم منذ صدورها، من ذلك لائحة عربات النقل في 7 يناير 1891 مادة (12)، ولائحة الفلايكية في 16 مارس 1891 مادة (46)، ولائحة المترجمين في 28 ديسمبر 1895 مادة (10) ولائحة نقاشي الأختام، ولائحة القبانية والكيالين ولائحة عربات الركوب والسيارات والكتبة العمومية… إلخ، وجميع هذه اللوائح صادرة بعقوبات أمرت بتوقيعها السلطة التنفيذية التي كانت في الواقع السلطة التشريعية.
3 - حجج الرأي القائل بجواز الترميم ومنع البناء الجديد:
وهو الرأي الثالث الذي اتخذته محكمة الاستئناف الأهلية فقالت بعدم جواز البناء الجديد وبجواز ترميم وتقوية البناء القائم من قبل لأجل استعماله، وحجج هذا الرأي تتلخص فيما يأتي:
أولاً: أن الأمر العالي الخاص بالتنظيم إنما يسري على الأراضي والمنازل الواقعة على جانبي الطريق العمومية الجاري استعمالها أما اللائحة فقاصرة على الأراضي التي قررت الحكومة نزع ملكيتها بناءً على مشروع طريق عمومية جديدة تنوي الحكومة عملها.
ثانيًا: أن نص المادة (10) من اللائحة اقتصر على منع البناء ولم ينص على شيء من الأعمال اللازمة للمحافظة على المنازل التي تقرر نزع ملكيتها.
ثالثًا: أن الملكية التي لا تزال باقية لأصحابها حتى تُنزع تستلزم انتفاع الملاك بأملاكهم وأن عكس ذلك يقضي بمنع التمتع لمدة لا تعلم نهايتها (راجع أحكام محكمة الاستئناف السابق إيرادها).
رأينا الخاص
والرأي عندي أننا إذا حللنا النصوص القانونية الواردة في ذلك وهي المادة الأولى من دكريتو التنظيم والمادة (11) منه والمادة (10) من لائحة وزارة الأشغال نجد بها الأحكام الآتية:
أولاً: أن الأمر العالي الخاص بالتنظيم لا تنطبق المادة الأولى منه إلا على الأراضي والمباني القائمة على جانبي الطريق العمومي المستعمل فعلاً، أما لائحة التنفيذ فلا تنطبق إلا على الطرق المراد إنشاؤها والمبينة بالرسم المعتمد.
ثانيًا: لا يجوز بناء أو ترميم أو تقوية أو تعديل أو زيادة أو نقصان مبانٍ على جانبي الطريق العمومي المستعمل فعلاً إلا بعد الحصول على رخصة وخط التنظيم.
ثالثًا: إذا اعتمد خط التنظيم لطريق عمومي بدكريتو ودخلت بعض المباني فيه ولم تنزع الإدارة ملكية هذه المباني لنفاذ الطريق جاز للمالك ترميم هذه المباني أو تقويتها أو إصلاحها سواء كان ذلك لأجل استعمال ملكه والانتفاع به أو لأجل الاتجار.
رابعًا: إذا دخلت بعض الأراضي المجاورة الفضاء ضمن الخط المعتمد فليس لأربابها أن يبنوا فيها بناءً جديدًا.
خامسًا: لا تدفع الإدارة عند نزع الملكية قيمة الإصلاحات أو الترميمات أو الزيادات التي يجريها المالك بل كل ما تدفعه هي قيمة الأرض والمباني القائمة وقت اعتماد الرسم المبين به خط التنظيم بدكريتو.
أما الحكم الأول والثاني فقد سبق الكلام عليهما وأما الثالث فإننا نخالف فيه محكمة الاستئناف في حكمها الصادر في 15 إبريل 1914 و21 نوفمبر 1916 (المجموعة الرسمية س (18) صـ (53) و(55)) الذي فرق بين الترميمات التي عملت بقصد استعمال المباني والتي عملت بقصد المتاجرة وقضى بإباحة الأولى ومنع الثانية ونحن نرى أنه لا أثر لمثل هذه التفرقة في لائحة التنفيذ، وكل ما هناك أن المادة العاشرة منها منعت البناء منذ صدور الدكريتو باعتماد خط التنظيم ولم تذكر شيئًا عن الترميمات وما يشابهها.
وأما فيما يتعلق بالتعويض الذي يُعطَى للملاك عند نزع ملكيتهم فإن دكريتو اعتماد خط التنظيم الذي يسوغ للإدارة نزع ملكية الأراضي والمباني اللازمة يعتبر بدلاً عن الدكريتو الذي استلزم صدوره قانون نزع الملكية الصادر سنة 1906 (المادة 1). ونصت المادة (15) من هذا القانون على أنه لا تراعى في تقدير الثمن التحسينات والترميمات التي عملت بقصد الحصول على ثمن أزيد وتكون كذلك إذا حصلت بعد نشر الدكريتو وإني أرى أن دكريتو اعتماد خط التنظيم وإن جاز معه إجراء ترميمات إلا أنها لا تقدر عند نزع الملكية. [(1)].
عبد العزيز عبد الهادي
المحامي بدمنهور
[(1)] راجع بهذا الخصوص الحكم الصادر من محكمة الاستئناف الأهلية بتاريخ أول يناير سنة 1921 ومنشور بمجلة المحاماة بالعدد العاشر من السنة الثالثة صـ (502) نمرة (407)، وراجع كذلك حكم محكمة أسيوط الأهلية الصادر بتاريخ 26 فبراير سنة 1921 ومنشور كذلك بالمحاماة عدد (2) س (2) صـ (94) نمرة (35)، وراجع كذلك الحكم الصادر من محكمة أسيوط الجزئية الأهلية بتاريخ 31 فبراير سنة 1924 ومنشور بهذا العدد ضمن أحكام المحاكم الجزئية).
السنة الخامسة - أكتوبر سنة 1924
تأثير اعتماد خط التنظيم في الملكية
بحث في قانون التنظيم ولائحته
مسألة مهمة ومشكلة من مشاكل القانون العديدة التي تُعرض في كل يوم على المحاكم فتقضي فيها كل محكمة بحسب ما تتوجه إليه فكرتها ويوحيه إليها ضميرها.
وكثيرًا ما رأينا المحاكم تتخبط في آرائها ورأينا من العباد شكوى مرّة من قسوة أحكامها، وكم قُدم للمحاكمة شخص متهم بترميم منزل له خارج عن خط تنظيم اعتُمد بديكريتو ولم تُتخذ الإجراءات اللازمة لنزع ملكيته، فيقف المخالف أمام المحكمة مكتوف اليدين أمام قسوة المشرع الذي سن قوانين التنظيم ولوائحه، وقسوة القاضي الذي يتشدد في تطبيق حرفيات النصوص، ولا حيلة له في نقض أقوال الإدارة لحجية محاضر المخالفات، ولا سبيل إلى ذلك إلا بندب خبير قد يتقاضى أجرًا باهظًا، وكثيرًا ما ترفض المحاكم ندبه وبعد ذلك كله يُقضَى عليه بالعقوبة، وليتها الغرامة فقط بل تشفعها المحكمة بإزالة ما حصل من الترميم البسيط إزالة قد تؤدي إلى تلف المنزل وخرابه.
والقاعدة العامة أن الملكية وهي أثبت الحقوق وأهمها وأوسعها نطاقًا حق من أهم صفاته صفة الإطلاق، فهي حق مطلق يجيز للمالك الانتفاع والتصرف بكافة أوجههما.
ولكن المشرع في جميع الأزمان وفي جميع القوانين رأى أن يقيد هذا الإطلاق بقيود، منها ما وضعه للمنفعة العامة التي تستلزمها مصالح البلاد، ومنها ما هو للمنفعة الخاصة وهي منفعة الأفراد مستنيرًا في ذلك بنور التطورات العمرانية والتقلبات المختلفة التي تؤول إليها حال البلاد من وقتٍ لآخر، على أن القاعدة العامة هي أن ما ورد على خلاف القياس فلا يقاس عليه، فهذه القيود التي قيد بها الشارع حق الملكية قيود استثنائية وردت على خلاف القياس فلا يقاس عليها غيرها بل يجب التحرز وعدم التوسع في تطبيقها متخذين في ذلك العدالة إمامًا والرحمة سبيلاً.
نصت المادة الأولى من الأمر العالي الصادر في 26 أغسطس سنة 1889 على أنه (لا يجوز مطلقًا لأحد أن يبني في المدن والقرى منازل أو عمارات أو أسوار أو بلكونات أو سلالم خارجة مكشوفة أو غير ذلك من الأبنية التي تقام على جانبي الطريق العمومية ولا يسوغ أيضًا توسيع تلك الأبنية أو تعليتها أو تقويتها أو ترميمها أو هدمها بأي صفة كانت أو في أي حد كان من الحدود إلا بعد حصوله من مصلحة التنظيم على الرخصة وخط التنظيم) وجاء في المادة العاشرة من اللائحة الصادرة من وزارة الأشغال في 8 سبتمبر سنة 1889 بتنفيذ الأمر العالي المذكور أن (مجرد الإقرار على رسم خط التنظيم من ناظر الأشغال العمومية وصدور أمر عالٍ باعتماده يسوغان للحكومة أن تنزع شيئًا فشيئًا وبالطريقة القانونية الأراضي المبينة بالرسم لزومها لإنشاء الشوارع المعمول عنها الرسم المذكور، ومن تاريخ صدور الأمر العالي المشار إليه لا يجوز إقامة أي بناء على الأراضي اللازم نزع ملكيتها)، والذي يؤخذ من هاتين المادتين ثلاثة أحكام وهي:
أولاً: يجب لإجراء أي عمل من أعمال البناء أو الترميم أو التعديل أو الزيادة أو النقصان في بناء مجاور للطريق العمومي الحصول على رخصة ومراعاة خط التنظيم.
ثانيًا: إذا عُين خط تنظيم جديد لطريق من الطرق العمومية وأقرته وزارة الأشغال وصدر أمر عالٍ باعتماده ودخلت بعض المباني أو الأراضي التي على جانبي الطريق في هذا الخط جاز للإدارة أن تنزع ملكيتها شيئًا فشيئًا بغير حاجة إلى اتباع نصوص قانون نزع الملكية الصادر في سنة 1906.
ثالثًا: إذا كان الحال كما في الحالة السابقة فلا تجوز إقامة أي بناء على الأراضي المراد نزع ملكيتها.
والذي يهمنا وما هو محل بحثنا هو الحكم الثالث الذي قاسى منه الناس كثيرًا بلا رحمة ولا شفقة.
ويحسن بنا للاهتداء في هذا البحث أن نُرجع البصر إلى مأخذ تشريعنا الذي أخذنا ولا نزال نأخذ عنه قوانيننا وهو التشريع الفرنسي، ثم نعود إلى ما عليه تشريعنا المصري وبعد ذلك نفحص أقوال الشراح والمحاكم ونرد حججهم وأقوالهم ثم نبدي رأينا الخاص.
الشراح والمحاكم في فرنسا
لقد اختلف الشراح والمحاكم في فرنسا في آرائهم ولكن يمكن حصر هذا الاختلاف في رأيين:
الرأي الأول:
يرى أصحاب هذا الرأي من الشراح والمحاكم أنه منذ صدور الدكريتو باعتماد خط التنظيم لا يجوز إقامة مبانٍ على الأرض المعدة لنزع ملكيتها ولا يجوز ترميم أو تقوية أو تعديل الأبنية القائمة على هذه الأرض.
ومن الشراح الذين ذهبوا هذا المذهب (بلانيول) في شرحه للقانون المدني جزء أول بند (2334) و(كولان) و(كابتان) جزء أول صـ (745) و(فيجييه) في شرحه للقانون المدني جزء أول صـ (531)، ومما قاله (بلانيول) عن ذلك في صحيفة (720) بند (2334) أنه إذا دخل جزء من البناء في خط التنظيم ولو لم تُنزع ملكيته بالطرق المعتادة أصبح هذا الجزء خاصًا لشبه حق ارتفاق لمصلحة الطريق العام، فلا يمكن إقامة مبانٍ جديدة عليه ولا ترميم المباني القائمة من قبل حتى لا تدفع الإدارة إلا قيمة الأرض المجردة.
ومن المحاكم الفرنسية التي أخذت بهذا الرأي محاكم جزئية كثيرة أهم أحكامها الحكم الوارد في (مجلة سيري 93 – 3 – 97)، وفي ذلك حكم من محكمة النقض الفرنسية صادر في 7 إبريل 1911 منشور في (مجلة سيري 1912 – 1 – 179)، واستندت هذه الأحكام إلى أن إباحة البناء والترميم ينتفي معها الغرض من تعيين خط التنظيم ويعوق سرعة إنشاء الطرق بإقامة المباني وترميمها وتقويتها.
الرأي الثاني:
أما أصحاب هذا الرأي من الشراح والمحاكم فيوجهون إلى الرأي السابق من النقد أشده ويرى أصحابه أن اعتماد خط التنظيم لا يؤثر في ملكية المالك ولا يحرمه من حق البناء على الأرض المراد نزع ملكيتها أو ترميم ما عليها من الأبنية أو تقويتها حتى تنزع ملكيتها بالطرق القانونية، ويرون أن اعتماد خط التنظيم لا يكون إلا بمثابة مشروع لا يحرم الملاك من الانتفاع بملكهم حتى تُنزع ملكيتهم. وأهم أنصار هذا الرأي مسيو (هيريو) وهو رئيس الوزارة الفرنسية الآن، فلقد وجه إلى الرأي القائل بعدم جواز الترميم والبناء والتقوية نقدًا مرًا في تعليقه على حكم منشور في (مجلة سيري 1903 -3 - 97) ولقد بيّن هذا العالم مخاطر خط التنظيم ومضاره وانتقد جمود المحاكم في الأخذ بمباني النصوص دون مقاصدها.
ومن الشراح الذين أخذوا بهذا الرأي أيضًا (أوبري) و(رو) في شرحهما للقانون المدني جزء (4) صـ (47)، و(لوران) جزء (6) صـ (47)، و(داللوز) في موسوعاته جزء (23) صـ (16).
ومن المحاكم الفرنسية التي أخذت بهذا الرأي محكمة النقض في حكمها الصادر بدوائرها المجتمعة في 24 نوفمبر 1837 بعدم توقيع العقوبة على من بنى داخل خط التنظيم قبل نزع ملكيته ودفع التعويض له. وحكم آخر من هذه المحكمة في 30 إبريل 1886 يقضي بإباحة البناء في الأرض المعدة لنزع ملكيتها وترميم ذلك البناء وتقويته.
الشراح والمحاكم في مصر
أما الشراح في مصر فلم نجد منهم من حلل النصوص القانونية في هذا الصدد تحليلاً يسير مع التطورات العمرانية مراعيًا في ذلك مصالح العدد الكثير من الملاك الفقراء الذين تدخل بيوتهم ضمن خط التنظيم، وأول هؤلاء الشراح (مسيو لامبا) فقد قال في كتابه في القانون الإداري المصري 474، 475 (بعد أن عرّف خط التنظيم في صـ (473) بأنه تعبير يراد به الحد المجاور) إنه منذ صدور الأمر العالي يحرم البناء على الأرض المعدة لنزع ملكيتها، ولا يشترط في ذلك أن يكون الطريق قد وُجد فعلاً بل يكفي أن يكون هناك تصميم اعتُمد بدكريتو حتى يصبح خط التنظيم إلزاميًا وإن اعتماد خط التنظيم هو قيد لا يسمح للملاك المجاورين أن يعدلوا أو يزيدوا في حالة أملاكهم الخارجة عن هذا الخط.
كذلك قال الدكتور محمد كامل مرسي بك (الآن السكرتير الثاني للسفارة المصرية بلندن) في رسالته التي قدمها في الدكتوراة القانونية المسماة (نطاق حق الملكية في مصر) صـ (180) إنه لا يجوز إجراء عمل من أعمال الترميم والصيانة في البناء القائم على الأرض المراد نزع ملكيتها للطريق العمومي متى اعتُمد خط التنظيم، وما ذلك الحظر إلا لئلا يطول أمد المباني القائمة على الأرض حتى إذا أُهملت تداعت من نفسها ولا تدفع الإدارة إلا ثمن الأرض.
أما المحاكم المصرية: فنوعان المختلطة والأهلية.
أما المحاكم المختلطة فمنها ما يميل إلى إباحة البناء وتقويته وربما كان ذلك الميل الأغلب منها، وفي ذلك أحكام كثيرة من محكمة الاستئناف المختلطة أهمها حكم صادر في 25 إبريل 1894 مجموعة التشريع والأحكام س (6) صـ (321) وأول مارس 1905 المجموعة المذكورة س (17) صـ (139).
ولكن من المحاكم المختلطة ما قضى بعكس ذلك وحظر البناء والترميم وفي ذلك أحكام قليلة من محكمة الاستئناف المختلطة وأهمها حكم 11 يناير 1891 المجموعة المذكورة س (6) صـ (108)، 2 فبراير 1906 المجموعة المذكورة س (14) صـ (125)، 15 نوفمبر 1893 المجموعة المذكورة س (6) صـ (43)، 4 ديسمبر 1890 المجموعة المذكورة س (3) صـ (45).
أما القضاء الأهلي وعلى رأسه محكمة الاستئناف الأهلية فقد خطا خطوة حسنة في تحليل النصوص القانونية. وتنحصر آراء المحاكم الأهلية في ثلاثة آراء:
الرأي الأول:
يرى هذا الرأي أغلب المحاكم الجزئية ومحكمة الاستئناف في بعض أحكامها، ومقتضى هذا الرأي هو حظر البناء في الأراضي المعدة لنزع ملكيتها أو ترميم البناء القائم عليها أو تقويته متى اعتمد خط التنظيم، ومن الأحكام الصادرة في هذا الصدد (وجميعها لم تُنشر) الحكم الصادر من محكمة مخالفات مصر في 5 يناير 1914 (وألغاه حكم الاستئناف الصادر في 5 إبريل 1914) وكذلك الحكم الصادر من محكمة مخالفات المنصورة في 20 أغسطس 1916 (وألغاه الحكم الصادر من الاستئناف في 21 نوفمبر سنة 1916) وحكم محكمة العطف في 24 مارس 1924.
وأهم أحكام محكمة الاستئناف في هذا الصدد الحكم الصادر في 26 مارس سنة 1917 (المجموعة الرسمية س (18) عدد (32) صـ (52)) ومجموعة الأحكام لحمدي بك السيد (القسم المدني) صـ (99).
الرأي الثاني:
قضت أحكام عديدة من المحاكم الجزئية ومن محكمة الاستئناف بعكس الرأي السابق وإباحة البناء على الأرض اللازم نزع ملكيتها وجواز تقوية البناء القائم عليها وترميمه كما يشاء المالك (حكم محكمة أسيوط الجزئية 17 مايو 1915 المجموعة الرسمية س (16) صـ (118) عدد (103)) وحكم لم يُنشر صادر من محكمة فوه في 20 يناير 1922 في القضية نمرة (231) سنة 1922، ولقد استأنفت النيابة هذا الحكم فأيدته محكمة الاستئناف في 18 يونية 1922 في القضية نمرة (2132) سنة 39 قضائية. وحكم محكمة سنورس (الذي لم يُنشر) في 6 فبراير 1917.
الرأي الثالث:
يفرق أصحاب هذا الرأي من المحاكم بين حالتين:
الأولى: إذا كان المراد إجراؤه بناءً جديدًا أو ترميمًا يزيد من قيمة الأبنية القائمة.
الثانية: إذا كان ما أُجري ترميمًا أريد به الانتفاع بالبناء القائم واستعماله.
فإن كان من النوع الأول فلا يجوز إجراؤه وإن كان من الثاني جاز.
ومن هذا الرأي محكمة الاستئناف في حكمها الصادر في 15 إبريل 1914 المجموعة الرسمية س (18) صـ (53) عدد (20) وآخر في 21 نوفمبر 1916 المجموعة الرسمية س (18) صـ (55) عدد (31). مجموعة الأحكام لحمدي بك السيد صـ (99) (القسم المدني).
خلاصة حجج الآراء السابقة
1 - الرأي القائل بالحظر:
تتلخص حجج الرأي القائل بحظر البناء والتقوية والترميم متى اعتُمد خط التنظيم فيما يأتي:
أولاً: نصت المادة الأولى من الأمر العالي الصادر في 26 أغسطس 1886 على أنه لا يجوز بناء منازل أو عمارات أو سلالم أو بلكونات أو سلالم خارجة مكشوفة أو غير ذلك من الأبنية القائمة على جانبي الطريق العمومي، ولا يسوغ أيضًا توسيع تلك الأبنية أو تعليتها أو تقويتها أو ترميمها أو هدمها بأي صفة كانت أو في أي حد من الحدود إلا بعد الحصول من مصلحة التنظيم على الرخصة وخط التنظيم.
ونصت الفقرة الأولى من المادة (11) من الأمر العالي المذكور على أن إجراء أعمال بدون رخصة خارج خط التنظيم يستوجب توقيع العقوبة المدونة بالمادة (328)، وذلك فضلاً عن هدم الأعمال المذكورة على مصاريف المخالف.
وهذه الحجة قوية في ظاهرها إذا أُخذت بمفردها، ولكنها إذا فُسرت مع بقية النصوص الأخرى الواردة في هذا الصدد وجد أنه لا يصح الأخذ بها على إطلاقها لأنها من القيود المقيدة للملكية الواردة على خلاف القياس فيجب تضييق تفسيرها حتى تلاءم مصالح العباد.
ولكن محكمة الاستئناف في حكمها الصادر في 26 مارس 1917 أبت إلا أن تقول إن حكم هذه المادة عام ويشمل المباني والأعمال الخاصة بها من ترميم ونحوه سواء كانت هذه المباني واقعة على خط التنظيم أو على غير خط التنظيم، على أن في هذا الحكم مطعنين:
1 - إذا راجعنا هذا القول وجدنا الشطر الأول منه مبهمًا لأننا لو راجعنا المادة العاشرة من لائحة التنفيذ الصادرة من وزارة الأشغال عقب صدور الأمر العالي المذكور وجدنا أنها لا تمنع إلا البناء ولم تتكلم عن الترميم أو التقوية الواردين بالمادة الأولى من الأمر العالي وهذا النقص ووجوب تضييق التفسير يقضيان بالقول بإباحة ترميم الأبنية القائمة وتقويتها.
2 - وقد أجمع المحاكم والشراح على أن الأعمال التي تُجرَى في البناء الداخل عن خط التنظيم لا تستلزم رخصة (انظر نطاق حق الملكية لكامل مرسي بك صـ (179) وحكم محكمة الاستئناف المختلطة 25 إبريل 1894 مجموعة التشريع والأحكام (6) صـ (321) و17 إبريل 1895 المجموعة المذكورة (7) صـ (229) و11 مارس 1896 المجموعة المذكورة (8) صـ (163)).
وإذا رجعنا إلى المادة (10) من لائحة التنفيذ وجدناها تنص على حكمين:
أولهما: أن اعتماد خط التنظيم بدكريتو يسوغ للإدارة شيئًا فشيئًا أن تنزع ملكية الأراضي المبينة بالرسم بغير حاجة في ذلك لاتباع نصوص قانون نزع الملكية الصادر في 1906.
وثانيهما: أنه لا يجوز البناء على هذه الأراضي.
فيؤخذ من هذه المادة أنها وردت لتسهيل أعمال الإدارة فيما يتعلق بنزع الملكية وعدم إطالة الوقت باتباع الإجراءات المعتادة، وما لم تنزع الملكية فهي باقية وإن هذه المادة لا تسري إلا على الأراضي التي أُعدت لنزع ملكيتها وإدخالها في الطريق العام.
أما المادة الأولى من الأمر العالي والمادة (11) منه فما أريد بهما إنما هو خط التنظيم الذي يفصل طريقًا عموميًا مستعملاً بالفعل عن الأملاك المجاورة، وذلك حفظًا للطرق المستعملة من قبل واستبقاءً لرونقها ونظامها وما لم يكن الطريق مستعملاً بالفعل بأن كان لا يزال مشروعًا فلا تسري عليه المادة الأولى من الأمر العالي بل المادة (10) من لائحة التنفيذ.
ثانيًا: استندوا إلى أن الحكمة في حظر البناء والتقوية والترميم هي زوال المباني الخارجة عن خط التنظيم متى تداعت أو هدمها أصحابها، وبذلك لا تدفع الإدارة إلا ثمن الأرض مجردة والرد على ذلك هو القول بأن في ذلك اعتداءً كبيرًا على الملكية لا تبرره القوانين بل يقضي بعكسه ورود هذه المواد باعتبارها قيودًا على سبيل الاستثناء وحماية حرية الأفراد في التمتع بأملاكهم حتى تُنزع ملكيتهم قانونًا ويعطوا التعويض عن ذلك وإلا لو سلمنا بهذا الاعتداء لكان فيه حرمان الأهالي من أملاكهم حرمانًا قد يكون لأجل غير مسمى فقد يصدر الديكريتو ولا تنزع الإدارة الملكية إلا بعد خمسين أو ستين سنة من صدوره وهذا يتنافى مع العدالة التي ما شرعت القوانين إلا لحمايتها.
ثالثًا: قالوا إن إباحة البناء والترميم والتقوية تبقي المباني الخارجة عن خط التنظيم قائمة وتعوق نفاذ الطرق العمومية بالسرعة المطلوبة، ولكن هذا القول مردود على قائله لأن الإدارة إذا شرعت في نزع الملكية فلا يعوقها قيام البناء أو عدمه وكل ما هناك إنما هو النزاع في التعويض، وسنتكلم على مشكلة التعويض عند الكلام على رأينا الخاص في هذه المسألة.
2 - حجج الرأي القائل بإباحة البناء:
أولاً: قالوا إن الأراضي والمباني التي لم تُنزع ملكيتها لا تزال باقية على ملكية أصحابها ولهم حق الانتفاع بها إلى أن تُنزع هذه الملكية (حكم محكمة فوه السابق ذكره) وإن اعتماد خط التنظيم ليس إلا بمثابة إخطار للملاك بعزم الحكومة على نزع ملكية أراضيهم في المستقبل القريب أو البعيد (حكم محكمة أسيوط السابق).
ثانيًا: أن المادة العاشرة من لائحة (8) سبتمبر سنة 1889 لا يمكنها أن تنشئ جرائم أو تقرر عقوبة لأن ذلك من حق السلطة التشريعية نفسها (حكم محكمة أسيوط ) ولكن لنا على ذلك الحكم اعتراض وهو أنه يتنافى مع نظام الحكومة عندنا سابقًا لأن السلطة التنفيذية عندنا كانت هي السلطة التشريعية، ولأن كثيرًا من اللوائح أصدرتها وزارات مختلفة وأتت فيها بعقوبات طبقتها المحاكم منذ صدورها، من ذلك لائحة عربات النقل في 7 يناير 1891 مادة (12)، ولائحة الفلايكية في 16 مارس 1891 مادة (46)، ولائحة المترجمين في 28 ديسمبر 1895 مادة (10) ولائحة نقاشي الأختام، ولائحة القبانية والكيالين ولائحة عربات الركوب والسيارات والكتبة العمومية… إلخ، وجميع هذه اللوائح صادرة بعقوبات أمرت بتوقيعها السلطة التنفيذية التي كانت في الواقع السلطة التشريعية.
3 - حجج الرأي القائل بجواز الترميم ومنع البناء الجديد:
وهو الرأي الثالث الذي اتخذته محكمة الاستئناف الأهلية فقالت بعدم جواز البناء الجديد وبجواز ترميم وتقوية البناء القائم من قبل لأجل استعماله، وحجج هذا الرأي تتلخص فيما يأتي:
أولاً: أن الأمر العالي الخاص بالتنظيم إنما يسري على الأراضي والمنازل الواقعة على جانبي الطريق العمومية الجاري استعمالها أما اللائحة فقاصرة على الأراضي التي قررت الحكومة نزع ملكيتها بناءً على مشروع طريق عمومية جديدة تنوي الحكومة عملها.
ثانيًا: أن نص المادة (10) من اللائحة اقتصر على منع البناء ولم ينص على شيء من الأعمال اللازمة للمحافظة على المنازل التي تقرر نزع ملكيتها.
ثالثًا: أن الملكية التي لا تزال باقية لأصحابها حتى تُنزع تستلزم انتفاع الملاك بأملاكهم وأن عكس ذلك يقضي بمنع التمتع لمدة لا تعلم نهايتها (راجع أحكام محكمة الاستئناف السابق إيرادها).
رأينا الخاص
والرأي عندي أننا إذا حللنا النصوص القانونية الواردة في ذلك وهي المادة الأولى من دكريتو التنظيم والمادة (11) منه والمادة (10) من لائحة وزارة الأشغال نجد بها الأحكام الآتية:
أولاً: أن الأمر العالي الخاص بالتنظيم لا تنطبق المادة الأولى منه إلا على الأراضي والمباني القائمة على جانبي الطريق العمومي المستعمل فعلاً، أما لائحة التنفيذ فلا تنطبق إلا على الطرق المراد إنشاؤها والمبينة بالرسم المعتمد.
ثانيًا: لا يجوز بناء أو ترميم أو تقوية أو تعديل أو زيادة أو نقصان مبانٍ على جانبي الطريق العمومي المستعمل فعلاً إلا بعد الحصول على رخصة وخط التنظيم.
ثالثًا: إذا اعتمد خط التنظيم لطريق عمومي بدكريتو ودخلت بعض المباني فيه ولم تنزع الإدارة ملكية هذه المباني لنفاذ الطريق جاز للمالك ترميم هذه المباني أو تقويتها أو إصلاحها سواء كان ذلك لأجل استعمال ملكه والانتفاع به أو لأجل الاتجار.
رابعًا: إذا دخلت بعض الأراضي المجاورة الفضاء ضمن الخط المعتمد فليس لأربابها أن يبنوا فيها بناءً جديدًا.
خامسًا: لا تدفع الإدارة عند نزع الملكية قيمة الإصلاحات أو الترميمات أو الزيادات التي يجريها المالك بل كل ما تدفعه هي قيمة الأرض والمباني القائمة وقت اعتماد الرسم المبين به خط التنظيم بدكريتو.
أما الحكم الأول والثاني فقد سبق الكلام عليهما وأما الثالث فإننا نخالف فيه محكمة الاستئناف في حكمها الصادر في 15 إبريل 1914 و21 نوفمبر 1916 (المجموعة الرسمية س (18) صـ (53) و(55)) الذي فرق بين الترميمات التي عملت بقصد استعمال المباني والتي عملت بقصد المتاجرة وقضى بإباحة الأولى ومنع الثانية ونحن نرى أنه لا أثر لمثل هذه التفرقة في لائحة التنفيذ، وكل ما هناك أن المادة العاشرة منها منعت البناء منذ صدور الدكريتو باعتماد خط التنظيم ولم تذكر شيئًا عن الترميمات وما يشابهها.
وأما فيما يتعلق بالتعويض الذي يُعطَى للملاك عند نزع ملكيتهم فإن دكريتو اعتماد خط التنظيم الذي يسوغ للإدارة نزع ملكية الأراضي والمباني اللازمة يعتبر بدلاً عن الدكريتو الذي استلزم صدوره قانون نزع الملكية الصادر سنة 1906 (المادة 1). ونصت المادة (15) من هذا القانون على أنه لا تراعى في تقدير الثمن التحسينات والترميمات التي عملت بقصد الحصول على ثمن أزيد وتكون كذلك إذا حصلت بعد نشر الدكريتو وإني أرى أن دكريتو اعتماد خط التنظيم وإن جاز معه إجراء ترميمات إلا أنها لا تقدر عند نزع الملكية. [(1)].
عبد العزيز عبد الهادي
المحامي بدمنهور
[(1)] راجع بهذا الخصوص الحكم الصادر من محكمة الاستئناف الأهلية بتاريخ أول يناير سنة 1921 ومنشور بمجلة المحاماة بالعدد العاشر من السنة الثالثة صـ (502) نمرة (407)، وراجع كذلك حكم محكمة أسيوط الأهلية الصادر بتاريخ 26 فبراير سنة 1921 ومنشور كذلك بالمحاماة عدد (2) س (2) صـ (94) نمرة (35)، وراجع كذلك الحكم الصادر من محكمة أسيوط الجزئية الأهلية بتاريخ 31 فبراير سنة 1924 ومنشور بهذا العدد ضمن أحكام المحاكم الجزئية).
هل للأحكام الإدارية قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية
مجلة المحاماة - العدد التاسع
السنة الحادية عشرة - شهر يونيه سنة 1931
بحث في هل للأحكام الإدارية قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية
عبد المجيد سليمان المحامي
مقدمة:
أنشأ المشرع المصري نوعين من المحاكم الجنائية:
1 - المحاكم العادية.
2 - والمحاكم الإدارية.
وتنقسم محاكمنا الإدارية إلى أربعة أقسام:
1/ قسم روعي في إنشائه بعد الجهة التي أوجد فيها وتطرفها مثل محاكم العريش وسيوا والقصير والداخلة والخارجة والصحراء.
2/ وقسم آخر أنشئ لأن الطبيعة النوعية للجريمة ونتائجها تقتضي وجوده مثل لجان الجمارك.
3/ وقسم ثالث أوجد مراعاة لأمور خاصة مثل محاكم الجرائم التي ترتكب ضد رجال جيش الاحتلال ومحكمة جرائم الرقيق.
4/ والقسم الرابع وضع للمحافظة على نظم الزراعة والري، وهما مصدر حياة هذه البلاد ومورد الرزق الأساسي للسواد الأعظم من أهلها، وقد رأى الشارع في تشكيلها ضمانًا أوفى للعناية بمرافق القطر الأساسية بالفصل في الجرائم التي تمسها بطريقة أسرع وهذا القسم اختص بالفصل في الجرائم المنصوص عنها في القوانين الخاصة بفيضان النيل والترع والجسور وري الشراقي والسكك الزراعية وإعدام الجراد وزراعة الدخان.
موضوع بحثنا:
إنا نقصر كلامنا على القسم الرابع من محاكمنا الإدارية، فهل للأحكام التي تصدرها اللجان المشكلة بناءً على قوانين فيضان النيل والترع والجسور وري الشراقي إلخ… قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية مثل ما للأحكام التي تصدرها المحاكم الجنائية العادية.
إن الإجابة على ذلك تقتضي الوقوف على القيمة القانونية لتلك الأحكام.
إن اللجان الإدارية المذكورة مشكلة بناءً على أوامر عالية نص فيها على كيفية تشكيلها وعلى العقوبات التي لها أن توقعها.
فلجان فيضان النيل صدر في شأنها الأمر العالي المؤرخ في 9 سبتمبر سنة 1887، ونصت المادة الرابعة منه على أنها تشكل من المدير أو وكيله ومن اثنين من عمد البلاد ومن مأمور المركز ومن باشمهندس المديرية أو وكيله وتشكل في المحافظات برئاسة المحافظ أو وكيله ومن اثنين من أعيان المدينة ومن مهندس التنظيم أو وكيله، وتنص المادة الثالثة منه على أن للجنة حق الحكم بالحبس من عشرين يومًا إلى ثلاثة أشهر أو بغرامة من مائة قرش إلى ألف قرش، ويجوز استئناف أحكام الحبس أمام لجنة تشكل بمعرفة وزير الداخلية تحت رئاسته أو رئاسة وكيله.
ولجان مخالفات الري صدر بشأنها الأمر العالي في 22 فبراير سنة 1894 الشهير بلائحة الترع والجسور وتقضي المادة (38) بتشكيلها من المدير والباشمهندس أو من ينوب عنه وثلاثة من عمد المديرية تعينهم وزارة الداخلية، وتقضي المواد (32) و(33) و(34) و(35) من اللائحة بعقوبة غرامة تتراوح بين عشرة قروش إلى عشرين جنيهًا وحبس يتراوح بين أربع وعشرين ساعة إلى شهرين، ويجوز استئناف هذه الأحكام إذا كانت صادرة بالحبس أمام لجنة مشكلة من وكيل وزارة الداخلية ومن مستشار ملكي ومن مندوب من وزارة الأشغال العمومية.
ولجان إعدام الجراد صدر عنها الأمر العالي في 16 يونيه سنة 1891 وخول لها حق الحكم بالحبس من عشرة أيام إلى ثلاثين يومًا أو بغرامة من عشرين قرشًا إلى مائتي قرش، وهي مشكلة من المدير أو وكيله ومن مندوب الزراعة واثنين من أعضاء مجلس المديرية، وفي المحافظات من المحافظ أو وكيله والباشمهندس أو مندوبه ومن اثنين من الأعيان يعينهما المحافظ.
أما لجان ري الشراقي فصدر عنها الأمر العالي الرقيم 15 مايو سنة 1903 ويقضي بعقوبة الحبس فيها من خمسة عشر يومًا إلى شهرين أو بغرامة قدرها جنيه مصري واحد إلى عشرين جنيهًا نفس اللجان المنصوص عنها في لائحة الترع والجسور السابق ذكرها.
ثم هنالك الأمر العالي الصادر في 3 نوفمبر سنة 1890 وخاص بالسكك الزراعية ويقضي فيها بغرامة أقصاها خمسة جنيهات ويقضي فيها بغير استئناف مدير المديرية وحده.
ثم الأمر العالي الصادر في 25 يونيه سنة 1890 الخاص بزراعة الدخان ويقضي في جرائمها المدير أو المحافظ وحده.
وإذا كان من خالف ما هو منصوص في تلك الأوامر العالية عمدة أو شيخًا فإنه لا يحاكم أمام اللجان المذكورة بل أمام لجنة الشياخات المشكلة من المدير أو وكيله ومن مندوب عن وزارة الداخلية وأحد وكلاء النيابة وأربعة من أعيان المديرية أو عمدها ينتخبهم المدير بشكل نص عنه في القانون (راجع المادتين (2) و(6) من الأمر العالي الصادر في 16 مارس سنة 1895).
والقاعدة المقررة في الفقه الجنائي أن العقوبة التي ينص عنها الشارع في القانون هي التي تكيف نوع الجريمة المرتكبة والمعاقب عليها فإذا كانت الجريمة يعاقب عليها القانون بالإعدام أو الأشغال الشاقة أو السجن فهي جناية وإن كان معاقبًا عليها بالحبس الذي لا يزيد أقصى مدته عن أسبوع أو بالغرامة التي لا يزيد أقصى مقدارها عن جنيه مصري فهي جنحة وإن كان معاقبًا عليها بالحبس الذي لا يزيد أقصى مدته عن أسبوع أو بالغرامة التي لا يزيد أقصى مقدارها عن جنيه مصري فهي مخالفة.
تلك قاعدة عامة نص عنها قانون العقوبات صراحةً ولا يؤثر فيها نقل الشارع الاختصاص من محكمة إلى أخرى فإن تكييف الجريمة لا يبني إلا على العقوبة التي نص الشارع على توقيعها بصرف النظر عن السلطة التي توقعها.
فجرائم الصحف التي تقضي فيها محاكم الجنايات استثناءً لم تخرج عن كونها جنحًا إذ العقوبة المقررة هي عقوبة جنحة - كما أن الجنايات (المجنحة) التي تقضي فيها محاكم الجنح لم تخرج أيضًا عن كونها جنايات ما دامت المادة المطبقة تقضي بعقوبة الجناية.
فلا تأثير إذًا للمحكمة التي نص الشارع بأنها هي توقع العقوبة، إنما العبرة هي بالعقوبة التي نص الشارع في المادة على توقيعها وبها تتكيف الجريمة الواقعة.
هذا هو المبدأ القانوني على أبسط مظاهره.
وقد رأينا أن الأحكام الإدارية السابق ذكرها تقضي بعقوبتي الغرامة التي يزيد أقصى مقدارها عن جنيه مصري واحد وبالحبس الذي يزيد أقصى مدته عن أسبوع فهي إذًا تقضي في جرائم جنح ولا جدال، وتكون تلك الأحكام أحكامًا جنائية بالمعنى القانوني الصحيح.
ويقول العلامة بارتيلمي في كتابه في القانون الإداري صفحة 441 عن اللجان الإدارية الفرنسية التي تشابه لجاننا الإدارية ما يأتي:
C’est au Conseil de préfecture aec appel au Conseil d’Etat, qu’il appartient de connaitre des contraventions de grande voirie. Les Juridictions deviennent par là, dans une certaine mesure, des juridictions répressives.
وقد قررت محكمة النقض الفرنسية هذا المبدأ أيضًا وبنت عليه نتيجة طبيعية له إذ قضت بأن جرائم الطرق الكبرى (Grande Voirie) لها صفة الجنح ولا تسقط إلا بمضي ثلاث سنوات (نقض 18/ 3/ 1895 - داللوز 95/ 1/ 156).
فأحكام اللجان الإدارية هي بناءً على ما تقدم أحكام جنائية حقيقية وتعتبر بالتخصيص صادرة في مواد الجنح.
وبما أنه من المقرر قانونًا أن لما صدر الحكم به جنائيًا قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية فلا يجوز لهذه المحاكم إلا أن تأخذ بما قضت به المحكمة الجنائية فيما يختص بحصول ارتكاب الجريمة واعتبار شخص معين مرتكبًا لها ووصف الجريمة الذي ورد في الحكم الابتدائي.
ذلك هو المبدأ العام ولا سبيل للخروج عليه ويبرره - على ما هو معلوم ولا نتوسع فيه الآن - مجموع نصوص القانون ومتانة نظام الأحكام الجنائية لقيام السلطة العامة التي لديها من وسائل البحث أوسع مما لدى الأفراد بتقديم المجرمين للمحاكمة كما يبرره الغرض المقصود من هذا المبدأ وهو منع التناقض بين الأحكام بصدور أحكام مدنية تقضي في معناها ببراءة أشخاص قضى عليهم جنائيًا إذ أن في ذلك تأثير سيئ على الأحكام الجنائية يثير حولها الريب والشكوك وهي التي يجب أن تكون فوق كل احترام.
وقد أجمع شراح القوانين والمحاكم عامة على هذا المبدأ.
ولنضرب مثلاً صغيرًا عن ذلك من المسائل العادية، فالسارق الذي قضي عليه من المحكمة الجنائية بالعقوبة لا يمكنه أن يقيم الدليل أمام المحاكم المدنية على ملكيته لما حكم عليه جنائيًا لسرقته.
فإذا قضت لجنة الترع والجسور على شخص لأنه بنى مثلاً على جسر من الأملاك العامة بعقوبة ما فهذا الحكم لم تصدره المحكمة الإدارية إلا لما ثبت لها من قيام أركان الجريمة وهي أن هناك:
1 - جسر عام.
2 - أنه قد حصل الاعتداء عليه بالبناء.
و3 - أن المعتدي هو الشخص المعين الذي حكمت عليه المحكمة الإدارية بالعقوبة.
أنه من غير الممكن قانونًا للمحاكم المدنية أن تعيد النظر في تلك النقط الثلاث في حالة ما إذا أدعى المحكوم عليه ملكية ما عوقب من أجل اعتدائه عليه - فلا مندوحة للمحكمة المدنية من التسليم بما قضى به الحكم الجنائي الإداري واعتبار أن الجسر المعتدى عليه هو من الأملاك العامة كما لا سبيل لإثبات عكس ذلك أمام المحكمة المدنية ومحاولة إقامة الدليل على أن الجريمة لم تحصل وأن الجسر ليس من الأملاك العامة لأن ذلك قد تقرر بصفة نهائية بالحكم الإداري الجنائي المذكور.
ولا حاجة للقول بأن القواعد العامة في هذا الباب تقضي بأن سلطة الأحكام الجنائية نافذة على الناس كافة.
لقد طرح مثل هذا الأمر على المحاكم الفرنسية فانتهت بالرأي الذي انتهينا إليه فيما تقدم:
إن عربة للمسيو روزي محملة قمحًا ويقودها المسيو مونيه كانت تخترق جسرًا عامًا فإذا الجسر ينقض تحت ثقل العربة - فتحرر محضر مخالفة ضد صاحبها فقضت اللجنة الإدارية المختصة (Conseil de préfecture) ببراءته لأن حمولة العربة وقت الحادثة لم تكن إلا حمولة قانونية، ولكن أصحاب التزام الجسر Les concessionnaires du pont زعموا أن الحادثة نشأت من أن حمولة العربة كانت زائدة ورفعوا الدعوى المدنية أمام محكمة (انجيه) ضد مالك العربة وسائقها بطلب التعويض فدفع المالك الدعوى بقوة الشيء المحكوم به فقبلت المحكمة المدنية الدفع وقضت بعدم قبول طلب أصحاب الالتزام إثبات أن الحمولة كانت زائدة عن المقرر للعربة.
رفع أصحاب الالتزام استئنافًا عن هذا الحكم وقال لسان الدفاع عنهم إن أحكام اللجان الإدارية ليست في الحقيقة أحكامًا جنائية وأن الدعوى العمومية فيها لا تقام بناءً على طلب النيابة العمومية وأن وظيفة اللجان إنما هي حماية ملكية الحكومة ضد الأضرار المادية التي يمكن أن تصيبها وأن حكم الغرامة ليس هو إلا تعويضًا إلخ…، ولكن محكمة استئناف (انجيه) اعتبرت أن اللجان الإدارية عندما تقضي في مادة الطرق العامة ومرور العربات عليها إنما تقضي كمحاكم قضائية جنائية تحكم في دعوى عمومية action publique وأيدت الحكم الابتدائي بحكمها الصادر في 26 مايو سنة 1864 (يراجع كتاب لاكوست Chose jugée) Lacoste)، نمرة 1389 و1390 و1391).
وقد قال العلامة لاكوست بعد أن ذكر هذه القضية بأن أحكام اللجان الإدارية التي تقضي بالغرامة إنما هي أحكام جنائية وبالتالي فلأحكامها تأثير ضد الغير أمام المحاكم المدنية لأن الغرامة المقضي بها هي عقوبة والدعوى التي تقام لتوقيع عقوبة الغرامة هي دعوى عمومية وأن الأسباب التي تقضي بسلطة الشيء المحكوم به من المحاكم الجنائية العادية أمام المحاكم المدنية متوفرة ويمكن الارتكان عليها في سلطة الأحكام الإدارية ويجب لكليهما نفس النتائج - وفي النهاية يجب التسليم بأن ليس للمحاكم المدنية أن تخالف القرارات التي بنيت على أساسها الأحكام الإدارية إلخ… (يراجع لاكوست نمرة 1392 و1393 و1396).
وقد قرر الأستاذ جيز أيضًا في كتابه في القانون الإداري بأن الأحكام الجنائية الإدارية تربط المحاكم المدنية لأن القاعدة الأساسية لسلطة الشيء المحكوم به تنطبق عليها أيضًا.
La chose jugée par le juge répressif administratif lie le juge civil judiciaire. La règle fondamentale de l’autorité absolue de la chose jugée s’applique aux jugements répressifs. Par exemple la constatiion faite par un conseil de préfecture statuant sur une contravention de grande Voirie a force de vérité légale pour les juges civils judiciaires. (V. Gaston Jèze Page 2326).
ثم لخص الأستاذ القضية التي ذكرها الأستاذ لاكوست وانتهى مؤيدًا حكم محكمة انجيه بقوله:
Cette solution est parfaitement correcte.
فالرأي الفرنسي يتفق مع ما نذهب إليه ويجب بناءً على ذلك التسليم بأن الأحكام الصادرة من اللجان والسلطات الإدارية لها قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية لأنها أحكام جنائية بالمعنى القانوني فإذا قضى على شخص ما مثلاً بعقوبة لاعتدائه بالبناء على جسر عام ورفع ذلك الشخص دعوى الملكية أمام المحاكم المدنية فيجب أن ترفض دعواه عملاً بسلطة الشيء المحكوم به جنائيًا وقد أخذ بهذا الرأي حكم صدر من المحاكم المصرية وهي محكمة أسيوط الابتدائية الأهلية في 11 مايو سنة 1918 فقضى بأن اللجان الإدارية وهي تقضي في مخالفة تصبح في الواقع محكمة تقضي في المخالفات ويجب احترام حكمها من المحاكم المدنية.
قد يعترض على ذلك بأن اللجان الإدارية أو المديرين أو المحافظين ليسوا محل الثقة الكافية في أحكامهم لضعف تشكيلها لأنها مكونة من رجل إداري وهو المدير أو المحافظ وحده أو معه شخص شبيه بالخصم وهو باشمهندس المديرية ومندوب الزراعة أو من ينوب عنها وبعض العمد الذين تعينهم وزارة الداخلية أو المدير.
على أن العبرة ليست بكفاءة الأشخاص الذين يحكمون بل بالقوة التي أعطاها الشارع لأحكامهم والشارع الذي أنشأ المحاكم المدنية والمحاكم الجنائية العادية هو طبعًا نفس الشارع الذي خلق المحاكم الإدارية، فقوة كلاهما سواء لأنها مستمدة من مصدر واحد وهو الشارع ولذلك لا يمكن القول مثلاً بأن ليس لمحاكم الأخطاط وهي مشكلة من الأعيان نفس السلطة القانونية التي لأكبر هيئة قضائية في البلاد.
فبناءً على ما تقدم ينتج أن ليس من شك في أن للأحكام الإدارية قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية ويجب عليها الأخذ بها وعدم القضاء بما يخالفها.
السنة الحادية عشرة - شهر يونيه سنة 1931
بحث في هل للأحكام الإدارية قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية
عبد المجيد سليمان المحامي
مقدمة:
أنشأ المشرع المصري نوعين من المحاكم الجنائية:
1 - المحاكم العادية.
2 - والمحاكم الإدارية.
وتنقسم محاكمنا الإدارية إلى أربعة أقسام:
1/ قسم روعي في إنشائه بعد الجهة التي أوجد فيها وتطرفها مثل محاكم العريش وسيوا والقصير والداخلة والخارجة والصحراء.
2/ وقسم آخر أنشئ لأن الطبيعة النوعية للجريمة ونتائجها تقتضي وجوده مثل لجان الجمارك.
3/ وقسم ثالث أوجد مراعاة لأمور خاصة مثل محاكم الجرائم التي ترتكب ضد رجال جيش الاحتلال ومحكمة جرائم الرقيق.
4/ والقسم الرابع وضع للمحافظة على نظم الزراعة والري، وهما مصدر حياة هذه البلاد ومورد الرزق الأساسي للسواد الأعظم من أهلها، وقد رأى الشارع في تشكيلها ضمانًا أوفى للعناية بمرافق القطر الأساسية بالفصل في الجرائم التي تمسها بطريقة أسرع وهذا القسم اختص بالفصل في الجرائم المنصوص عنها في القوانين الخاصة بفيضان النيل والترع والجسور وري الشراقي والسكك الزراعية وإعدام الجراد وزراعة الدخان.
موضوع بحثنا:
إنا نقصر كلامنا على القسم الرابع من محاكمنا الإدارية، فهل للأحكام التي تصدرها اللجان المشكلة بناءً على قوانين فيضان النيل والترع والجسور وري الشراقي إلخ… قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية مثل ما للأحكام التي تصدرها المحاكم الجنائية العادية.
إن الإجابة على ذلك تقتضي الوقوف على القيمة القانونية لتلك الأحكام.
إن اللجان الإدارية المذكورة مشكلة بناءً على أوامر عالية نص فيها على كيفية تشكيلها وعلى العقوبات التي لها أن توقعها.
فلجان فيضان النيل صدر في شأنها الأمر العالي المؤرخ في 9 سبتمبر سنة 1887، ونصت المادة الرابعة منه على أنها تشكل من المدير أو وكيله ومن اثنين من عمد البلاد ومن مأمور المركز ومن باشمهندس المديرية أو وكيله وتشكل في المحافظات برئاسة المحافظ أو وكيله ومن اثنين من أعيان المدينة ومن مهندس التنظيم أو وكيله، وتنص المادة الثالثة منه على أن للجنة حق الحكم بالحبس من عشرين يومًا إلى ثلاثة أشهر أو بغرامة من مائة قرش إلى ألف قرش، ويجوز استئناف أحكام الحبس أمام لجنة تشكل بمعرفة وزير الداخلية تحت رئاسته أو رئاسة وكيله.
ولجان مخالفات الري صدر بشأنها الأمر العالي في 22 فبراير سنة 1894 الشهير بلائحة الترع والجسور وتقضي المادة (38) بتشكيلها من المدير والباشمهندس أو من ينوب عنه وثلاثة من عمد المديرية تعينهم وزارة الداخلية، وتقضي المواد (32) و(33) و(34) و(35) من اللائحة بعقوبة غرامة تتراوح بين عشرة قروش إلى عشرين جنيهًا وحبس يتراوح بين أربع وعشرين ساعة إلى شهرين، ويجوز استئناف هذه الأحكام إذا كانت صادرة بالحبس أمام لجنة مشكلة من وكيل وزارة الداخلية ومن مستشار ملكي ومن مندوب من وزارة الأشغال العمومية.
ولجان إعدام الجراد صدر عنها الأمر العالي في 16 يونيه سنة 1891 وخول لها حق الحكم بالحبس من عشرة أيام إلى ثلاثين يومًا أو بغرامة من عشرين قرشًا إلى مائتي قرش، وهي مشكلة من المدير أو وكيله ومن مندوب الزراعة واثنين من أعضاء مجلس المديرية، وفي المحافظات من المحافظ أو وكيله والباشمهندس أو مندوبه ومن اثنين من الأعيان يعينهما المحافظ.
أما لجان ري الشراقي فصدر عنها الأمر العالي الرقيم 15 مايو سنة 1903 ويقضي بعقوبة الحبس فيها من خمسة عشر يومًا إلى شهرين أو بغرامة قدرها جنيه مصري واحد إلى عشرين جنيهًا نفس اللجان المنصوص عنها في لائحة الترع والجسور السابق ذكرها.
ثم هنالك الأمر العالي الصادر في 3 نوفمبر سنة 1890 وخاص بالسكك الزراعية ويقضي فيها بغرامة أقصاها خمسة جنيهات ويقضي فيها بغير استئناف مدير المديرية وحده.
ثم الأمر العالي الصادر في 25 يونيه سنة 1890 الخاص بزراعة الدخان ويقضي في جرائمها المدير أو المحافظ وحده.
وإذا كان من خالف ما هو منصوص في تلك الأوامر العالية عمدة أو شيخًا فإنه لا يحاكم أمام اللجان المذكورة بل أمام لجنة الشياخات المشكلة من المدير أو وكيله ومن مندوب عن وزارة الداخلية وأحد وكلاء النيابة وأربعة من أعيان المديرية أو عمدها ينتخبهم المدير بشكل نص عنه في القانون (راجع المادتين (2) و(6) من الأمر العالي الصادر في 16 مارس سنة 1895).
والقاعدة المقررة في الفقه الجنائي أن العقوبة التي ينص عنها الشارع في القانون هي التي تكيف نوع الجريمة المرتكبة والمعاقب عليها فإذا كانت الجريمة يعاقب عليها القانون بالإعدام أو الأشغال الشاقة أو السجن فهي جناية وإن كان معاقبًا عليها بالحبس الذي لا يزيد أقصى مدته عن أسبوع أو بالغرامة التي لا يزيد أقصى مقدارها عن جنيه مصري فهي جنحة وإن كان معاقبًا عليها بالحبس الذي لا يزيد أقصى مدته عن أسبوع أو بالغرامة التي لا يزيد أقصى مقدارها عن جنيه مصري فهي مخالفة.
تلك قاعدة عامة نص عنها قانون العقوبات صراحةً ولا يؤثر فيها نقل الشارع الاختصاص من محكمة إلى أخرى فإن تكييف الجريمة لا يبني إلا على العقوبة التي نص الشارع على توقيعها بصرف النظر عن السلطة التي توقعها.
فجرائم الصحف التي تقضي فيها محاكم الجنايات استثناءً لم تخرج عن كونها جنحًا إذ العقوبة المقررة هي عقوبة جنحة - كما أن الجنايات (المجنحة) التي تقضي فيها محاكم الجنح لم تخرج أيضًا عن كونها جنايات ما دامت المادة المطبقة تقضي بعقوبة الجناية.
فلا تأثير إذًا للمحكمة التي نص الشارع بأنها هي توقع العقوبة، إنما العبرة هي بالعقوبة التي نص الشارع في المادة على توقيعها وبها تتكيف الجريمة الواقعة.
هذا هو المبدأ القانوني على أبسط مظاهره.
وقد رأينا أن الأحكام الإدارية السابق ذكرها تقضي بعقوبتي الغرامة التي يزيد أقصى مقدارها عن جنيه مصري واحد وبالحبس الذي يزيد أقصى مدته عن أسبوع فهي إذًا تقضي في جرائم جنح ولا جدال، وتكون تلك الأحكام أحكامًا جنائية بالمعنى القانوني الصحيح.
ويقول العلامة بارتيلمي في كتابه في القانون الإداري صفحة 441 عن اللجان الإدارية الفرنسية التي تشابه لجاننا الإدارية ما يأتي:
C’est au Conseil de préfecture aec appel au Conseil d’Etat, qu’il appartient de connaitre des contraventions de grande voirie. Les Juridictions deviennent par là, dans une certaine mesure, des juridictions répressives.
وقد قررت محكمة النقض الفرنسية هذا المبدأ أيضًا وبنت عليه نتيجة طبيعية له إذ قضت بأن جرائم الطرق الكبرى (Grande Voirie) لها صفة الجنح ولا تسقط إلا بمضي ثلاث سنوات (نقض 18/ 3/ 1895 - داللوز 95/ 1/ 156).
فأحكام اللجان الإدارية هي بناءً على ما تقدم أحكام جنائية حقيقية وتعتبر بالتخصيص صادرة في مواد الجنح.
وبما أنه من المقرر قانونًا أن لما صدر الحكم به جنائيًا قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية فلا يجوز لهذه المحاكم إلا أن تأخذ بما قضت به المحكمة الجنائية فيما يختص بحصول ارتكاب الجريمة واعتبار شخص معين مرتكبًا لها ووصف الجريمة الذي ورد في الحكم الابتدائي.
ذلك هو المبدأ العام ولا سبيل للخروج عليه ويبرره - على ما هو معلوم ولا نتوسع فيه الآن - مجموع نصوص القانون ومتانة نظام الأحكام الجنائية لقيام السلطة العامة التي لديها من وسائل البحث أوسع مما لدى الأفراد بتقديم المجرمين للمحاكمة كما يبرره الغرض المقصود من هذا المبدأ وهو منع التناقض بين الأحكام بصدور أحكام مدنية تقضي في معناها ببراءة أشخاص قضى عليهم جنائيًا إذ أن في ذلك تأثير سيئ على الأحكام الجنائية يثير حولها الريب والشكوك وهي التي يجب أن تكون فوق كل احترام.
وقد أجمع شراح القوانين والمحاكم عامة على هذا المبدأ.
ولنضرب مثلاً صغيرًا عن ذلك من المسائل العادية، فالسارق الذي قضي عليه من المحكمة الجنائية بالعقوبة لا يمكنه أن يقيم الدليل أمام المحاكم المدنية على ملكيته لما حكم عليه جنائيًا لسرقته.
فإذا قضت لجنة الترع والجسور على شخص لأنه بنى مثلاً على جسر من الأملاك العامة بعقوبة ما فهذا الحكم لم تصدره المحكمة الإدارية إلا لما ثبت لها من قيام أركان الجريمة وهي أن هناك:
1 - جسر عام.
2 - أنه قد حصل الاعتداء عليه بالبناء.
و3 - أن المعتدي هو الشخص المعين الذي حكمت عليه المحكمة الإدارية بالعقوبة.
أنه من غير الممكن قانونًا للمحاكم المدنية أن تعيد النظر في تلك النقط الثلاث في حالة ما إذا أدعى المحكوم عليه ملكية ما عوقب من أجل اعتدائه عليه - فلا مندوحة للمحكمة المدنية من التسليم بما قضى به الحكم الجنائي الإداري واعتبار أن الجسر المعتدى عليه هو من الأملاك العامة كما لا سبيل لإثبات عكس ذلك أمام المحكمة المدنية ومحاولة إقامة الدليل على أن الجريمة لم تحصل وأن الجسر ليس من الأملاك العامة لأن ذلك قد تقرر بصفة نهائية بالحكم الإداري الجنائي المذكور.
ولا حاجة للقول بأن القواعد العامة في هذا الباب تقضي بأن سلطة الأحكام الجنائية نافذة على الناس كافة.
لقد طرح مثل هذا الأمر على المحاكم الفرنسية فانتهت بالرأي الذي انتهينا إليه فيما تقدم:
إن عربة للمسيو روزي محملة قمحًا ويقودها المسيو مونيه كانت تخترق جسرًا عامًا فإذا الجسر ينقض تحت ثقل العربة - فتحرر محضر مخالفة ضد صاحبها فقضت اللجنة الإدارية المختصة (Conseil de préfecture) ببراءته لأن حمولة العربة وقت الحادثة لم تكن إلا حمولة قانونية، ولكن أصحاب التزام الجسر Les concessionnaires du pont زعموا أن الحادثة نشأت من أن حمولة العربة كانت زائدة ورفعوا الدعوى المدنية أمام محكمة (انجيه) ضد مالك العربة وسائقها بطلب التعويض فدفع المالك الدعوى بقوة الشيء المحكوم به فقبلت المحكمة المدنية الدفع وقضت بعدم قبول طلب أصحاب الالتزام إثبات أن الحمولة كانت زائدة عن المقرر للعربة.
رفع أصحاب الالتزام استئنافًا عن هذا الحكم وقال لسان الدفاع عنهم إن أحكام اللجان الإدارية ليست في الحقيقة أحكامًا جنائية وأن الدعوى العمومية فيها لا تقام بناءً على طلب النيابة العمومية وأن وظيفة اللجان إنما هي حماية ملكية الحكومة ضد الأضرار المادية التي يمكن أن تصيبها وأن حكم الغرامة ليس هو إلا تعويضًا إلخ…، ولكن محكمة استئناف (انجيه) اعتبرت أن اللجان الإدارية عندما تقضي في مادة الطرق العامة ومرور العربات عليها إنما تقضي كمحاكم قضائية جنائية تحكم في دعوى عمومية action publique وأيدت الحكم الابتدائي بحكمها الصادر في 26 مايو سنة 1864 (يراجع كتاب لاكوست Chose jugée) Lacoste)، نمرة 1389 و1390 و1391).
وقد قال العلامة لاكوست بعد أن ذكر هذه القضية بأن أحكام اللجان الإدارية التي تقضي بالغرامة إنما هي أحكام جنائية وبالتالي فلأحكامها تأثير ضد الغير أمام المحاكم المدنية لأن الغرامة المقضي بها هي عقوبة والدعوى التي تقام لتوقيع عقوبة الغرامة هي دعوى عمومية وأن الأسباب التي تقضي بسلطة الشيء المحكوم به من المحاكم الجنائية العادية أمام المحاكم المدنية متوفرة ويمكن الارتكان عليها في سلطة الأحكام الإدارية ويجب لكليهما نفس النتائج - وفي النهاية يجب التسليم بأن ليس للمحاكم المدنية أن تخالف القرارات التي بنيت على أساسها الأحكام الإدارية إلخ… (يراجع لاكوست نمرة 1392 و1393 و1396).
وقد قرر الأستاذ جيز أيضًا في كتابه في القانون الإداري بأن الأحكام الجنائية الإدارية تربط المحاكم المدنية لأن القاعدة الأساسية لسلطة الشيء المحكوم به تنطبق عليها أيضًا.
La chose jugée par le juge répressif administratif lie le juge civil judiciaire. La règle fondamentale de l’autorité absolue de la chose jugée s’applique aux jugements répressifs. Par exemple la constatiion faite par un conseil de préfecture statuant sur une contravention de grande Voirie a force de vérité légale pour les juges civils judiciaires. (V. Gaston Jèze Page 2326).
ثم لخص الأستاذ القضية التي ذكرها الأستاذ لاكوست وانتهى مؤيدًا حكم محكمة انجيه بقوله:
Cette solution est parfaitement correcte.
فالرأي الفرنسي يتفق مع ما نذهب إليه ويجب بناءً على ذلك التسليم بأن الأحكام الصادرة من اللجان والسلطات الإدارية لها قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية لأنها أحكام جنائية بالمعنى القانوني فإذا قضى على شخص ما مثلاً بعقوبة لاعتدائه بالبناء على جسر عام ورفع ذلك الشخص دعوى الملكية أمام المحاكم المدنية فيجب أن ترفض دعواه عملاً بسلطة الشيء المحكوم به جنائيًا وقد أخذ بهذا الرأي حكم صدر من المحاكم المصرية وهي محكمة أسيوط الابتدائية الأهلية في 11 مايو سنة 1918 فقضى بأن اللجان الإدارية وهي تقضي في مخالفة تصبح في الواقع محكمة تقضي في المخالفات ويجب احترام حكمها من المحاكم المدنية.
قد يعترض على ذلك بأن اللجان الإدارية أو المديرين أو المحافظين ليسوا محل الثقة الكافية في أحكامهم لضعف تشكيلها لأنها مكونة من رجل إداري وهو المدير أو المحافظ وحده أو معه شخص شبيه بالخصم وهو باشمهندس المديرية ومندوب الزراعة أو من ينوب عنها وبعض العمد الذين تعينهم وزارة الداخلية أو المدير.
على أن العبرة ليست بكفاءة الأشخاص الذين يحكمون بل بالقوة التي أعطاها الشارع لأحكامهم والشارع الذي أنشأ المحاكم المدنية والمحاكم الجنائية العادية هو طبعًا نفس الشارع الذي خلق المحاكم الإدارية، فقوة كلاهما سواء لأنها مستمدة من مصدر واحد وهو الشارع ولذلك لا يمكن القول مثلاً بأن ليس لمحاكم الأخطاط وهي مشكلة من الأعيان نفس السلطة القانونية التي لأكبر هيئة قضائية في البلاد.
فبناءً على ما تقدم ينتج أن ليس من شك في أن للأحكام الإدارية قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية ويجب عليها الأخذ بها وعدم القضاء بما يخالفها.
متى يبدأ ميعاد استئناف الحكم الصادر في مواد الجنح باعتبار المعارضة كأن لم تكن
مجلة المحاماة - العدد العاشر
السنة الثامنة عشرة1938
بحث
متى يبدأ ميعاد استئناف الحكم الصادر في مواد الجنح باعتبار المعارضة كأن لم تكن
درجت النيابة العمومية على عدم إعلان الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن في مواد الجنح إلى المتهم المحكوم عليه بالعقوبة، على اعتبار أن ميعاد استئناف مثل هذا الحكم يبدأ من يوم صدوره فليس ثمة ضرورة لإعلانه، وهى في هذا قد انتحت منحى محكمة النقض والإبرام في حكمها الرقيم 28 نوفمبر سنة 932 المنشور بمجلة المحاماة السنة 13 عدد 7 رقم (404) فقد قرر هذا الحكم أن ميعاد استئناف الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن في الجنح يبدأ من يوم صدور، وأنه لذلك لا ضرورة لإعلانه إلى المتهم.
هذا فيه عنت شديد على الناس، إذا أن السواد الأعظم منهم إذا وقع له هذا نراه ينتظر ورود الإعلان إليه حتى يستأنف الحكم.
ولكن المسكين ينتظر عبثًا حتى يفاجئه النبأ بأنه مطلوب لتنفيذ الحكم عليه، وبأن ميعاد استئناف الحكم الصادر عليه قد انقضى لأن هذا الميعاد كان قد بدأ من يوم صدور الحكم، والقانون يجب أن يكون فيه تيسير على الناس، كما أن تطبيق القانون يجب أن يراعى فيه ذلك.
وقد فرغ علماء القانون من القول بأن القانون إنما وضع لكي يخدم المجتمع، وأنه ما وضع لكي يخدمه المجتمع.
وفي رأينا أن محكمة النقض والإبرام لم تصب محجة الصواب في حكمها السالف الذكر. وكذلك النيابة العمومية في انتحائها هذا المنحى، وسنبدأ بحثنا في هذا بتصوير هذه الحالة في دعوى، ثم نتبعه بأحكام المحاكم في هذا الموضوع، ثم نعقب على ذلك بالبحث.
تصوير الحالة في دعوى
في قضية أمام الجنح المستأنفة
دفعت النيابة العمومية بعدم قبول الاستئناف المقدم من المتهم شكلاً، لرفعه بعد الميعاد، إذا أن المتهم صدر عليه الحكم بالعقوبة من محكمة أول درجة غيابيًا، فعارض فيه، ولم يحضر بجلسة المعارضة فحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن، ومضى بعد ذلك عشرة أيام لم يستأنف المتهم في بحرها، ثم استأنف أخيرًا.
فتقول النيابة إن ميعاد الاستئناف في رأيها يبدأ من يوم صدور الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن ولذلك فلا ضرورة لإعلان الحكم المذكور إليه.
وحيث إن المتهم لم يستأنف في بحر العشرة أيام التالية لصدور الحكم بل استأنف بعد انقضائها بمدة فاستئنافه غير مقبول شكلاً.
هذا القول من النيابة العمومية لا نقرها عليه، ونرى أنه من اللازم إعلان الحكم الصادر في المعارضة، سواء صدر هذا الحكم فاصلاً في الموضوع أو حاكمًا باعتبار المعارضة كأن لم تكن، ثم نرى أن ميعاد استئناف هذا الحكم لا يبدأ إلا من يوم إعلانه إلى المتهم، وما دام أن هذا الإعلان لم يحصل فميعاد الاستئناف يظل مفتوحًا أمام المتهم ولذلك يكون استئناف المتهم في ميعاده ومقبولاً شكلاً، ويتعين بذلك رفض الدفع المقدم من النيابة العمومية.
أحكام المحاكم
أحكام المحاكم متضاربة حول استئناف الحكم الصادر في الجنح باعتبار المعارضة كأن لم تكن وبدء ميعاد استئنافه.
لقد كانت الأحكام في السابق تذهب مذهب النيابة هنا بأن ميعاد الاستئناف إنما يبدأ من يوم صدور الحكم المذكور.
انظر حكم النقض الأهلي في 2 نوفمبر سنة 1901 مج 3 عدد 78.
وانظر حكم النقض الأهلي في 2 إبريل سنة 1912 بالحقوق 28 صـ 29.
وانظر حكم النقض الأهلي في 23 يوليه سنة 1914 مج 15 عدد 116.
وانظر حكم النقض الأهلي في 29 نوفمبر سنة 1918 مج 21 عدد 17.
وانظر حكم النقض الأهلي في 4 ديسمبر سنة 1923 محاماة 4 عدد 557.
وانظر حكم النقض الأهلي في 23 ديسمبر سنة 1926 مج 29 عدد 6.
ثم عدلت الأحكام عن هذا الرأي.
واستقرت مدة طويلة على أن الحكم المذكور لا يبدأ ميعاد استئنافه إلا من تاريخ إعلانه وهو ما نقول به.
انظر حكم النقض الأهلي في 7 مايو سنة 1923 مج 26 عدد 62.
وانظر حكم النقض الأهلي في 5 أكتوبر سنة 1925 محاماة 7 عدد 7.
وانظر حكم النقض الأهلي في 4 يناير سنة 1927 محاماة 7 عدد 486.
وانظر حكم النقض الأهلي في 7 مارس سنة 1927 محاماة 8 عدد 113.
وانظر حكم النقض الأهلي في 11 إبريل سنة 1927 محاماة 8 عدد 210.
وانظر حكم النقض الأهلي في 1 نوفمبر سنة 1927 محاماة 8 عدد 502 ومج 29 عدد 48.
وانظر حكم النقض الأهلي في 2 يناير سنة 1930 محاماة 10 عدد 208.
وانظر حكم النقض الأهلي في 23 يناير سنة 1930 محاماة 11 عدد 3.
ولبثت الأحكام مستقرة على هذا المبدأ إلى سنة 1932.
ففي 28 نوفمبر سنة 1932 أصدرت محكمة النقض حكمًا عدلت به عن هذا ورجعت إلى الرأي القديم بأن ميعاد الاستئناف يبدأ من يوم صدور الحكم (انظر المحاماة سنة 13 العدد السابع رقم 404).
وأصدرت حكمًا آخر بهذا المعنى في 20 فبراير سنة 1933.
(انظر المحاماة سنة 13 العدد العاشر صـ 1182).
وفي هذا الحكم الأخير لم تبحث هذه المسألة بل أحالت في الأسباب على الحكم السابق. ولاستيفاء القول هنا نلفت النظر إلى أن محكمة النقض بحكم صادر منها في 25 يناير سنة 1932 بالمحاماة 13 العدد 1 رقم (4) قررت هذا الرأي، ولكن بحثها كان خاصًا بميعاد الطعن بطريق النقض في حكم صادر من محكمة الاستئناف باعتبار المعرضة كأن لم تكن، وهذا ما يخالف نوعًا ما نحن بصدده.
لذلك نستطيع القول بأن عدول محكمة النقض بحكمها الأخير عن الرأي الذي كانت مستقرة عليه مدة طويلة، هو عدول لم يحز صفة الاستقرار، إذا أن صدور حكم واحد أو اثنين في رأي لا يفيد استقرار القضاء على هذا الرأي، فالمسألة إذا لم تزل محلاً للبحث.
ولكي نبسط البحث بوضوح، يلزمنا أن نلقي الضوء على سائر مناحيه، وذلك بأن نبدأ بذكر أربع حقائق لا بد منها، وهى حقائق يجب التسليم بها قانونًا كما سنرى.
الحقيقة الأولى
إن الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن هو حكم غيابي:
لأن العبرة في اعتبار الحكم حضوريًا أو غيابيًا إِنما هي بحضور المتهم أو غيابه بالجلسة التي تنظر فيها الدعوى وتتم محاكمته فيها، وعلى هذا الإجماع فقهًا وقضاءً.
(انظر المبادئ الأساسية للتحقيقات والإجراءات الجنائية لزكي بك العرابي جزء 2 صـ 301.
وانظر حكم محكمة النقض بالمحاماة 11 عدد 5 صـ 511).
وحتى في حالة وصف الحكم بأنه حضوري فما دام أنه في الواقع لم يكن هناك حضور فالحكم يعتبر غيابيًا.
(انظر استئناف مصر في 5 يناير سنة 1932 بالمحاماة 12 عدد 10 صـ 994).
الحقيقة الثانية
الآن وقد تقرر بأن هذا الحكم يعتبر حكمًا غيابيًا.
فمما لا شك فيه أن المفروض أن المحكوم عليه لا يعلم به بمجرد صدوره، والقول بخلاف هذا لا يستقيم مع مطلقًا ما تقرر من أن هذا الحكم إنما هو حكم غيابي، أما قول محكمة النقض في حكمها الرقيم 28 نوفمبر سنة 1932 المشار إليه في آنفًا كما يأتي:
(… إن من يحكم عليه غيابيًا لأول مرة ثم يعلن إليه الحكم فيعارض فيه فإن القانون أوجب أنه عند معارضته تحدد لنظر دعواه أقرب جلسة ويكلف بالحضور فيها، فهو عند المعارضة يعلم علمًا شخصيًا بالجلسة التي ستنظر فيها معارضته، فإن لم يحضر فيها فهو يعلم أن معارضته ستعتبر كأن لم تكن… إلخ).
هذا القول من محكمة النقض في حكمها السابق الإشارة إليه لا نستطيع مطلقًا أن نوافقها عليه.
لأنه مخالف فيما قرره كل المخالفة للواقع ومخالف أيضًا للقانون، وبيان ذلك.
مخالفته للواقع
الواقع أن المحكوم عليه ولو أنه يعلم بيوم الجلسة التي ستنظر فيها المعارضة إذ أنها تحدد يوم عمل المعارضة وينبه عليه بها طبقًا لنص المادة (163) تحقيق الجنايات التي تقول إن المعارضة تستلزم حتمًا التكليف بالحضور، ولو أنه يعلم ذلك إلا أنه لا يعلم ما يأتي به الغد ولا يسوغ أن نطلب منه أن يعلم ذلك، فهو لا يعلم إن كان سيحضر يوم الجلسة أو يحول بينه وبين ذلك عاد من العوادي، ولا يعلم في حالة غيابه عن الجلسة ماذا عساه يكون، والقول بخلاف ذلك تحميل للواقع بأكثر مما ينبغي، ثم كيف يستقيم منطقيًا القول بعلم شخص بحكم عليه، صدر في غيبته.
مخالفته للقانون
من المبادئ الأساسية في القانون أن الفرد مفروض فيه العلم بالقانون، فليس له أن يحتج بجهله بالقانون. (انظر لائحة ترتيب المحاكم).
ولكن هل مفروض في الفرد العلم بقضاء القاضي.. كلا ثم كلا.
إن الذي نحن هنا بصدده هو قضاء من القاضي باعتبار المعارضة كأن لم تكن، هو حكم صدر بهذا.
والعلم بالأحكام ليس مفروضًا على كل فرد كالعلم بالقانون.
فقول محكمة النقض إن المعارض إن لم يحضر فهو يعلم بأن معارضته ستعتبر كأن لم تكن، هو في الواقع تحتيم على الأفراد بما لم يفرضه القانون.
هو تقرير قاعدة لا وجود لها تخالف القواعد الموجودة المقررة.
هو تسوية بين العلم بالقانون والعلم بقضاء القاضي، وشتان بين الاثنين.
الحقيقة الثالثة
الآن وقد تقرر أن هذا الحكم هو حكم غيابي، وتقرر أن المفروض أن المحكوم عليه لا يعلم به، فمن القواعد الأساسية أنه لا يجوز تنفيذ حكم على محكوم عليه إلا بعد إعلامه به.
تقرر هذا في عدة مواضع في القانون (المواد (112) و(384) مرافعات أهلي ومن مفهوم جميع القوانين والشرائع)، فإذا كان المحكوم عليه حاضرًا فطريقة إعلامه هي النطق بالحكم، وإذا كان غائبًا فهي إعلانه بالحكم.
الحقيقة الرابعة
ويعتبر المحكوم عليه الذي كان غائبًا عالمًا بالحكم في يوم وصول الإعلان إليه.
هذه هي الحقائق الأربع التي أردنا إثباتها بادئ ذي بدء، ولنأخذ في متابعة البحث.
أفضت بنا هذه الحقائق الأربع المتقدمة إلى أن الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن هو حكم غيابي، مفروض فيه أن المحكوم عليه لا يعلم به بمجرد صدوره ولذلك يجب إعلانه.
فمن وصول الإعلان إلى المحكوم عليه تبدأ إجراءاته إزاء هذا الحكم، فتبدأ مواعيد الطعن فيه.
وبحسبان أن هذا الحكم هو حكم غيابي، فأول ما يطرأ على الذهن هو الطعن بالمعارضة فيه ولكنه يصطدم هنا مع المبدأ القائل بعدم جواز المعارضة في حكم مرتين.
(انظر المادة (339) مرافعات أهلي).
إذا فقد أمحى أمامه إمحاء طريق المعارضة، في هذا اليوم وبعبارة القانون تكون المعارضة غير مقبولة من ذلك اليوم.
هنا يتدخل نص المادة (177) تحقيق الجنايات إذ يقول إنه من هذا اليوم من اليوم الذي لا تكون فيه المعارضة مقبولة يبتدئ ميعاد الاستئناف فأمام المحكوم عليه الاستئناف، ويبتدئ ميعاده على ذلك من يوم الإعلان، هذا هو الذي هو الوضع الطبيعي لتفسير المادة (177) تحقيق فقرة (2)، وهو يتمشى تمامًا مع مبادئ القانون الأساسية.
ولو كان الشارع يقصد حقًا أن يكون بدء استئناف هذا الحكم هو يوم صدوره لكان نص على هذا صراحةً ولكنه لم يفعل، بل استثناه من الحالة التي فيها يبدأ الميعاد من يوم صدور الحكم فقال (إلا في حالة صدوره غيابيًا فلا يبتدئ فيما يتعلق بالمتهم إلا من اليوم الذي لا تكون فيه المعارضة مقبولة).
وقد سلمنا فيما سبق أن هذا اليوم هو يوم إعلان المتهم وليس هو اليوم الذي صدر فيه الحكم. إن المواعيد يجب أن يذكرها الشارع دائمًا بعيدة عن كل إيهام، إذ ليس قصد الشارع بتشريعه إعنات الناس والتعمية عليهم، بل التيسير، والتبيين لهم، فلماذا نخرج الأمر الواضح إلى غموض ولبس، لقد كان الحال كذلك بالنسبة للمخالفات إذ كان نص المادة (154 ت ج) الخاصة بالمخالفات مماثلاً لنص المادة (177 ت ج) الخاصة بالجنح، أي تنص على أن ميعاد استئناف المخالفات يبدأ من اليوم التالي لصدور الحكم المستأنف إذا كان الحكم بمواجهة الخصوم وأما إذا كان الحكم غيابيًا فيبدأ من اليوم التالي لانقضاء ميعاد المعارضة.
وهذا النص الخاص بالمخالفات كان موضوعًا في قانون تحقيق الجنايات في سنة 1904 مثله في ذلك نص المادة (177) تمامًا في هذا الصدد، ولكن المشرع رأى بعد ذلك فيما يختص بالمخالفات أن يكون بدء ميعاد الاستئناف في الأحكام الصادرة في المعارضة فيها هو اليوم التالي ليوم صدور الحكم فعمد إلى تعديل نص المادة (154) المذكورة بمرسوم القانون (20) سنة 1928، ونص صراحةً في هذا التعديل على أن الاستئناف يكون في ظرف العشرة أيام التالية لتاريخ النطق بالحكم الصادر في غيبة المعارض أو الحكم بحضوري. إلخ
فسوى هنا بين هذا الحكم والحكم الحضوري من حيث بدء ميعاد الاستئناف في المخالفات بهذا التعديل بالذات الأمر الذي يريده بالنسبة للجنح حكم محكمة النقض السالف الذكر والقائلين بنظرية النيابة بغير نص عليه.
فلو كان قصد الشارع أن يكون الحال كذلك فيما يختص بالجنح فما كان أسهل عليه أن يعدل نص المادة (177) كما عدل المادة (154)، ولكنه لم يفعل هذا في ذاته دليل على أنه لا يقصد ذلك، وأن ما ذهب إليه حكم محكمة النقض بأن بدء ميعاد استئناف الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن في الجنح هو من يوم صدور الحكم مخالف لما قصد إليه الشارع.
والغريب أن حكم محكمة النقض المذكور قد عكس آية المفهوم من ذلك حين ذكر تعديل المادة (154) في مجال التدليل، فقال إن (هذا التعديل الصريح الدلالة هو إذن ترجمة مضبوطة لنص الفقرة الثانية من المادة (177) وكأنه بيان غير مباشر لغرض الشارع منها).
ولا أدري كيف يستقيم هذا أو كيف يقال عن أمر لم يذكره المشرع في موضع بل ذكره في موضع آخر ولحالة خاصة أنه بيان غير مباشر لعرضه في الموضع الذي لم يذكره فيه.
إن المشرع إذا ذكر أمرًا يذكره عن قصد، وإذا أغفل أمرًا فهو يغفله عن قصد وهو قد لجأ إلى التعديل بالنسبة للمخالفات، وأغفل التعديل بالنسبة لمواد الجنح هذا لأنه يريد أن يكون الحال في المخالفات غيره في الجنح، وهذا واضح ثم أنه معقول أيضًا نظرًا للفوارق القانونية العديدة بين الجنح والمخالفات من جهة العقوبات والسوابق، ومن جهة أن المخالفات أقل خطرًا وأهمية من الجنح وأن الواجب أن يفصل فيها على وجه السرعة.
فلو كان الشارع رأى أن نص المادة (154) قبل التعديل يحتمل التأويل الذي يذهب إليه أصحاب نظرية بدء ميعاد الاستئناف من يوم صدور لما كان لجأ إلى تعديل هذه المادة، فنص المادة (177) الذي يماثل نص المادة (154) في هذا الصدد قبل تعديل الأخير يراه المشرع دون شك غير مساعد لأصحاب هذه النظرية على تأويلهم وهو لم يفد له كما عدل مثيله.
فهذا دليل على أن الشارع لا يريد له هذا التأويل وأن هذه النظرية بالنسبة لنص المادة (177) لا تدخل في قصده.
حجة لأصحاب رأينا لا نسلم بها
ورغبةً في استيفاء البحث ليس غير، نذكر هنا حجة لأصحاب الرأي الصحيح في نظرنا السالف بيانه وهي قولهم إن نص المادة (177 ت ج) فقرة (2) لا شأن له بالأحكام الغيابية الصادرة في المعارضة بل هو إنما وضع ليتناول الصورة العادية وهي صورة من يحكم عليه غيابيًا فيفوت على نفسه ميعاد المعارضة التي له هو حق فيها فجاء النص مؤذنًا بأن ميعاد الاستئناف يبتدئ من يوم صيرورة المعارضة غير مقبولة أي لانتهاء ميعادها.
(انظر الموسوعة الجنائية لجندي بك صـ 572 ج 2).
هذه الحجة في ذاتها لا نوافقهم عليها، مع تسليمنا طبعًا بصحة النظرية التي يدافعون عنها لما سبق بيانه لأن هذا في الواقع تخصيص بغير مخصص.
ولأن الشارع عند إصداره قانون تحقيق الجنايات بالأمر العالي الرقيم 14 فبراير سنة 1904 والذي فيه وضع نص الفقرة الثانية من المادة (133) لأول مرة وهو النص القائل باعتبار المعارضة كأن لم تكن إذا لم يحضر المعارض، وضع فيه نص المادة (177) نفسه الذي كان بنصه في القانون القديم قانون سنة 1883 الذي استعيض عنه بقانون سنة 1904 فهذا النص حتمًا هو نص شامل.
هو نص عام شامل فلا يصح الاستثناء منه بغير نص.
محمد زكي نصر المحامي
ببني سويف
السنة الثامنة عشرة1938
بحث
متى يبدأ ميعاد استئناف الحكم الصادر في مواد الجنح باعتبار المعارضة كأن لم تكن
درجت النيابة العمومية على عدم إعلان الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن في مواد الجنح إلى المتهم المحكوم عليه بالعقوبة، على اعتبار أن ميعاد استئناف مثل هذا الحكم يبدأ من يوم صدوره فليس ثمة ضرورة لإعلانه، وهى في هذا قد انتحت منحى محكمة النقض والإبرام في حكمها الرقيم 28 نوفمبر سنة 932 المنشور بمجلة المحاماة السنة 13 عدد 7 رقم (404) فقد قرر هذا الحكم أن ميعاد استئناف الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن في الجنح يبدأ من يوم صدور، وأنه لذلك لا ضرورة لإعلانه إلى المتهم.
هذا فيه عنت شديد على الناس، إذا أن السواد الأعظم منهم إذا وقع له هذا نراه ينتظر ورود الإعلان إليه حتى يستأنف الحكم.
ولكن المسكين ينتظر عبثًا حتى يفاجئه النبأ بأنه مطلوب لتنفيذ الحكم عليه، وبأن ميعاد استئناف الحكم الصادر عليه قد انقضى لأن هذا الميعاد كان قد بدأ من يوم صدور الحكم، والقانون يجب أن يكون فيه تيسير على الناس، كما أن تطبيق القانون يجب أن يراعى فيه ذلك.
وقد فرغ علماء القانون من القول بأن القانون إنما وضع لكي يخدم المجتمع، وأنه ما وضع لكي يخدمه المجتمع.
وفي رأينا أن محكمة النقض والإبرام لم تصب محجة الصواب في حكمها السالف الذكر. وكذلك النيابة العمومية في انتحائها هذا المنحى، وسنبدأ بحثنا في هذا بتصوير هذه الحالة في دعوى، ثم نتبعه بأحكام المحاكم في هذا الموضوع، ثم نعقب على ذلك بالبحث.
تصوير الحالة في دعوى
في قضية أمام الجنح المستأنفة
دفعت النيابة العمومية بعدم قبول الاستئناف المقدم من المتهم شكلاً، لرفعه بعد الميعاد، إذا أن المتهم صدر عليه الحكم بالعقوبة من محكمة أول درجة غيابيًا، فعارض فيه، ولم يحضر بجلسة المعارضة فحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن، ومضى بعد ذلك عشرة أيام لم يستأنف المتهم في بحرها، ثم استأنف أخيرًا.
فتقول النيابة إن ميعاد الاستئناف في رأيها يبدأ من يوم صدور الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن ولذلك فلا ضرورة لإعلان الحكم المذكور إليه.
وحيث إن المتهم لم يستأنف في بحر العشرة أيام التالية لصدور الحكم بل استأنف بعد انقضائها بمدة فاستئنافه غير مقبول شكلاً.
هذا القول من النيابة العمومية لا نقرها عليه، ونرى أنه من اللازم إعلان الحكم الصادر في المعارضة، سواء صدر هذا الحكم فاصلاً في الموضوع أو حاكمًا باعتبار المعارضة كأن لم تكن، ثم نرى أن ميعاد استئناف هذا الحكم لا يبدأ إلا من يوم إعلانه إلى المتهم، وما دام أن هذا الإعلان لم يحصل فميعاد الاستئناف يظل مفتوحًا أمام المتهم ولذلك يكون استئناف المتهم في ميعاده ومقبولاً شكلاً، ويتعين بذلك رفض الدفع المقدم من النيابة العمومية.
أحكام المحاكم
أحكام المحاكم متضاربة حول استئناف الحكم الصادر في الجنح باعتبار المعارضة كأن لم تكن وبدء ميعاد استئنافه.
لقد كانت الأحكام في السابق تذهب مذهب النيابة هنا بأن ميعاد الاستئناف إنما يبدأ من يوم صدور الحكم المذكور.
انظر حكم النقض الأهلي في 2 نوفمبر سنة 1901 مج 3 عدد 78.
وانظر حكم النقض الأهلي في 2 إبريل سنة 1912 بالحقوق 28 صـ 29.
وانظر حكم النقض الأهلي في 23 يوليه سنة 1914 مج 15 عدد 116.
وانظر حكم النقض الأهلي في 29 نوفمبر سنة 1918 مج 21 عدد 17.
وانظر حكم النقض الأهلي في 4 ديسمبر سنة 1923 محاماة 4 عدد 557.
وانظر حكم النقض الأهلي في 23 ديسمبر سنة 1926 مج 29 عدد 6.
ثم عدلت الأحكام عن هذا الرأي.
واستقرت مدة طويلة على أن الحكم المذكور لا يبدأ ميعاد استئنافه إلا من تاريخ إعلانه وهو ما نقول به.
انظر حكم النقض الأهلي في 7 مايو سنة 1923 مج 26 عدد 62.
وانظر حكم النقض الأهلي في 5 أكتوبر سنة 1925 محاماة 7 عدد 7.
وانظر حكم النقض الأهلي في 4 يناير سنة 1927 محاماة 7 عدد 486.
وانظر حكم النقض الأهلي في 7 مارس سنة 1927 محاماة 8 عدد 113.
وانظر حكم النقض الأهلي في 11 إبريل سنة 1927 محاماة 8 عدد 210.
وانظر حكم النقض الأهلي في 1 نوفمبر سنة 1927 محاماة 8 عدد 502 ومج 29 عدد 48.
وانظر حكم النقض الأهلي في 2 يناير سنة 1930 محاماة 10 عدد 208.
وانظر حكم النقض الأهلي في 23 يناير سنة 1930 محاماة 11 عدد 3.
ولبثت الأحكام مستقرة على هذا المبدأ إلى سنة 1932.
ففي 28 نوفمبر سنة 1932 أصدرت محكمة النقض حكمًا عدلت به عن هذا ورجعت إلى الرأي القديم بأن ميعاد الاستئناف يبدأ من يوم صدور الحكم (انظر المحاماة سنة 13 العدد السابع رقم 404).
وأصدرت حكمًا آخر بهذا المعنى في 20 فبراير سنة 1933.
(انظر المحاماة سنة 13 العدد العاشر صـ 1182).
وفي هذا الحكم الأخير لم تبحث هذه المسألة بل أحالت في الأسباب على الحكم السابق. ولاستيفاء القول هنا نلفت النظر إلى أن محكمة النقض بحكم صادر منها في 25 يناير سنة 1932 بالمحاماة 13 العدد 1 رقم (4) قررت هذا الرأي، ولكن بحثها كان خاصًا بميعاد الطعن بطريق النقض في حكم صادر من محكمة الاستئناف باعتبار المعرضة كأن لم تكن، وهذا ما يخالف نوعًا ما نحن بصدده.
لذلك نستطيع القول بأن عدول محكمة النقض بحكمها الأخير عن الرأي الذي كانت مستقرة عليه مدة طويلة، هو عدول لم يحز صفة الاستقرار، إذا أن صدور حكم واحد أو اثنين في رأي لا يفيد استقرار القضاء على هذا الرأي، فالمسألة إذا لم تزل محلاً للبحث.
ولكي نبسط البحث بوضوح، يلزمنا أن نلقي الضوء على سائر مناحيه، وذلك بأن نبدأ بذكر أربع حقائق لا بد منها، وهى حقائق يجب التسليم بها قانونًا كما سنرى.
الحقيقة الأولى
إن الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن هو حكم غيابي:
لأن العبرة في اعتبار الحكم حضوريًا أو غيابيًا إِنما هي بحضور المتهم أو غيابه بالجلسة التي تنظر فيها الدعوى وتتم محاكمته فيها، وعلى هذا الإجماع فقهًا وقضاءً.
(انظر المبادئ الأساسية للتحقيقات والإجراءات الجنائية لزكي بك العرابي جزء 2 صـ 301.
وانظر حكم محكمة النقض بالمحاماة 11 عدد 5 صـ 511).
وحتى في حالة وصف الحكم بأنه حضوري فما دام أنه في الواقع لم يكن هناك حضور فالحكم يعتبر غيابيًا.
(انظر استئناف مصر في 5 يناير سنة 1932 بالمحاماة 12 عدد 10 صـ 994).
الحقيقة الثانية
الآن وقد تقرر بأن هذا الحكم يعتبر حكمًا غيابيًا.
فمما لا شك فيه أن المفروض أن المحكوم عليه لا يعلم به بمجرد صدوره، والقول بخلاف هذا لا يستقيم مع مطلقًا ما تقرر من أن هذا الحكم إنما هو حكم غيابي، أما قول محكمة النقض في حكمها الرقيم 28 نوفمبر سنة 1932 المشار إليه في آنفًا كما يأتي:
(… إن من يحكم عليه غيابيًا لأول مرة ثم يعلن إليه الحكم فيعارض فيه فإن القانون أوجب أنه عند معارضته تحدد لنظر دعواه أقرب جلسة ويكلف بالحضور فيها، فهو عند المعارضة يعلم علمًا شخصيًا بالجلسة التي ستنظر فيها معارضته، فإن لم يحضر فيها فهو يعلم أن معارضته ستعتبر كأن لم تكن… إلخ).
هذا القول من محكمة النقض في حكمها السابق الإشارة إليه لا نستطيع مطلقًا أن نوافقها عليه.
لأنه مخالف فيما قرره كل المخالفة للواقع ومخالف أيضًا للقانون، وبيان ذلك.
مخالفته للواقع
الواقع أن المحكوم عليه ولو أنه يعلم بيوم الجلسة التي ستنظر فيها المعارضة إذ أنها تحدد يوم عمل المعارضة وينبه عليه بها طبقًا لنص المادة (163) تحقيق الجنايات التي تقول إن المعارضة تستلزم حتمًا التكليف بالحضور، ولو أنه يعلم ذلك إلا أنه لا يعلم ما يأتي به الغد ولا يسوغ أن نطلب منه أن يعلم ذلك، فهو لا يعلم إن كان سيحضر يوم الجلسة أو يحول بينه وبين ذلك عاد من العوادي، ولا يعلم في حالة غيابه عن الجلسة ماذا عساه يكون، والقول بخلاف ذلك تحميل للواقع بأكثر مما ينبغي، ثم كيف يستقيم منطقيًا القول بعلم شخص بحكم عليه، صدر في غيبته.
مخالفته للقانون
من المبادئ الأساسية في القانون أن الفرد مفروض فيه العلم بالقانون، فليس له أن يحتج بجهله بالقانون. (انظر لائحة ترتيب المحاكم).
ولكن هل مفروض في الفرد العلم بقضاء القاضي.. كلا ثم كلا.
إن الذي نحن هنا بصدده هو قضاء من القاضي باعتبار المعارضة كأن لم تكن، هو حكم صدر بهذا.
والعلم بالأحكام ليس مفروضًا على كل فرد كالعلم بالقانون.
فقول محكمة النقض إن المعارض إن لم يحضر فهو يعلم بأن معارضته ستعتبر كأن لم تكن، هو في الواقع تحتيم على الأفراد بما لم يفرضه القانون.
هو تقرير قاعدة لا وجود لها تخالف القواعد الموجودة المقررة.
هو تسوية بين العلم بالقانون والعلم بقضاء القاضي، وشتان بين الاثنين.
الحقيقة الثالثة
الآن وقد تقرر أن هذا الحكم هو حكم غيابي، وتقرر أن المفروض أن المحكوم عليه لا يعلم به، فمن القواعد الأساسية أنه لا يجوز تنفيذ حكم على محكوم عليه إلا بعد إعلامه به.
تقرر هذا في عدة مواضع في القانون (المواد (112) و(384) مرافعات أهلي ومن مفهوم جميع القوانين والشرائع)، فإذا كان المحكوم عليه حاضرًا فطريقة إعلامه هي النطق بالحكم، وإذا كان غائبًا فهي إعلانه بالحكم.
الحقيقة الرابعة
ويعتبر المحكوم عليه الذي كان غائبًا عالمًا بالحكم في يوم وصول الإعلان إليه.
هذه هي الحقائق الأربع التي أردنا إثباتها بادئ ذي بدء، ولنأخذ في متابعة البحث.
أفضت بنا هذه الحقائق الأربع المتقدمة إلى أن الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن هو حكم غيابي، مفروض فيه أن المحكوم عليه لا يعلم به بمجرد صدوره ولذلك يجب إعلانه.
فمن وصول الإعلان إلى المحكوم عليه تبدأ إجراءاته إزاء هذا الحكم، فتبدأ مواعيد الطعن فيه.
وبحسبان أن هذا الحكم هو حكم غيابي، فأول ما يطرأ على الذهن هو الطعن بالمعارضة فيه ولكنه يصطدم هنا مع المبدأ القائل بعدم جواز المعارضة في حكم مرتين.
(انظر المادة (339) مرافعات أهلي).
إذا فقد أمحى أمامه إمحاء طريق المعارضة، في هذا اليوم وبعبارة القانون تكون المعارضة غير مقبولة من ذلك اليوم.
هنا يتدخل نص المادة (177) تحقيق الجنايات إذ يقول إنه من هذا اليوم من اليوم الذي لا تكون فيه المعارضة مقبولة يبتدئ ميعاد الاستئناف فأمام المحكوم عليه الاستئناف، ويبتدئ ميعاده على ذلك من يوم الإعلان، هذا هو الذي هو الوضع الطبيعي لتفسير المادة (177) تحقيق فقرة (2)، وهو يتمشى تمامًا مع مبادئ القانون الأساسية.
ولو كان الشارع يقصد حقًا أن يكون بدء استئناف هذا الحكم هو يوم صدوره لكان نص على هذا صراحةً ولكنه لم يفعل، بل استثناه من الحالة التي فيها يبدأ الميعاد من يوم صدور الحكم فقال (إلا في حالة صدوره غيابيًا فلا يبتدئ فيما يتعلق بالمتهم إلا من اليوم الذي لا تكون فيه المعارضة مقبولة).
وقد سلمنا فيما سبق أن هذا اليوم هو يوم إعلان المتهم وليس هو اليوم الذي صدر فيه الحكم. إن المواعيد يجب أن يذكرها الشارع دائمًا بعيدة عن كل إيهام، إذ ليس قصد الشارع بتشريعه إعنات الناس والتعمية عليهم، بل التيسير، والتبيين لهم، فلماذا نخرج الأمر الواضح إلى غموض ولبس، لقد كان الحال كذلك بالنسبة للمخالفات إذ كان نص المادة (154 ت ج) الخاصة بالمخالفات مماثلاً لنص المادة (177 ت ج) الخاصة بالجنح، أي تنص على أن ميعاد استئناف المخالفات يبدأ من اليوم التالي لصدور الحكم المستأنف إذا كان الحكم بمواجهة الخصوم وأما إذا كان الحكم غيابيًا فيبدأ من اليوم التالي لانقضاء ميعاد المعارضة.
وهذا النص الخاص بالمخالفات كان موضوعًا في قانون تحقيق الجنايات في سنة 1904 مثله في ذلك نص المادة (177) تمامًا في هذا الصدد، ولكن المشرع رأى بعد ذلك فيما يختص بالمخالفات أن يكون بدء ميعاد الاستئناف في الأحكام الصادرة في المعارضة فيها هو اليوم التالي ليوم صدور الحكم فعمد إلى تعديل نص المادة (154) المذكورة بمرسوم القانون (20) سنة 1928، ونص صراحةً في هذا التعديل على أن الاستئناف يكون في ظرف العشرة أيام التالية لتاريخ النطق بالحكم الصادر في غيبة المعارض أو الحكم بحضوري. إلخ
فسوى هنا بين هذا الحكم والحكم الحضوري من حيث بدء ميعاد الاستئناف في المخالفات بهذا التعديل بالذات الأمر الذي يريده بالنسبة للجنح حكم محكمة النقض السالف الذكر والقائلين بنظرية النيابة بغير نص عليه.
فلو كان قصد الشارع أن يكون الحال كذلك فيما يختص بالجنح فما كان أسهل عليه أن يعدل نص المادة (177) كما عدل المادة (154)، ولكنه لم يفعل هذا في ذاته دليل على أنه لا يقصد ذلك، وأن ما ذهب إليه حكم محكمة النقض بأن بدء ميعاد استئناف الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن في الجنح هو من يوم صدور الحكم مخالف لما قصد إليه الشارع.
والغريب أن حكم محكمة النقض المذكور قد عكس آية المفهوم من ذلك حين ذكر تعديل المادة (154) في مجال التدليل، فقال إن (هذا التعديل الصريح الدلالة هو إذن ترجمة مضبوطة لنص الفقرة الثانية من المادة (177) وكأنه بيان غير مباشر لغرض الشارع منها).
ولا أدري كيف يستقيم هذا أو كيف يقال عن أمر لم يذكره المشرع في موضع بل ذكره في موضع آخر ولحالة خاصة أنه بيان غير مباشر لعرضه في الموضع الذي لم يذكره فيه.
إن المشرع إذا ذكر أمرًا يذكره عن قصد، وإذا أغفل أمرًا فهو يغفله عن قصد وهو قد لجأ إلى التعديل بالنسبة للمخالفات، وأغفل التعديل بالنسبة لمواد الجنح هذا لأنه يريد أن يكون الحال في المخالفات غيره في الجنح، وهذا واضح ثم أنه معقول أيضًا نظرًا للفوارق القانونية العديدة بين الجنح والمخالفات من جهة العقوبات والسوابق، ومن جهة أن المخالفات أقل خطرًا وأهمية من الجنح وأن الواجب أن يفصل فيها على وجه السرعة.
فلو كان الشارع رأى أن نص المادة (154) قبل التعديل يحتمل التأويل الذي يذهب إليه أصحاب نظرية بدء ميعاد الاستئناف من يوم صدور لما كان لجأ إلى تعديل هذه المادة، فنص المادة (177) الذي يماثل نص المادة (154) في هذا الصدد قبل تعديل الأخير يراه المشرع دون شك غير مساعد لأصحاب هذه النظرية على تأويلهم وهو لم يفد له كما عدل مثيله.
فهذا دليل على أن الشارع لا يريد له هذا التأويل وأن هذه النظرية بالنسبة لنص المادة (177) لا تدخل في قصده.
حجة لأصحاب رأينا لا نسلم بها
ورغبةً في استيفاء البحث ليس غير، نذكر هنا حجة لأصحاب الرأي الصحيح في نظرنا السالف بيانه وهي قولهم إن نص المادة (177 ت ج) فقرة (2) لا شأن له بالأحكام الغيابية الصادرة في المعارضة بل هو إنما وضع ليتناول الصورة العادية وهي صورة من يحكم عليه غيابيًا فيفوت على نفسه ميعاد المعارضة التي له هو حق فيها فجاء النص مؤذنًا بأن ميعاد الاستئناف يبتدئ من يوم صيرورة المعارضة غير مقبولة أي لانتهاء ميعادها.
(انظر الموسوعة الجنائية لجندي بك صـ 572 ج 2).
هذه الحجة في ذاتها لا نوافقهم عليها، مع تسليمنا طبعًا بصحة النظرية التي يدافعون عنها لما سبق بيانه لأن هذا في الواقع تخصيص بغير مخصص.
ولأن الشارع عند إصداره قانون تحقيق الجنايات بالأمر العالي الرقيم 14 فبراير سنة 1904 والذي فيه وضع نص الفقرة الثانية من المادة (133) لأول مرة وهو النص القائل باعتبار المعارضة كأن لم تكن إذا لم يحضر المعارض، وضع فيه نص المادة (177) نفسه الذي كان بنصه في القانون القديم قانون سنة 1883 الذي استعيض عنه بقانون سنة 1904 فهذا النص حتمًا هو نص شامل.
هو نص عام شامل فلا يصح الاستثناء منه بغير نص.
محمد زكي نصر المحامي
ببني سويف
إدارة قضايا الحكومة ماضيها ونظامها ومستقبلها
مجلة المحاماة - العدد الثامن والتاسع
السنة الرابعة - مايو ويونيه 1924
إدارة قضايا الحكومة ماضيها ونظامها ومستقبلها
محاضرة ألقاها جناب المسيو بيولا كازللي المستشار الملكي لرئاسة مجلس الوزراء ورئيس لجنة قضايا الحكومة [(1)]
معربة بقلم حضرة الأستاذ يوسف بك قسيس النائب بقسم قضايا الداخلية
أيها السادة:
علم أحد أصدقائي بموضوع محاضرتي هذه فسألني قائلاً: أيترافع قلم القضايا عن قلم القضايا ؟ أو كما جاء في الأمثال الرومانية (يدافع شيشرون عن أهل بيته ؟!!!) [(2)].
وفي الواقع أن هذه الملاحظة فيها شيء من الحق لأني سأتكلم حتمًا عن الخدمات التي أدتها أقلام القضايا وتؤديها الآن لمصلحة الحكومة، ولكن الغرض الأساسي الذي أتوخاه من هذه المحاضرة إنما هو سد نقص بدا لي في مباحث القانون الإداري المصري، ذلك لأني لم أجد حتى هذه اللحظة بحثًا أو على الأقل تقريرًا رسميًا عن نظام أقلام قضايا الحكومة، ويلوح لي أن هناك فائدة إن لم أقل ضرورة في الفترة السياسية الحاضرة من إحاطة الرأي العام علمًا بنظام هذه المصلحة، أو بعبارة أخرى رأيت من الواجب إرشاد القابضين على أزمة الأمور إلى كيفية تسيير هذا الفرع الذي يمكن اعتباره أداة مهمة في دولاب الحكومة، وعلى كل حال فأني استسمحكم عذرًا عن شدة تعلقي بهذه المصلحة العريقة التي أراني مخلصًا لها كل الإخلاص.
أولاً: نشأة إدارة قضايا الحكومة:
كانت سنة 1875 وكانت حكومة الخديو إسماعيل في ذلك العهد قد تمكنت بعد جهاد ثماني سنوات من التغلب على المعارضة وعلى العقبات السياسية التي كانت تضعها في طريقها الدول صاحبة الامتيازات.
وفي 28 يونيو من تلك السنة احتفل سمو الخديو بافتتاح المحاكم المختلطة في سراي رأس التين الفخمة بالإسكندرية وبذلك وضع أساس من أسس مدنية مصر الحديثة التي سجلها التاريخ.
وما كاد صدى هذا الاحتفال يغيب عن الأذهان حتى استدعت الحكومة الخديوية إلى مصر أربعة من المتشرعين الأجانب لوضع أساس نظام آخر هو نظام لجنة مستشاري الحكومة بقصد تكميل نظام المحاكم المختلطة وأني أرغب في تسجيل أسماء المؤسسين لإدارة قضايا الحكومة وهم:
أولاً: المسيو كازمير أرا (Casimir Ara) أحد النواب سابقًا ووكيل وزارة في إيطالية.
ثانيًا: المسيو إداورد كلبر (Edward Kelber)المحامي والعضو في الحزب الإيطالي المستقل عن دالماسيا.
ثالثًا: المسيو أنطوان ماري بيتري (Antoine - Marie Pitri) القاضي في قنصلية فرنسا سابقًا والمندوب الفرنسي في اللجنة الدولية التي تشكلت سنة 1869 لتأسيس المحاكم المختلطة وقد كان للمسيو بيتري المذكور وللمسيو كازمير أرا اليد الطولى في تنظيم إدارة قضايا الحكومة.
رابعًا: المسيو هونوريه أوغست بونييه (Honoré Auguste Pougnet) الأفوكاتو العمومي أمام محكمة النقض والإبرام بباريس الذي انسحب بعد زمن قليل.
وقد عين هؤلاء الأربعة بصفة مؤقتة في سنة 1875، وفي يناير سنة 1876 أي في الفترة التي انقضت بين حفلة افتتاح المحاكم المختلطة وبين انعقاد جلساتها الأولى صدر دكريتو خديوي تاريخه 27 من الشهر المذكور قضى بتأييد تعيين هؤلاء المستشارين وبتحديد اختصاصات اللجنة.
وديباجة هذا الدكريتو لا تخلو من الفائدة التاريخية، وقد تنوه فيها بالقضايا التي كانت معلقة بين الحكومة والأجانب وهي التي كلفت اللجنة بفحصها.
على أن السبب الخاص الذي دعا إلى إنشاء تلك الهيأة الجديدة كان أبعد مدى وشاملاً للمستقبل والماضي معًا.
هذا السبب يرجع إلى تطبيق المادة العاشرة من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة لأنها قضت بأن الحكومة ومصالحها ودوائر سمو الخديوي وأفراد عائلته يكونون خاضعين لقضاء هذه المحاكم في المنازعات مع الأجانب.
والحق يقال إن المحاكم المختلطة ولو أنها تأسست على نظام مأخوذ جوهره من القانون الفرنسي إلا أنها اضطرت أن تحيد عن هذا القانون فيما يتعلق بالمنازعات بين الحكومة المصرية والأجانب، وقد استعيض عن النظام الفرنسي الذي يقضي بإيجاد محاكم إدارية بالنظام الإيطالي الذي يقضي بطرح مثل هذه المنازعات أمام المحاكم العادية، وقد تحددت هذه الطريقة في المادة (11) من لائحة الترتيب، وهذه المادة مستمدة من القانون الإيطالي الصادر في 20 مارس سنة 1865، وبذلك أصبحت هذه المحاكم المشكلة من قضاة أغلبهم أجانب ترشحهم الدول صاحبة الامتيازات مختصة بالفصل في القضايا القائمة بين الحكومة المصرية والمصالح ودوائر سمو الخديو وأفراد عائلته وبين الأجانب التابعين للدول المشار إليها، ولا يصعب علينا والحالة هذه أن نتبين مخاوف الحكومة وقتئذٍ من حيث نتيجة تلك المنازعات، فكان من الطبيعي أن تقدر الحكومة أهمية الدفاع عنها أمام القضاء المختلط وخطورة هذا الدفاع.
ويقيم من ثنايا ديباجة دكريتو سنة 1876 إن الدوائر الرسمية كانت توجس خيفة من الحالة الجديدة فقد جاء في هذه الديباجة ما يأتي:
وحيث إن الحكومة أصبحت بمقتضى (المادة العاشرة) من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة، خاضعة للمحاكم الجديدة في معاملاتها القضائية مع الأجانب وأنه يتعين أن يكون الدفاع عنها أمام هذه المحاكم قائمًا على أساس متين.
وحيث إنه قد أنشئت لجنة لهذا الغرض مشكلة من كل من المسيو كازمير أرا والمسيو، إدوارد كلبر والمسيو أنطوان ماري بيتري، والمسيو هونوريه أوغست بونييه.
وحيث إنه في إدارة صوالح الحكومة القضائية لا يقل أمر اجتناب القضايا أهمية عن الدفاع فيها إذا لم يمكن اجتنابها.
وحيث إنه والحالة هذه يتعين تكليف مستشاري الحكومة علاوة على الاستشارات بالحضور عن الحكومة أمام المحاكم والدفاع عنها في القضايا إلخ.
وإذ قد أصبحت السلطة التنفيذية خاضعة للسلطة القضائية في الأمور الماسة بحقوق الأفراد زعمًا أو حقًا بسبب عمل من أعمال الإدارة فصار من الضروري إيجاد هيأة مشابهة للنظام الإيطالي المعروف باسم avvocatura erariale يعهد إليها في الدفاع عن الحكومة أمام القضاء.
وبالنظر إلى المستوى العالي الذي وضعت فيه المحاكم المختلطة وإلى تشكيلها الدولي وإلى الصعاب الناشئة عنه اضطرت الحكومة إلى وضع هيأة الدفاع عنها في مرتبة معادلة وإلى جعل تشكيلها مماثلاً لتشكيل المحاكم التي كلفت هذه الهيئة بالمرافعة أمامها.
ويؤخذ في الواقع من نصوص الدكريتو ومن قرار تنفيذه الصادر في ذات التاريخ من وزير الحقانية (رياض باشا) بمقتضى أمر كريم من سمو الخديو كما يؤخذ من قيمة المرتبات المخصصة لمستشاري الحكومة إن هؤلاء المستشارين جعلوا مماثلين من حيث الدرجات والمرتبات لمستشاري محكمة الاستئناف المختلطة وهم الذين كانوا في ذاك العهد في أعلى درجات الوظائف العمومية بعد الوزراء.
وقد كان هؤلاء المستشارون الأجانب يوظفون كقضاة المحاكم المختلطة بعقد لمدة خمس سنوات وهي المدة المحددة للمحاكم المذكورة وكانوا كالقضاة أيضًا يحضرون الجلسات بالاسطمبولية والطربوش والشارات الرسمية أعني الوسام والرصيعة [(3)]
ولم تقف الحكومة عند هذا الحد فقد جاء في ديباجة الدكريتو الصادر في سنة 1876 ما يأتي:
وحيث إن مستشاري الحكومة لا يتسنى لهم القيام بما عهد إليهم من الأعمال بصفة مرضية إلا إذا كان يعطي لهم ملء الاستقلال الشخصي.
وحيث إنه يتعين إذن جعل لجنة المستشارين هيأة مستقلة إلخ لذلك فصلت اللجنة عن الإدارة الحكومية العامة وجعلت هيأة مستقلة تحت إدارة وزير الحقانية [(4)]، وكانت تخاطب الوزارات ومصالح الحكومة بوساطة هذا الوزير، أما الهيئات القضائية فقد كانت اللجنة تخاطبها مباشرةً [(5)].
وكانت اللجنة حائزة لأتم ما يكون من الاستقلال من وجهة أعمالها الداخلية فكان يرأسها أحد المستشارين شهريًا وبالتناوب [(6)]، وهذا الرئيس كان يمضي المكاتبات ويراقب توزيع الأعمال وكان له بوجه عام أن يتخذ الإجراءات اللازمة لتنظيم أعمال الإدارة [(7)]، على أن الرئيس لم يكن له حق التقدم على زملائه ولم يكن له حق إبداء الرأي في قرارات اللجنة إلا في حالة تساوي الأصوات [(8)].
وقد وضع نظام دقيق يكفل لكل مستشار حرية تصرفه الشخصي مع المحافظة على التضامن بين الجميع، فكل مستشار كان مقررًا للمسألة التي كانت تحال عليه، وإذا كانت المسألة من النوع القضائي أو كان موضوعها إحدى القضايا القديمة التي كانت مرفوعة بواسطة القنصليات فالمقرر كان يحرر صيغة الرأي المتفق على إبدائه بعد المداولة مع باقي المستشارين وكان يوقع عليه مع الرئيس [(9)].
أما إذا لم تكن المسألة من النوع القضائي فكان الرأي يحرر بمعرفة المقرر ويوقع عليه من أعضاء اللجنة جميعًا [(10)]، وفي حالة ما يكن الرأي بالإجماع فقد كان محتمًا ذكر رأي الأقلية في المحضر مع بيان الأسباب التي ارتكنت عليها [(11)].
ولما كان يقتضي الحال متابعة إحدى المسائل أمام اللجان أو المحاكم أو محكمة الاستئناف فكان المقرر يكلف بها ولكن زملاءه كانوا يقومون بمساعدته في الجلسة في كافة الأحوال التي كان يرى فيها ضرورة هذه المساعدة بالنسبة لظروف القضية، وبعد أن تحصل مداولة خاصة في الأمر [(12)]، وكان مصرحًا للجنة أن تستعمل في المكاتبات الرسمية اللغة الفرنسية أو اللغة الإيطالية [(13)]، ولم يكن اختصاص أعضاء اللجنة يقف عند حد المرافعة عن الحكومة أمام المحاكم بل أنهم كانوا المحامين المستشارين للحكومة كما كانوا محاميها المترافعين.
والمادة الثانية من دكريتو سنة 1876 تقضي في هذا الصدد بأن اختصاصات أعضاء اللجنة كهيئة استشارية هي إبداء آراء مبنية على الأسباب القانونية المحضة بشأن وثائق الالتزامات والعقود ومقاولات الأشغال العمومية وغيرها مما يرتبط بمصالح الدولة المالية ويكون مدعاة للتقاضي وبوجه عام بشأن أي مسألة أخرى ترى الحكومة عرضها عليها لأجل درسها.
وبالرغم من أن هذه الاختصاصات كانت واسعة بهذا المقدار فإن موظفي اللجنة كانوا قليلين جدًا فاللجنة لم يكن لها من المساعدين سوى نائب أو اثنين مكلفين على الأخص بمتابعة الإجراءات أمام المحاكم [(14)]، وكذلك لم يكن للجنة من العمال الإداريين والكتبة سوى سكرتير وسكرتير مساعد وبعض المستخدمين [(15)]، وكان من المحتم أن النواب أيضًا يكونون من الأجانب الحائزين للشروط القانونية الواجب توفرها في بلادهم للمرافعة أمام المحاكم أو للتوظف في القضاء [(16)].
وإذا شئتم أن تكونوا لكم فكرة محسوسة عن الدائرة الضيقة التي كانت تعمل فيها تلك اللجنة القديمة فما عليكم إلا التوجه إلى وزارة الحقانية فإنكم تجدون على يسار المدخل في حديقة الوزارة بناءً صغيرًا لا يزال باقيًا إلى الآن وفيه بعض حجرات قليلة وهذا البناء كان مقر لجنة مستشاري الحكومة من سنة 1876 لسنة 1880.
ثانيًا: إدارة قضايا لحكومة في سنة 1924:
مضى نصف قرن والشجيرة مدت جذورًا عميقة ضخمة، وقد نمت نموًا عظيمًا، ونبتت لها فروع متعددة، ولا أظن مصلحة من مصالح الحكومة نمت مثل هذا النمو الهائل وهاكم بعض إحصائيات وبعض بيانات:
إن إدارة قضايا الحكومة مكونة اليوم من ثمانية مستشارين ملكيين وخمسة مستشارين ملكيين مساعدين وسبعة نواب أول وأحد عشر نائبًا وستة وأربعين محاميًا وأربعين مندوبًا والإدارة تشمل أيضًا فئة من العمال الكتابيين لا يقل عددهم عن تسعة وستين مستخدمًا وميزانية إدارة القضايا كما يتضح من أرقام سنة 923 - 924 مقدرة بمبلغ 90799 جنيهًا مصريًا.
وفي سنة قضائية واحدة هي سنة (1922 - 1923) مثلت إدارة القضايا المصالح العمومية أمام المحاكم في 9362 قضية منها 1179 قضية أمام المحاكم المختلطة و8183 قضية أمام المحاكم الأهلية.
أما العمل القانوني الإداري الذي قامت به إدارة القضايا من تحضير العقود أو مراجعتها من حيث الشكل القانوني ومن إبداء الفتاوى للمصالح فلا يقل عن العمل القضائي بل ربما زاد عليه، وليس في وسعي إعطاء إحصائيات كاملة واضحة ولكن رغبةً في أن يكون لديكم فكرة تقريبية عن هذا النوع من العمل أقول إن أقلام القيد في أقسام القضايا السبعة وفي نيابة قضايا الإسكندرية تقيد سنويًا مكاتبات لا يقل عددها عن المائة وخمسين ألفًا بين صادرة وواردة، ودفترخانات هذه الأقسام تنشئ سنويًا من عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف دوسيه وهذه المجموعات الهائلة من الأوراق ثلثاها على الأقل نتيجة العمل القانوني الإداري الذي حدثتكم عنه، ومئات الآراء القانونية التي تصدر يومًا من أقسام قضايا الحكومة لا تستدعي كلها طبعًا علمًا وبحثًا كبيرين ولكنها تشرف من الوجهة القانونية على الأعمال التي تقوم بها كافة فروع الحكومة كبيرها وصغيرها من رئاسة مجلس الوزراء إلى أصغر فرع إداري في أصغر قرية من قرى القطر.
أما العمل الذي يمكن التعبير عنه من الوجهة الفنية بأنه عمل تشريعي أعني تحضير مشروعات القوانين والمراسيم والقرارات واللوائح والمنشورات أو مراجعتها فهو أيضًا عمل جسيم جدًا، وليس في وسعي هنا أن أقدم لكم إحصائيات كاملة ويكفي أن أذكر بأن اللجنة التشريعية في سنة 1922 - 1923 قد فحصت أو راجعت خمسة وخمسين من مشروعات القوانين والمراسيم والقرارات، فضلاً عن مشروعي الدستور وقانون الانتخاب، مع العلم بأن هذا العمل لا يقدر على الأرجح بربع العمل التشريعي في إدارات قضايا الحكومة، لأن عددًا وافرًا من المشروعات الأقل أهمية لا تطرح على اللجنة التشريعية، وقد نتج عن ازدياد اختصاصات لجنة قضايا الحكومة وتكاثر العمل فيها إن اتسعت الحدود التي رسمت في الأصل لهذه اللجنة، ولو أن صورتها الأولى بقيت على ما هي عليه، فلجنة قضايا الحكومة لا زالت موجودة ولكن أعضاءها أصبحوا وكل منهم يدير قسمًا مستقلاً اختص بالأعمال القضائية لوزارة أو أكثر، ومركز هذا القسم غالبًا في إحدى الوزارات وأقسام القضايا الحالية هي:
1 - قسم قضايا وزارات المالية والمعارف والزراعة.
2 - قسم قضايا الداخلية.
3 - قسم قضايا الحقانية.
4 - قسم قضايا الخارجية.
5 - قسم قضايا الأشغال والحربية.
6 - قسم قضايا المواصلات.
7 - قسم القضايا المختلطة.
8 - نيابة قضايا الحكومة بالإسكندرية وهي تعادل في الأهمية أحد الأقسام المذكورة ويشغل أحد المستشارين الملكيين منصب المستشار لرئاسة مجلس الوزراء وهو بصفة مستديمة رئيس للجنة قضايا الحكومة.
والقانون نمرة (1) لسنة 1923 الذي نظم أخيرًا أعمال قضايا الحكومة يقضي في المادة الثالثة منه بأن تكون إدارة قضايا الحكومة هيأة واحدة ملحقة بوزارة المالية.
وهذا القانون قد حدد اختصاصات كل من المستشارين ولجنة القضايا ورئيسها بالكيفية الآتية:
كل قسم يديره مستشار ملكي [(17)] على أن لجنة قضايا الحكومة تتولى المراقبة والإشراف على موظفي إدارة القضايا وعلى أعمالهم [(18)]، وبذلك انتهى تتبع لجنة القضايا لوزير الحقانية وأصبحت مستقلة تمام الاستقلال، واللجنة مختصة أيضًا بالإفتاء في الأمور الآتية:
1 - في كل مسألة يرى أحد الوزراء استفتاءها فيها بالنظر لأهميتها أو لأنها تعني وزارتين أو أكثر، ولو أن قسمًا من أقسام القضايا أو مأمورية يكون قد تولى بحث تلك المسألة من قبل.
2 - في كل مسألة عرضتها إحدى الوزارات أو المصالح على قسم من أقسام القضايا أو مأمورية لدرسها ويرى رئيس ذلك القسم أو تلك المأمورية أن يتعرف رأي اللجنة فيها [(19)]، وينوب رئيس لجنة القضايا عن اللجنة في صلاتها بالمصالح، وتكون له الإدارة العليا على هيئة القضايا مع عدم الإخلال بسلطة المستشارين الملكيين الذين يديرون الأقسام المختلفة وبالاختصاصات المخولة للجنة نفسها طبقًا للأحكام المتقدمة [(20)].
وأهم ما أتى به القانون نمرة (1) الصادر في سنة 1923 أنه صبغ بالصبغة الرسمية الطور النهائي الذي وصلت إليه إدارة قضايا الحكومة من حيث تشكيلها ونظام موظفيها، وقد تم هذا التطور بشكل ظاهر ملموس، ففي الأصل وفي السنوات الأولى من نشأتها كانت إدارة قضايا الحكومة مشكلة من رجال قانون أوروبيين ليس إلا، وقد انقضى أكثر من أربعين سنة كانت فيها وظائف المستشارين والنواب وقفًا على الأجانب ما عدا بعض استثناءات نادرة جدًا، ومعظم هؤلاء المتشرعين الأجانب كانوا فرنساويين وإيطاليين وبصفة خاصة من أهالي جزيرة كورسكا (Corses) أو من مقاطعة البيامونتيه (Piemontai) وهم مشهورون بالصلابة وحب المناضلة ولا يخلون من المهارة السياسية، وممن شرفوا إدارتنا رجال أمثال بيتري وروكاسيرا وموريوندو وبرناردي.
حصل بعد ذلك أن دخل العنصر الإنكليزي في اللجنة وأدخل معه فيها معلومات من الفائدة بمكان في بعض المسائل الإدارية والتشريع الجنائي، وكان هذا العنصر بمثابة حلقة اتصال بكبار الموظفين البريطانيين [(21)].
ولكن حدث في وقت من الأوقات كما سنبينه فيما يلي أن اجتمع تحت إدارة مستشاري الحكومة الأجانب ونوابها الأجانب أيضًا عدد من رجال القانون المصريين وهذا العدد أخذ يتزايد شيئًا فشيئًا في كل قسم من الأقسام التي أنشئت فيما بعد ونظرًا لعدم وجود وظائف فنية مناسبة أدرج هؤلاء الموظفون في الوظائف الكتابية العامة أعني في وظائف الكتبة ووكلاء الأقلام ورؤساء الأقلام ووكلاء الإدارات ونظار الإدارات ثم أنشئ فيما بعد عدد قليل من وظائف نواب القضايا لمكافأة بعض الموظفين الأقدمين في الخدمة الذين استحقوا هذه الترقية، وقد روعي جعل تلك الوظائف من فئة مخصوصة لتمييزها عن وظائف النواب التي كانت مقصورة على المساعدين الأجانب للمستشارين.
وأصبحت إدارة قضايا الحكومة تحت إدارة المتشرعين الأجانب وبمساعدة موظفين فنيين من المصريين ازداد عددهم على توالي الأيام بمثابة مدرسة نشأ وتدرب فيها عدد وافر من الشبان المصريين الذين شغلوا فيما بعد أعلى المناصب في الإدارة والحكومة وكثير من رؤساء مجلس الوزراء والوزراء قد بدأوا حياتهم الإدارية في أقسام القضايا [(22)].
على أن الدرجات الإدارية التي كان يوضع فيها الموظفون الفنيون من المصريين لم تكن بالبداهة أمرًا مألوفًا، ولكن اقترحت في لجنة الامتيازات إصلاحًا عموميًا مبنيًا على فكرة تنظيم هيئة فنية خاصة لإدارة قضايا تكون مماثلة (كما هي الحالة في إيطاليا) بهيئة أعضاء النيابة وهي فئة أخرى من محامي الحكومة ينبئ تاريخ إنشائها في فرنسا أنها كانت تدافع أيضًا في قضايا الحكومة المدنية وإن كانت تقتصر الآن على المرافعة في القضايا الجنائية.
والقانون نمرة (1) لسنة 1923 قد أدخل هذا الإصلاح إذ جاء في المادة السادسة منه ما يأتي:
(تؤلف إدارة القضايا من المستشارين الملكيين ومساعدي المستشارين الملكيين يعاونهم الموظفون الفنيون الآتي بيانهم:
- النواب الأول.
- النواب.
- المحامون.
- المندوبون.
ويسوي هؤلاء الموظفون الفنيون فيما يتعلق بالمرتبة والمرتبات برجال النيابة الأهلية، وذلك بحسب ما يقرره مجلس الوزراء من القواعد بناءً على عرض وزير المالية متفقًا مع وزير الحقانية ويكون في كل قسم أيضًا موظفون للأعمال الكتابية.
وفي هذا الترتيب الجديد تلاشت وظائف نواب المستشارين أو بعبارة أخرى أصبحوا مستشارين ملكيين مساعدين، على أنهم يشغلون منصبًا أعلى فهم يعينون الآن بمرسوم ويمكنهم القيام مقام المستشارين سواء في لجنة قضايا الحكومة التي يكونون حينئذٍ أعضاء فيها أو في اللجنة التشريعية وفي كافة اللجان الإدارية أو التأديبية التي يكون مقررًا وجود مستشار ملكي بين أعضائها.
ولما إن كان إصلاح هيئة إدارة القضايا قد تم في الوقت الحاضر الذي انتقلت فيه أعمال الحكومة إلى أيدي المصريين فالنتيجة هي أن الموظفين الأجانب لا يكون لهم في إدارة قضايا الحكومة في أول إبريل المقبل إلا نصف وظائف المستشارين الملكيين ووظيفة مستشار ملكي مساعد واحدة ووظيفة نائب أول واحدة وليس لهم أي وظيفة أخرى في سلك الوظائف الفنية ويحتمل خروج هؤلاء الأجانب القلائل بالكلية بعد مضي ثلاث سنوات.
ثالثًا: اتساع إدارة قضايا الحكومة في الفترة بين سنة 1876 وسنة 1924:
أما الأسباب التي أدت إلى اتساع نطاق الأعمال في إدارة قضايا الحكومة هذا الاتساع العظيم فأنى سأجتهد في استقرائها بين ثنايا تاريخ الإدارة المصرية ونفسية الشعب المصري.
1 - اتساع أعمال الدفاع أمام المحاكم:
يؤخذ من إحصائية السنة الأولى القضائية للمحاكم المختلطة (سنة 1876 - 1877) إن عدد القضايا المدنية في تلك السنة بلغ 10113 قضية بينما أن عدد تلك القضايا في سنة 1922، وسنة 1924 وصل إلى 70333 قضية وبديهي أن هذه الزيادة ترجع إلى زيادة عدد الأهالي ونمو الثروة العمومية إلخ.
وهذه الأسباب نفسها تؤدي أيضًا إلى ازدياد عدد القضايا الخاصة بالحكومة والموكول الدفاع فيها أمام تلك المحاكم إلى إدارة القضايا على أنه لا يمكن القول بأن قضايا الحكومة كانت دائمًا تزداد بنفس النسبة التي كان يزداد بها عدد القضايا في القطر المصري وبالعكس لما حصلت تصفية القضايا العديدة التي كانت قائمة بين الحكومة أو دوائر الأمراء وبين الأجانب في السنين الأولى لإنشاء المحاكم المختلطة أصبحت نسبة الزيادة في قضايا الحكومة أقل من ذي قبل [(23)].
وفي الواقع أن واجب الدفاع عن صوالح الحكومة المصرية أمام المحاكم المختلطة أصبح اليوم أقل صعوبة مما كان يتوقع عند إنشاء تلك المحاكم.
وفي وسعي أن أكرر هنا رأيًا سبق أن أبديته منذ اثني عشرة سنة في بحث عن المحاكم المختلطة [(24)].
قلت إن المحاكم المختلطة لم تكن على الإطلاق محاكم قنصلية موحدة كما كانت تريد أن تعتبرها الدول صاحبة الامتيازات، فإن هذه المحاكم قد فطنت إلى واجبات العدل شأن الهيئات القضائية فأصبحت بفضل هذا التأثير المحمود محاكم مصرية بالمعنى الصحيح وأثبتت أن تتويج أحكامها باسم سمو الخديوي لم يكن مجرد مسألة شكلية وكذلك الحال في قضايا الحكومة فإن أولئك القضاة الأوروبيين وعلى الأخص من كان منهم ذا تربية لاتينية كانوا يأتون من بلادهم باسمى فكرة عن الحكومة وطبيعتها وما لها من الحقوق وبذلك كانوا يسهلون علينا مهمة الدفاع عن الحكومة.
على أنا كثيرًا ما اضطررنا إلى الجهاد العنيف في ميدان المحاكم المختلطة سواء لتضييق دائرة رقابة تلك المحاكم على الأعمال الإدارية المنصوص عليها في المادة (11) من لائحة الترتيب توصلاً إلى المحافظة على سلطة المحكمة المطلقة المشروعة أو لتخفيف وطأة القيود العديدة الناشئة عن الامتيازات رغبةً في تمكين الحكومة من زيادة إيرادات الضرائب ومن توسيع نطاق الأعمال العمومية أو لصيانة الخزانة العامة من مناورات قضائية كان يقوم بها بعض الأفاكين وخربي الذمة ومما يحسن ذكره أن تكاثر اللوائح الإدارية التي تسري على الأجانب بمقتضى دكريتو 31 يناير سنة 1889 المصدق عليه من الدول صاحبة الامتيازات كان من ورائه زيادة العبء على إدارة القضايا إذ أصبحت مكلفة بتمثيل الحكومة كمدعية بحق مدني في قضايا المخالفات.
وهناك نظام قضائي أكثر أهمية كان له نصيب وافر في توسيع دائرة أعمال الدفاع عن الحكومة أمام القضاء ففي سنة 1883 أنشئت المحاكم الأهلية على أساس مماثل للمحاكم المختلطة وقد خولت هذه المحاكم أيضًا حق النظر في القضايا القائمة بين الحكومة أو دوائر الأمراء وبين الأهلين فكان من اللازم والحالة هذه تنظيم الدفاع عن الحكومة أمام هذه المحاكم ولكن هل كان ممكنًا أن يعهد في هذا الدفاع إلى لجنة قضايا الحكومة المشكلة من متشرعين أجانب يجهلون اللغة العربية وهي اللغة الرسمية للمحاكم الجديدة ؟ كان يظهر أن هذا يصعب تحقيقه ولكنه تحقق فعلاً فإنه يتضح من ديباجة الدكريتو الصادر سنة 1884 تنظيم أقلام قضايا الحكومة أن غرض المشرع كان توحيد نظام الدفاع أمام المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية [(25)]، ولكني أميل إلى الاعتقاد بأن هذا العمل كان مبنيًا على سبب آخر هو الثقة التي نالتها إدارة قضايا الحكومة والتي حصل الاعتراف بها صراحةً بمناسبة إصدار دكريتو 16 أكتوبر سنة 1880 الذي رتب لأول مرة أقسام قضايا الحكومة [(26)] بيد أن لجنة القضايا المشكلة من أجانب لم يكن في وسعها إلا الإشراف على الدفاع عن الحكومة أمام المحاكم الأهلية وكان عليها إذن أن تعين مصريين تقوم بتدريبهم على الإجراءات القضائية والمرافعات وبذلك بدأ دخول العنصر المصري في إدارة القضايا وقد ازداد هذا العنصر تدريجًا حتى أوجب تغيير النظام الأول لإدارة القضايا تغييرًا كليًا.
2 - اتساع العمل الإداري:
زاد العمل الإداري في أقسام القضايا زيادة أكبر من زيادة الأعمال القضائية ويرجع سبب هذه الزيادة إلى أسباب بعضها مماثل وبعضها مغاير للأسباب السابق بيانها ومعلوم أن من اختصاصات أقسام القضايا بمقتضى عبارة الدكريتو الصادر سنة 1876 إبداء الآراء المبنية على الأسباب القانونية المحضة بشأن وثائق الالتزامات والعقود ومقايسات الأشغال العمومية وغيرها مما يرتبط بمصالح الحكومة المالية ويكون مدعاة للتقاضي وبوجه عام بشأن أي مسألة أخرى ترى الحكومة عرضها عليها لأجل درسها.
ومما يجدر ملاحظته أن مكانة أعضاء لجنة قضايا الحكومة وخبرتهم في النظم الإدارية الأوروبية وحيادهم التام في المشاكل السياسية، كل هذا أكسبهم ثقة مصالح الحكومة واجتذب لهم عطفها واعتبارها وكان من وراء ذلك أن اتسع نطاق الآراء التي تبديها أقسام القضايا بحيث أصبح شاملاً لكل فرع من فروع الإدارات العمومية بما فيها مسائل الأحوال الشخصية وهي تبدو لأول وهلة أنها ليست مما يوكل أمر النظر فيها إلى متشرعين أوروبيين.
ولما كانت المهمة القانونية الملقاة على عاتق أقسام القضايا قد بلغت هذا الحد كان من المحتم زيادة عدد الموظفين الفنيين المصريين الموجودين تحت إدارة المستشارين في مختلف الأقسام وزيادة عدد الأقسام المذكورة أن المصلحة العامة تقتضي عمل مجموعة للآراء التي أبداها مستشارو قضايا الحكومة مدة نصف قرن في مختلف المسائل الإدارية المتضمنة مبادئ هامة، فإن مجموعة كهذه لو نشرت لكانت مرشدًا قيمًا لرجال الإدارة ولجمعت بين دفتيها القواعد الصحيحة للقانون الإداري المصري.
وهناك انتقاد يمكن توجيهه إلى فتاوى إدارة القضايا فإنا والحق يقال كنا نتجاوز أحيانًا حدود مهمتنا القانونية بأن كنا نضمن تلك الفتاوى عدا الأسباب القانونية المحضة التي ننوه بها في لائحتنا النظامية أسبابًا أخرى تمس موضوع المسألة الإدارية المطروحة علينا.
ولكن هي الضرورة كانت تلجئنا إلى هذا فإنه لم يكن في وسعنا غض النظر بالكلية عن أغلاط واضحة كان يوشك أن يرتكبها ضد المصلحة العامة إداريون جاءوا حديثًا من إنجلترا تعوزهم الخبرة عن أحوال أهالي البلاد أو بعض رجال الإدارة المصريين ممن كنا نتوسم الريبة في إجراءاتهم ومن جهة أخرى لم يكن في وسعنا أن نتجنب دائمًا الإجابة على استفتاء بعض المديرين المجتهدين الذين كانوا يلجأون إلينا من مراكز مديرياتهم القاصية متلمسين لدينا رأيًا يخرجهم من مآزق إدارية وقعوا فيها وفضلاً عن ذلك فإن مصالح الحكومة نفسها كثيرًا ما دفعت أقلام القضايا إلى تعدي اختصاصها بما كان لها من فرط الثقة فيها أو لكونها غالبًا ما تخلط بين الوجهتين القانونية والإدارية للمسألة الواحدة.
على أن آراء قسم القضايا لم تكن مقيدة للحكومة وكنا نتوخى دائمًا في بسط ملاحظاتنا إلى المصالح التمييز بين الوجهة الإدارية والوجهة القانونية.
ولقد سبق إلى القول بأن جميع فروع الحكومة كانت تتطلب مساعدة أقسام القضايا حتى أن مسائل تأديب الموظفين رُئي من الضروري اشتراك أقلام القضايا فيها وفي الواقع تنص اللوائح المعمول بها على جلوس المستشار الملكي أو مساعده في مجالس التأديب العليا وأحيانًا يرأس المستشار الملكي المساعد مجلس التأديب الابتدائي [(27)].
وكذلك كانت لجنة القضايا تشترك بواسطة عضو أو أكثر من أعضائها في أكثر المجالس واللجان المؤقتة أو المستديمة مصرية كانت أو دولية وسواء أنشئت لمساعدة الإدارة في بعض الأعمال أو في إيجاد حل لمسائل مخصوصة أو لتحضير مشروعات إصلاحية.
3 - اتساع الأعمال التشريعية:
وأهم اللجان التي اشتركت فيها إدارة القضايا وتشترك فيها الآن هي اللجنة الاستشارية للتشريع ولمعرفة أصل إنشاء هذه اللجنة يتعين الرجوع إلى القانون النظامي الصادر في سنة 1883 الذي أدخل لأول مرة في مصر نظامًا مشابهًا للنظام البرلماني.
فالدكريتو أو القانون الصادر في أول مايو سنة 1883 قد أنشأ بجانب مجالس المديريات ومجلس الشورى والجمعية العمومية أداة أخرى سماها مجلس شورى الحكومة وقد صدر بتنظيم هذا المجلس أمر عالٍ بتاريخ 22 سبتمبر من السنة عينها.
وقد نص عن تقسيم هذا المجلس إلى قسمين (قسم تحضير القوانين واللوائح وعليه تحضير وتحرير مشروعات القوانين والأوامر المتعلقة بالمصلحة العمومية)، (وقسم الإدارة وعليه أن يعطي رأيه في كافة المسائل المتعلقة بالمصلحة العمومية وفي غير ذلك من المسائل التي تبعثها إليه نظار دواوين الحكومة للبحث فيها)، وقد نص أيضًا عن تشكيل مجلس الحكومة من خمسة أعضاء دائمين يعينهم سمو الخديوي ومن المستشار المالي ومن وكلاء النظارات الثمانية ومن عدد وافر من كبار الموظفين وأخيرًا من رؤساء أقسام قضايا الحكومة الثلاثة.
ولا شك في أن إنشاء مجلس شورى الحكومة هذا كان إصلاحًا كبير الأهمية وقد نسج في إنشائه على منوال الهيئات المماثلة في البلاد الأوروبية وكان إتمام تشكيله يؤدي إلى فتح صحيفة جديدة في تاريخ إدارة القضايا لأنه كان من شأنه أن يقوم مقام إدارة القضايا في جزء عظيم من الأعمال الموكولة إليها والتي كلفت بعدئذٍ كما سنبينه فيما يلي.
ولكن أسبابًا سياسية حالت دون إتمام هذا الإصلاح فإن وزارة الخارجية البريطانية عارضت في إنشاء مجلس شورى الحكومة، ولذلك صدر دكريتو بتاريخ 13 فبراير سنة 1884 بإيقاف أعماله.
على أن إلغاء هذه الأداة الإدارية لم يتكفل بإلغاء الضرورة التي أحوجت إليها ولا شك في أن الحاجة إليها كانت ماسة كل المساس من حيث الأعمال التشريعية بدليل أن نفس الدكريتو الصادر بالإلغاء قضى بطلب مساعدة موظف اختصاصي في تلك الأعمال.
هذا الموظف الاختصاصي كان البارون إدارود كلر (Edward Keller) وهو نفس الشخص الذي نجده بين المؤسسين الأربعة للجنة مستشاري الحكومة.
والمادة الثانية من الدكريتو الصادر بإيقاف عمل مجلس شورى الحكومة قضت بما يأتي:
(ثانيًا الدكتور إداورد كلر بصفته مستشارًا للحكومة ملحق برئاسة مجلس نظارنا، ويكلف بتحرير مشروعات القوانين، والدكريتات واللوائح.
ولكن ظهر بعد زمن قصير أن عبء هذه الوظيفة كان ثقيلاً على كاهل شخص بمفرده وربما كان في ذلك أيضًا ما يدعو للشبهة خصوصًا وأن هذا الشخص كان تابعًا لدولة أجنبية.
وفعلاً لم يمضِ شهران على ذلك حتى رئي الرجوع إلى الفكرة الأصلية بإنشاء مجلس شورى للحكومة بشكل مقتضب أو بعبارة أخرى غير ظاهر فقد أعيد تنظيم قسم تحضير القوانين واللوائح والحق بلجنة قضايا الحكومة مع تعديل في تشكيله وبذلك تألفت اللجنة الاستشارية للتشريع وهو الاسم الجديد الذي أعطي للجنة التي بعثت من رفات مجلس شورى الحكومة، قضت المادة (12) من الأمر العالي الصادر في 20 إبريل سنة 1884 بتنظيم إدارة قضايا الحكومة بما يأتي:
(لا يجوز تقديم أي قانون أو أمر عالٍ أو لائحة لمجلس النظار إلا بعد النظر فيها بمعرفة القضايا بالاشتراك مع وكيل نظارة الحقانية ووكيل النظارة ذات الشأن ومن يعينه المجلس من موظفي الحكومة وتقتصر اللجنة الاستشارية التشريعية المؤلفة على هذا النمط على وضع الصيغة القانونية للمشروع المعروض عليها وبعد أن تتحقق مطابقته للقوانين المرعية الإجراء.
مضت اثنتا عشرة سنة من سنة 1884 إلى سنة 1896 ولجنة التشريع باقية بتشكيلها الأصلي ولكن سياسة الاحتلال نمت في خلال ذلك وتأيدت فيما يتعلق بالمواد القانونية بازدياد سلطة المستشار القضائي في وزارة الحقانية فكان من الطبيعي أن المستشار القضائي يمد دائرة نفوذه على الفرع المخصص لمراجعة مشروعات القوانين وقد تم له ذلك بحكم الدكريتو الصادر في 25 يناير سنة 1896 فقد قضت المادة الأولى من الدكريتو المذكور بأن (اللجنة الاستشارية لسن القوانين واللوائح المنصوص عنها في المادة الثانية عشرة من الأمر المشار إليه (أي الأمر الصادر في 20 إبريل سنة 1884) تشكل بالكيفية الآتية:
(ناظر الحقانية - رئيس - المستشار القضائي - أحد المستشارين الخديويين - ناظر مدرسة الحقوق الخديوية - وكيل النظارة المقدمة منها مشروع القانون أو اللائحة أعضاء - ولمستشار الداخلية الحق في الحضور كلما رأى أن لهذه النظارة علاقة بالمشروع وللجنة في كل الأحوال أن تستدعي باقي أعضاء لجنة قضايا الحكومة).
وبهذه الكيفية تحولت لجنة التشريع من أداة في إدارة قضايا الحكومة إلى لجنة من لجان وزارة الحقانية كان يجلس فيها كثير من الموظفين البريطانيين ومستشار واحد من لجنة القضايا ولكن بعد مضي ست سنوات أخذت لجنة القضايا بثأرها فإن الدكريتو الصادر في 17 مايو سنة 902 الذي أعاد تنظيم اللجنة الاستشارية وهو الدكريتو المعمول به الآن قد دعا جميع أعضاء لجنة القضايا إلى الاشتراك في أعمال لجنة التشريع وألغي اشتراك وكيل الوزارة صاحبة الشأن ومستشار وزارة الداخلية [(28)].
ويتضح مما تقدم أن لجنة قضايا الحكومة كانت في ذلك العهد تكون نصف أعضاء اللجنة الاستشارية وقد ازدادت هذه النسبة بعد سنين قلائل بازدياد عدد المستشارين الخديويين حتى أصبحوا هم الأغلبية في اللجنة.
وإذا لاحظتم ما هو معهود في محامي الحكومة وهم مستشارو أقسام القضايا من الميل الشديد إلى المناقشة ولا أقول من العلم والخبرة فإنكم تتبينون ماهية نفوذهم في اللجنة التشريعية.
ومما يجب معرفته أن دكريتو تنظيم هذه اللجنة يجعل الحكومة حرة في عرض مشروعات القوانين عليها ولكنها في الواقع تعرض عليها كافة مشروعات القوانين والدكريتات التي فيها شيء من الأهمية.
وهنا يحسن استقصاء ما للجنة الاستشارية من الاختصاص فإن ذلك لا يخلو من الفائدة خصوصًا وأن الرأي العام بل والإدارة نفسها كثيرًا ما أشكل عليها أمر تحديد هذا الاختصاص فتارة كانت تعترف للجنة بسلطة تشريع حقيقية وطورًا كانت تقتصر اختصاصها على تصحيح العبارات القانونية المستعملة في مشروعات القوانين وفي أوقات المشاكل السياسية كان يهمس أحيانًا بأن اللجنة قد تستعمل وظيفتها على حسب مقتضيات المصلحة السياسية وبهذا تكون ستارًا للوزراء الذين لا يجسرون على أن يتحملوا مباشرة مسؤولية بعض الإجراءات وبديهي أن هذا التعريض لا أساس له بالكلية ولكن من المؤكد أن عمل اللجنة ذو أهمية كبرى.
سبق لنا القول بأن الدكريتو الصادر بإنشاء اللجنة يقضي بأن يقتصر على وضع المشروع في الصيغة القانونية إلا أن عبارة الصيغة لا يمكن بالطبع أن يفهم منها مجرد الألفاظ أو التحرير القانوني أعني استعمال العبارات المخصصة قانونًا للتعبير عن فكرة المشرع فإن هذا العمل يقوم به عادةً قسم القضايا الذي ساعد المصلحة في تحضير المشروع وغير معقول في الجهة الأخرى تكليف لجنة لما ما لها من الأهمية بمراجعة الشكل فقط.
لذلك توسعنا في تأويل تلك العبارة.
كل قانون يرمي إلى تحقيق مصلحة معينة عامة أو خاصة بإعطاء هذه المصلحة صنعة (الحق) بمعنى أنه يجعلها موضوع علاقة قانونية مكفولة بعقوبة مدنية أو جنائية يحصل تطبيقها بمعرفة المحاكم.
والمصلحة العامة أو الخاصة المقصود تحقيقها هي عبارة عن موضوع القانون في حين أن العلاقة القانونية التي تنطوي عليها هذه المصلحة هي في نظرنا ما أراد الدكريتو التعبير عنه بالصيغة القانونية.
وإذن تختص اللجنة فضلاً عن مراجعة العبارات القانونية المستعملة بالنظر أيضًا فيما إذا كانت المصلحة المقصودة يمكن تحقيقها بوسائل قانونية وإذا كانت الوسائل القانونية المقترحة تتمشى مع الأغراض المتوخاة وأخيرًا إذا كانت هذه الوسائل لا تتعارض مع علاقات قانونية أخرى أعني مع حقوق منصوص عليها في قوانين أخرى ونص الدكريتو يؤيد صراحةً اختصاص اللجنة في النقطة الأخيرة إذ أنه يقضي بأن (تجعل اللجنة نصوص المشروع ملائمة للقوانين المتبعة)، وقد فسرنا عبارة (القوانين المتبعة) بأنها تقابل عبارة التشريع المعمول به وهي عبارة تشمل بالبداهة المبادئ والقواعد التي وإن لم تكن مكتوبة بالنص في القوانين إلا أنها مما يستنتجه المتشرعون في القوانين أو المبادئ القانونية العامة أو من العرف وبذلك تمكنا من الدفاع عن القانون المصري ومن ترقيته وتنسيقه باطراد مع أن هذا القانون في الفترة السياسية التي اجتزناها كانت تحوطه أخطار داهمة تهدده بالخروج عن دائرة مصريته.
هذه السلطة الواسعة التي رأينا استعمالها بدون أن نتخطى حدود مهمتنا كرجال القانون كان من شأنها إجراء تعديلات كبيرة في المشروعات التي طرحت علينا للبحث بل إلى التقرير أحيانًا بعدم إمكان قبول تلك المشروعات كلية ولم نكن نجهل دقة المسؤولية في هذا العمل، ولذلك كلما بدت لنا مسألة موضوعية هامة لها بعض لارتباط بالمسألة القانونية أو بصفة عامة وبصرف النظر عن المسألة القانونية لما أن كان يتراءى لنا ضرورة إدخال بعض تعديلات أو إضافات جوهرية كنا نقتصر على أن نعرض للوزير المسؤول عن المشروع بعض اقتراحات كان بطبيعة الحال حرًا في الأخذ بها أو عدم الأخذ [(29)].
وأثناء مراجعة مشروعي الدستور وقانون الانتخاب كثيرًا ما لجأنا إلى طريقة الاقتراحات التي أدت إلى تعديلات حصل التعليق على بعض منها بشدة في الصحافة غير أنه ليس هنا محل الكلام عنها، ولكني أقرر وأنا مرتاح الضمير أن اللجنة لما كانت تقضي بتلك الاقتراحات كان رائدها الوحيد المصلحة العامة للبلد بدون الاكتراث بما إذا كانت تقيد أو لا تقيد حزبًا سياسيًا دون حزب آخر.
4 - إدارة القضايا والامتيازات:
أن الثقة والنفوذ اللذين اكتسبتهما إدارة قضايا الحكومة في مصر يرجعان على الأكثر إلى الخطة التي رسمتها هذه الإدارة لنفسها بأن تكون دائمًا بعيدة عن كل تحزب سياسي.
على إنا إذا كنا نعطي للفظة السياسة معنى علميًا واسعًا فنعبر بها عن الاتجاه العام في تسيير دفة الحكومة بصرف النظر عن مشادة الأحزاب وجب علينا الاعتراف بأن إدارة القضايا اشتركت ولا شك في سياسة البلد لأن أعمالها تناولت أهم مسائل الحكومة.
ولا أريد الدخول هنا في تفصيلات هذا الموضوع الذي لا يخلو من لذة ولكنه لا يخلو أيضًا من دقة فاقتصر على ذكر ما كان من تأثير إدارة القضايا في تطور نظام الامتيازات.
إن إنشاء المحاكم المختلطة وأحكامها المؤسسة على حرية الرأي وصوالح البلاد والسلطة المخولة لتلك المحاكم بتطبيق القوانين الإدارية على الأجانب وبتعديل التشريع المختلط واستعمالها هذه السلطة بلا قيد وما تحصلنا عليه من موافقة الدول صاحبة الامتيازات في أمور الضرائب وغيرها كل هذا أدى في نصف القرن الأخير إلى تحور عظيم في نظام الامتيازات بمعنى أنه خفف تدريجيًا وبدرجة كبيرة من وطأة القيود والأغلال الناشئة عنها ولا نغالي إذا قلنا بأنه لا يوجد الآن في مصر إلا بقايا من نظام الامتيازات القديم.
وإدارة قضايا الحكومة قد اشتركت في هذا التطور بما قامت به من الأعمال في كافة فروعها وقد ساعدت في الوقت ذاته على تلطيف نتائج الامتيازات الأجنبية كلما كان من المتعذر التملص منها [(30)].
ولكن حصل - وهذا ما ألفت إليه أنظاركم - أن إدارة القضايا اضطرت أحيانًا إلي الدفاع عن تلك الامتيازات، ذلك لأن الامتيازات وإن كانت في الحقيقة قيدًا للتشريع والحكم إلا أنها لكونها قيدًا فهي بمثابة الحاجز والحواجز قد تفيد أحيانًا للمحافظة على التوازن ولمنع السقطات الخطرة.
وكثيرًا ما اغتبطنا بالتمسك بالامتيازات في معارضتنا بعض اقتراحات الإدارة توصلاً لمنع قرارات متيسرة أو مبتكرات لا مبرر لها.
وما أكثر ما كتب ضد الامتيازات والرأي العام الإنكليزي على الخصوص قد شدد عليها النكير وعرض على مصر تخليصها منها [(31)].
والواقع أن الامتيازات لم توقف تقدم مصر من الوجهة المدنية وربما جعلت هذا التقدم صعبًا وبطيئًا وغير مستكمل العناصر ولكن مؤرخ المستقبل يثبت ما إذا كانت الامتيازات لم تساعد هي أيضًا على إنماء روح الوطنية والحريات السياسية.
أن مآل الامتيازات إلى الزوال في مستقبل قريب فاسمحوا لي بأن أقول إنه إذا كان القصد زوالها بلا مشاغبات خطرة وبدون شروط ثقيلة وصعبة فإن الطريق الواجب سلوكه ظاهر واضح.
عندما تقتنع الدول صاحبة الامتيازات بأن مصر الحديثة أصبحت قادرة تمامًا على تطبيق المبادئ الحرة التي يشتمل عليها القانون الأهلي والدولي المتبع في الدول المتمدينة وعلى القيام بتعهداتها الدولية فإن تلك الامتيازات التي أكل عليها الدهر وشرب ستسقط من تلقاء ذاتها، فالمسألة إذن لا تتوقف إلا على أمر واحد هو الثقة السياسية، وهذه الثقة عالية في وقتنا الحاضر وكل البوادر تبعث فينا الأمل بأن هذه الثقة تتوطد على ممر الأيام وتستمر باطراد حتى تصل إلى السماك الأعزل.
5 - الأركان الأدبية والنفسية لنفوذ إدارة قضايا الحكومة:
ذكرت الأسباب التي أدت إلى اتساع نفوذ إدارة قضايا الحكومية اتساعًا كبيرًا ولكني لم أتكلم بعد عن السبب الذي هو في نظري أعظم وأهم، وكلما فكرت فيه تعروني هزة فخر وخجل واعتراف بالجميل، فلو قارنا بين هذه الهيئة المصرية وبين الهيئات المشابهة لها في البلاد المتمدينة الأخرى لألفينا فرقًا جوهريًا ألا وهو أن نفوذ هاته الهيئات ناشئ عن قوة القانون في حين أن نفوذ إدارة قضايا الحكومة المصرية هو نتيجة قوة ليست مستمدة في القانون ولو أنها لا تقل عن قوة القانون، نجد فيما يتعلق بالهيئات الأجنبية أن القانون هو الذي يبين بطريقة صريحة قاطعة الأحوال التي يتعين الرجوع فيها إلى إدارة القضايا أو مجلس شورى الحكومة لطلب الرأي أو الاستشارة وكذلك الأحوال التي تتقيد فيها الحكومة بالآراء المعطاة بل والأحوال التي تكتسب فيها تلك الآراء صفة وقوة القرارات الإدارية.
ولكن لا شيء من هذا في إدارة قضايا الحكومة المصرية فإنه بمقتضى القاعدة الأساسية التي وضعت في نظامها الأصلي سنة 1876، والتي تكرر وضعها في جميع قوانينها النظامية (عدا استثناء واحد أدخل حديثًا وسأتكلم عنه الآن) لا توجد أحوال تكون فيها الحكومة أو المصلحة ملزمة قانونًا بأن تستشير إدارة القضايا أو تعرض عليها مشروع عقد أو قانون أو مرسوم وليس ثمة مطلقًا أحوال تكون الحكومة أو المصلحة ملزمة فيها قانونًا باتباع الرأي الذي تطلبه أو بالموافقة على مشروع العقد أو القانون أو المرسوم الذي تحضره إدارة القضايا.
والقانون نمرة (1) سنة 1923 قد أدخل حديثًا استثناءً لهذه القاعدة العامة بالنص الوارد في المادة الثانية منه التي تقضي بما يأتي:
لا يجوز لإدارة أية مصلحة من مصالح الدولة أن تبرم أو تقبل أو تجيز أو تأذن بأي عقد أو صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في أمر تزيد قيمته على خمسة آلاف جنيه مصري بغير استفتاء إدارة قضايا الحكومة على حكم القانون فيه، هذا إذا لم يرَ الوزير المختص غير ذلك بقرار خاص.
ويجب أن يثبت في الوثائق المتقدم ذكرها أن إدارة القضايا قد استفتت فيها.
والأصل في وضع هذا النص يرجع إلى قضية كان لها وقع كبير وهي قضية حصل فيها أن المصلحة بدون استشارة قسم القضايا قبلت ونفذت عقد تحكيم غير قانوني الأمر الذي ألحق ضررًا بليغًا بخزانة الحكومة.
على أنكم تلاحظون أن هذا النص الجديد يلزم المصلحة ولا يلزم الوزير وهو الرئيس المسؤول في الحكومة بطلب رأي القضايا في أحوال مخصوصة فهذا النص يرمي إلى غرض محدود هو منع المصلحة من الدخول بدون استشارة قضائية في تعهدات قد يترتب عليها مسؤولية مالية جسيمة بدون علم الوزير المسؤول وعلى كل حال فإن المصلحة باقية حرة في العمل برأي مستشاريها القضائيين أو عدم العمل به وهذا يؤيد القاعدة العامة التي بمقتضاها لا تكون آراء أقسام القضايا إلزامية للحكومة.
وإذا كان الأمر كما تقدم فما هي القوة المبنية على غير القانون التي تدفع المصلحة والوزراء إلى استشارة أقسام القضايا على الدوام وعلى الأخص إلى اتباع هذه الآراء واحترامها مما جعل وزيرًا من الظرفاء يسميها (الفتاوى) الصادرة من إدارة قضايا الحكومة.
قد يرجع ذلك إلى أسباب كثيرة منها كفاءة المستشارين الشخصية وضرورة الالتجاء إلى مساعدتهم والخوف من المسؤولية السائدة كما يقال - في مصالح الحكومة ولكن يلوح لي أن أسبابًا كهذه قد تكون كافية لإيجاد مثل هذا النفوذ في بلد غير مصر فلنبحث إذن عن العامل الذي اعتبره مكملاً لهذه الأسباب بل وقوامها نجده كامنًا في نفسية الشعب المصري.
هذا الشعب الذي يبدو للأجانب في المعاملات السطحية معهم بمظاهر قد تخدعهم أحيانًا عن حقيقة أمره يحمل بين جنبيه نفسًا شرقية تواقة إلى وجود من توليه ثقتها وتجعله محل أمانتها فإذا توفرت هذه الثقة وهذه الأمانة تتفتح النفس المصرية وتكشف عن مكنوناتها وتستسلم كلية وبلا تحفظ.
ولقد نجحنا في اجتذاب هذه الثقة في اكتساب هذه الأمانة.
رابعًا: مستقبل إدارة قضايا الحكومة:
تكذب النبوءات خصوصًا فيما يتعلق بالأنظمة العمومية ولا سيما في بلد كمصر تدخل اليوم فقط في الحياة الدستورية والديمقراطية لذلك أراني مترددًا في أن أختم هذه المحاضرة بالتنبؤ عما بكون مستقبل إدارة قضايا الحكومة.
ولقد يمكنني أن أقول ما عساه أن يكون هذا المستقبل إذا كانت مصر تستمر على السير كما أؤمل في طريق الرقي الذي صارت فيه قبلها الدول الحديثة ويسهل التكهن بأن الأعمال الموكولة الآن إلى إدارة القضايا ستزداد وتصبح مثقلة بالصعاب.
فإن القضايا ضد الحكومة لا بد وأن يزيد عددها وعلى الأخص في المستقبل القريب وذلك أما بسبب اتساع نطاق الأعمال العمومية التي يتطلبها البرلمان وإما بسبب الأغلاط التي يصعب تجنبها على هيئة موظفي الإدارة الذين لم يكتسبوا بعد الخبرة اللازمة، وأما بسبب روح الديمقراطية التي تستنهض أو تقوى في نفوس الأهلين شعورهم بحقوقهم وبالتالي شعورهم بواجبات الحكومة نحوهم وللأسباب عينها ستتبع دائرة الأعمال لما سميته (القسم الإداري) في إدارة القضايا ويترجح تكميله بهيئة أخرى أسميها (القسم البرلماني) تختص بالمسائل القانونية في تفسير الدستور وتطبيقه على الأخص في العلاقات بين الوزراء والبرلمان.
ولقد يلوح لأول وهلة أن وظيفة البرلمان التشريعية ستحل حتمًا محل إدارة القضايا في تحضير مشروعات القوانين ولكن المنظور غير ذلك إذا كنا نقيس بما هو جار من قديم في البرلمانات الأوربية لأنه قد ثبت بالاختبار أن البرلمانات قليلة الكفاءة بدرجات متفاوته من الوجهة الفنية في تحضير مشروعات القوانين اللهم إلا إذا كانت تلك المشروعات مما تتغلب فيه الصفة السياسية - فالبرلمان هو أولاً وقبل كل شيء هيئة سياسية وفضلاً عن ذلك فإن مشروعات القوانين التي يكون اقتراحها برلمانيًا نادرة جدًا ومصدرها الفشل في غالب الأحيان وإذن فإن عمل إدارة القضايا في هذا الفرع وإن كان يستلزم زيادة الإتقان الفني إلا أنه على الأرجح لا يكون أقل ولا أسهل مما هو عليه الآن.
على أنه إذا كان من المنتظر زيادة الاختصاصات الحالية الموكولة لأقلام القضايا فإن ذلك ليس معناه أن نظام القضايا في الحالة الراهنة سيبقى على ما هو عليه بل بعكس ذلك أن زيادة العمل ورغبة الإصلاح وهي وليدة كل نظام سياسي جديد ستؤديان إلى عمل إصلاحات وعلى الأرجح إلى توزيع اختصاصات أقلام القضايا على هيئات مختلفة وإلى إعادة نظام مجلس شورى الحكومة.
وبما أن مهمتي في مصر قاربت الانتهاء فإنه لن ينالني أسف مشاهدة هذه التجزئة التي ستصيب على الأرجح نظام إدارتنا القويم.
وإذا كان على الأقدمين واجب النصح الأ
السنة الرابعة - مايو ويونيه 1924
إدارة قضايا الحكومة ماضيها ونظامها ومستقبلها
محاضرة ألقاها جناب المسيو بيولا كازللي المستشار الملكي لرئاسة مجلس الوزراء ورئيس لجنة قضايا الحكومة [(1)]
معربة بقلم حضرة الأستاذ يوسف بك قسيس النائب بقسم قضايا الداخلية
أيها السادة:
علم أحد أصدقائي بموضوع محاضرتي هذه فسألني قائلاً: أيترافع قلم القضايا عن قلم القضايا ؟ أو كما جاء في الأمثال الرومانية (يدافع شيشرون عن أهل بيته ؟!!!) [(2)].
وفي الواقع أن هذه الملاحظة فيها شيء من الحق لأني سأتكلم حتمًا عن الخدمات التي أدتها أقلام القضايا وتؤديها الآن لمصلحة الحكومة، ولكن الغرض الأساسي الذي أتوخاه من هذه المحاضرة إنما هو سد نقص بدا لي في مباحث القانون الإداري المصري، ذلك لأني لم أجد حتى هذه اللحظة بحثًا أو على الأقل تقريرًا رسميًا عن نظام أقلام قضايا الحكومة، ويلوح لي أن هناك فائدة إن لم أقل ضرورة في الفترة السياسية الحاضرة من إحاطة الرأي العام علمًا بنظام هذه المصلحة، أو بعبارة أخرى رأيت من الواجب إرشاد القابضين على أزمة الأمور إلى كيفية تسيير هذا الفرع الذي يمكن اعتباره أداة مهمة في دولاب الحكومة، وعلى كل حال فأني استسمحكم عذرًا عن شدة تعلقي بهذه المصلحة العريقة التي أراني مخلصًا لها كل الإخلاص.
أولاً: نشأة إدارة قضايا الحكومة:
كانت سنة 1875 وكانت حكومة الخديو إسماعيل في ذلك العهد قد تمكنت بعد جهاد ثماني سنوات من التغلب على المعارضة وعلى العقبات السياسية التي كانت تضعها في طريقها الدول صاحبة الامتيازات.
وفي 28 يونيو من تلك السنة احتفل سمو الخديو بافتتاح المحاكم المختلطة في سراي رأس التين الفخمة بالإسكندرية وبذلك وضع أساس من أسس مدنية مصر الحديثة التي سجلها التاريخ.
وما كاد صدى هذا الاحتفال يغيب عن الأذهان حتى استدعت الحكومة الخديوية إلى مصر أربعة من المتشرعين الأجانب لوضع أساس نظام آخر هو نظام لجنة مستشاري الحكومة بقصد تكميل نظام المحاكم المختلطة وأني أرغب في تسجيل أسماء المؤسسين لإدارة قضايا الحكومة وهم:
أولاً: المسيو كازمير أرا (Casimir Ara) أحد النواب سابقًا ووكيل وزارة في إيطالية.
ثانيًا: المسيو إداورد كلبر (Edward Kelber)المحامي والعضو في الحزب الإيطالي المستقل عن دالماسيا.
ثالثًا: المسيو أنطوان ماري بيتري (Antoine - Marie Pitri) القاضي في قنصلية فرنسا سابقًا والمندوب الفرنسي في اللجنة الدولية التي تشكلت سنة 1869 لتأسيس المحاكم المختلطة وقد كان للمسيو بيتري المذكور وللمسيو كازمير أرا اليد الطولى في تنظيم إدارة قضايا الحكومة.
رابعًا: المسيو هونوريه أوغست بونييه (Honoré Auguste Pougnet) الأفوكاتو العمومي أمام محكمة النقض والإبرام بباريس الذي انسحب بعد زمن قليل.
وقد عين هؤلاء الأربعة بصفة مؤقتة في سنة 1875، وفي يناير سنة 1876 أي في الفترة التي انقضت بين حفلة افتتاح المحاكم المختلطة وبين انعقاد جلساتها الأولى صدر دكريتو خديوي تاريخه 27 من الشهر المذكور قضى بتأييد تعيين هؤلاء المستشارين وبتحديد اختصاصات اللجنة.
وديباجة هذا الدكريتو لا تخلو من الفائدة التاريخية، وقد تنوه فيها بالقضايا التي كانت معلقة بين الحكومة والأجانب وهي التي كلفت اللجنة بفحصها.
على أن السبب الخاص الذي دعا إلى إنشاء تلك الهيأة الجديدة كان أبعد مدى وشاملاً للمستقبل والماضي معًا.
هذا السبب يرجع إلى تطبيق المادة العاشرة من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة لأنها قضت بأن الحكومة ومصالحها ودوائر سمو الخديوي وأفراد عائلته يكونون خاضعين لقضاء هذه المحاكم في المنازعات مع الأجانب.
والحق يقال إن المحاكم المختلطة ولو أنها تأسست على نظام مأخوذ جوهره من القانون الفرنسي إلا أنها اضطرت أن تحيد عن هذا القانون فيما يتعلق بالمنازعات بين الحكومة المصرية والأجانب، وقد استعيض عن النظام الفرنسي الذي يقضي بإيجاد محاكم إدارية بالنظام الإيطالي الذي يقضي بطرح مثل هذه المنازعات أمام المحاكم العادية، وقد تحددت هذه الطريقة في المادة (11) من لائحة الترتيب، وهذه المادة مستمدة من القانون الإيطالي الصادر في 20 مارس سنة 1865، وبذلك أصبحت هذه المحاكم المشكلة من قضاة أغلبهم أجانب ترشحهم الدول صاحبة الامتيازات مختصة بالفصل في القضايا القائمة بين الحكومة المصرية والمصالح ودوائر سمو الخديو وأفراد عائلته وبين الأجانب التابعين للدول المشار إليها، ولا يصعب علينا والحالة هذه أن نتبين مخاوف الحكومة وقتئذٍ من حيث نتيجة تلك المنازعات، فكان من الطبيعي أن تقدر الحكومة أهمية الدفاع عنها أمام القضاء المختلط وخطورة هذا الدفاع.
ويقيم من ثنايا ديباجة دكريتو سنة 1876 إن الدوائر الرسمية كانت توجس خيفة من الحالة الجديدة فقد جاء في هذه الديباجة ما يأتي:
وحيث إن الحكومة أصبحت بمقتضى (المادة العاشرة) من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة، خاضعة للمحاكم الجديدة في معاملاتها القضائية مع الأجانب وأنه يتعين أن يكون الدفاع عنها أمام هذه المحاكم قائمًا على أساس متين.
وحيث إنه قد أنشئت لجنة لهذا الغرض مشكلة من كل من المسيو كازمير أرا والمسيو، إدوارد كلبر والمسيو أنطوان ماري بيتري، والمسيو هونوريه أوغست بونييه.
وحيث إنه في إدارة صوالح الحكومة القضائية لا يقل أمر اجتناب القضايا أهمية عن الدفاع فيها إذا لم يمكن اجتنابها.
وحيث إنه والحالة هذه يتعين تكليف مستشاري الحكومة علاوة على الاستشارات بالحضور عن الحكومة أمام المحاكم والدفاع عنها في القضايا إلخ.
وإذ قد أصبحت السلطة التنفيذية خاضعة للسلطة القضائية في الأمور الماسة بحقوق الأفراد زعمًا أو حقًا بسبب عمل من أعمال الإدارة فصار من الضروري إيجاد هيأة مشابهة للنظام الإيطالي المعروف باسم avvocatura erariale يعهد إليها في الدفاع عن الحكومة أمام القضاء.
وبالنظر إلى المستوى العالي الذي وضعت فيه المحاكم المختلطة وإلى تشكيلها الدولي وإلى الصعاب الناشئة عنه اضطرت الحكومة إلى وضع هيأة الدفاع عنها في مرتبة معادلة وإلى جعل تشكيلها مماثلاً لتشكيل المحاكم التي كلفت هذه الهيئة بالمرافعة أمامها.
ويؤخذ في الواقع من نصوص الدكريتو ومن قرار تنفيذه الصادر في ذات التاريخ من وزير الحقانية (رياض باشا) بمقتضى أمر كريم من سمو الخديو كما يؤخذ من قيمة المرتبات المخصصة لمستشاري الحكومة إن هؤلاء المستشارين جعلوا مماثلين من حيث الدرجات والمرتبات لمستشاري محكمة الاستئناف المختلطة وهم الذين كانوا في ذاك العهد في أعلى درجات الوظائف العمومية بعد الوزراء.
وقد كان هؤلاء المستشارون الأجانب يوظفون كقضاة المحاكم المختلطة بعقد لمدة خمس سنوات وهي المدة المحددة للمحاكم المذكورة وكانوا كالقضاة أيضًا يحضرون الجلسات بالاسطمبولية والطربوش والشارات الرسمية أعني الوسام والرصيعة [(3)]
ولم تقف الحكومة عند هذا الحد فقد جاء في ديباجة الدكريتو الصادر في سنة 1876 ما يأتي:
وحيث إن مستشاري الحكومة لا يتسنى لهم القيام بما عهد إليهم من الأعمال بصفة مرضية إلا إذا كان يعطي لهم ملء الاستقلال الشخصي.
وحيث إنه يتعين إذن جعل لجنة المستشارين هيأة مستقلة إلخ لذلك فصلت اللجنة عن الإدارة الحكومية العامة وجعلت هيأة مستقلة تحت إدارة وزير الحقانية [(4)]، وكانت تخاطب الوزارات ومصالح الحكومة بوساطة هذا الوزير، أما الهيئات القضائية فقد كانت اللجنة تخاطبها مباشرةً [(5)].
وكانت اللجنة حائزة لأتم ما يكون من الاستقلال من وجهة أعمالها الداخلية فكان يرأسها أحد المستشارين شهريًا وبالتناوب [(6)]، وهذا الرئيس كان يمضي المكاتبات ويراقب توزيع الأعمال وكان له بوجه عام أن يتخذ الإجراءات اللازمة لتنظيم أعمال الإدارة [(7)]، على أن الرئيس لم يكن له حق التقدم على زملائه ولم يكن له حق إبداء الرأي في قرارات اللجنة إلا في حالة تساوي الأصوات [(8)].
وقد وضع نظام دقيق يكفل لكل مستشار حرية تصرفه الشخصي مع المحافظة على التضامن بين الجميع، فكل مستشار كان مقررًا للمسألة التي كانت تحال عليه، وإذا كانت المسألة من النوع القضائي أو كان موضوعها إحدى القضايا القديمة التي كانت مرفوعة بواسطة القنصليات فالمقرر كان يحرر صيغة الرأي المتفق على إبدائه بعد المداولة مع باقي المستشارين وكان يوقع عليه مع الرئيس [(9)].
أما إذا لم تكن المسألة من النوع القضائي فكان الرأي يحرر بمعرفة المقرر ويوقع عليه من أعضاء اللجنة جميعًا [(10)]، وفي حالة ما يكن الرأي بالإجماع فقد كان محتمًا ذكر رأي الأقلية في المحضر مع بيان الأسباب التي ارتكنت عليها [(11)].
ولما كان يقتضي الحال متابعة إحدى المسائل أمام اللجان أو المحاكم أو محكمة الاستئناف فكان المقرر يكلف بها ولكن زملاءه كانوا يقومون بمساعدته في الجلسة في كافة الأحوال التي كان يرى فيها ضرورة هذه المساعدة بالنسبة لظروف القضية، وبعد أن تحصل مداولة خاصة في الأمر [(12)]، وكان مصرحًا للجنة أن تستعمل في المكاتبات الرسمية اللغة الفرنسية أو اللغة الإيطالية [(13)]، ولم يكن اختصاص أعضاء اللجنة يقف عند حد المرافعة عن الحكومة أمام المحاكم بل أنهم كانوا المحامين المستشارين للحكومة كما كانوا محاميها المترافعين.
والمادة الثانية من دكريتو سنة 1876 تقضي في هذا الصدد بأن اختصاصات أعضاء اللجنة كهيئة استشارية هي إبداء آراء مبنية على الأسباب القانونية المحضة بشأن وثائق الالتزامات والعقود ومقاولات الأشغال العمومية وغيرها مما يرتبط بمصالح الدولة المالية ويكون مدعاة للتقاضي وبوجه عام بشأن أي مسألة أخرى ترى الحكومة عرضها عليها لأجل درسها.
وبالرغم من أن هذه الاختصاصات كانت واسعة بهذا المقدار فإن موظفي اللجنة كانوا قليلين جدًا فاللجنة لم يكن لها من المساعدين سوى نائب أو اثنين مكلفين على الأخص بمتابعة الإجراءات أمام المحاكم [(14)]، وكذلك لم يكن للجنة من العمال الإداريين والكتبة سوى سكرتير وسكرتير مساعد وبعض المستخدمين [(15)]، وكان من المحتم أن النواب أيضًا يكونون من الأجانب الحائزين للشروط القانونية الواجب توفرها في بلادهم للمرافعة أمام المحاكم أو للتوظف في القضاء [(16)].
وإذا شئتم أن تكونوا لكم فكرة محسوسة عن الدائرة الضيقة التي كانت تعمل فيها تلك اللجنة القديمة فما عليكم إلا التوجه إلى وزارة الحقانية فإنكم تجدون على يسار المدخل في حديقة الوزارة بناءً صغيرًا لا يزال باقيًا إلى الآن وفيه بعض حجرات قليلة وهذا البناء كان مقر لجنة مستشاري الحكومة من سنة 1876 لسنة 1880.
ثانيًا: إدارة قضايا لحكومة في سنة 1924:
مضى نصف قرن والشجيرة مدت جذورًا عميقة ضخمة، وقد نمت نموًا عظيمًا، ونبتت لها فروع متعددة، ولا أظن مصلحة من مصالح الحكومة نمت مثل هذا النمو الهائل وهاكم بعض إحصائيات وبعض بيانات:
إن إدارة قضايا الحكومة مكونة اليوم من ثمانية مستشارين ملكيين وخمسة مستشارين ملكيين مساعدين وسبعة نواب أول وأحد عشر نائبًا وستة وأربعين محاميًا وأربعين مندوبًا والإدارة تشمل أيضًا فئة من العمال الكتابيين لا يقل عددهم عن تسعة وستين مستخدمًا وميزانية إدارة القضايا كما يتضح من أرقام سنة 923 - 924 مقدرة بمبلغ 90799 جنيهًا مصريًا.
وفي سنة قضائية واحدة هي سنة (1922 - 1923) مثلت إدارة القضايا المصالح العمومية أمام المحاكم في 9362 قضية منها 1179 قضية أمام المحاكم المختلطة و8183 قضية أمام المحاكم الأهلية.
أما العمل القانوني الإداري الذي قامت به إدارة القضايا من تحضير العقود أو مراجعتها من حيث الشكل القانوني ومن إبداء الفتاوى للمصالح فلا يقل عن العمل القضائي بل ربما زاد عليه، وليس في وسعي إعطاء إحصائيات كاملة واضحة ولكن رغبةً في أن يكون لديكم فكرة تقريبية عن هذا النوع من العمل أقول إن أقلام القيد في أقسام القضايا السبعة وفي نيابة قضايا الإسكندرية تقيد سنويًا مكاتبات لا يقل عددها عن المائة وخمسين ألفًا بين صادرة وواردة، ودفترخانات هذه الأقسام تنشئ سنويًا من عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف دوسيه وهذه المجموعات الهائلة من الأوراق ثلثاها على الأقل نتيجة العمل القانوني الإداري الذي حدثتكم عنه، ومئات الآراء القانونية التي تصدر يومًا من أقسام قضايا الحكومة لا تستدعي كلها طبعًا علمًا وبحثًا كبيرين ولكنها تشرف من الوجهة القانونية على الأعمال التي تقوم بها كافة فروع الحكومة كبيرها وصغيرها من رئاسة مجلس الوزراء إلى أصغر فرع إداري في أصغر قرية من قرى القطر.
أما العمل الذي يمكن التعبير عنه من الوجهة الفنية بأنه عمل تشريعي أعني تحضير مشروعات القوانين والمراسيم والقرارات واللوائح والمنشورات أو مراجعتها فهو أيضًا عمل جسيم جدًا، وليس في وسعي هنا أن أقدم لكم إحصائيات كاملة ويكفي أن أذكر بأن اللجنة التشريعية في سنة 1922 - 1923 قد فحصت أو راجعت خمسة وخمسين من مشروعات القوانين والمراسيم والقرارات، فضلاً عن مشروعي الدستور وقانون الانتخاب، مع العلم بأن هذا العمل لا يقدر على الأرجح بربع العمل التشريعي في إدارات قضايا الحكومة، لأن عددًا وافرًا من المشروعات الأقل أهمية لا تطرح على اللجنة التشريعية، وقد نتج عن ازدياد اختصاصات لجنة قضايا الحكومة وتكاثر العمل فيها إن اتسعت الحدود التي رسمت في الأصل لهذه اللجنة، ولو أن صورتها الأولى بقيت على ما هي عليه، فلجنة قضايا الحكومة لا زالت موجودة ولكن أعضاءها أصبحوا وكل منهم يدير قسمًا مستقلاً اختص بالأعمال القضائية لوزارة أو أكثر، ومركز هذا القسم غالبًا في إحدى الوزارات وأقسام القضايا الحالية هي:
1 - قسم قضايا وزارات المالية والمعارف والزراعة.
2 - قسم قضايا الداخلية.
3 - قسم قضايا الحقانية.
4 - قسم قضايا الخارجية.
5 - قسم قضايا الأشغال والحربية.
6 - قسم قضايا المواصلات.
7 - قسم القضايا المختلطة.
8 - نيابة قضايا الحكومة بالإسكندرية وهي تعادل في الأهمية أحد الأقسام المذكورة ويشغل أحد المستشارين الملكيين منصب المستشار لرئاسة مجلس الوزراء وهو بصفة مستديمة رئيس للجنة قضايا الحكومة.
والقانون نمرة (1) لسنة 1923 الذي نظم أخيرًا أعمال قضايا الحكومة يقضي في المادة الثالثة منه بأن تكون إدارة قضايا الحكومة هيأة واحدة ملحقة بوزارة المالية.
وهذا القانون قد حدد اختصاصات كل من المستشارين ولجنة القضايا ورئيسها بالكيفية الآتية:
كل قسم يديره مستشار ملكي [(17)] على أن لجنة قضايا الحكومة تتولى المراقبة والإشراف على موظفي إدارة القضايا وعلى أعمالهم [(18)]، وبذلك انتهى تتبع لجنة القضايا لوزير الحقانية وأصبحت مستقلة تمام الاستقلال، واللجنة مختصة أيضًا بالإفتاء في الأمور الآتية:
1 - في كل مسألة يرى أحد الوزراء استفتاءها فيها بالنظر لأهميتها أو لأنها تعني وزارتين أو أكثر، ولو أن قسمًا من أقسام القضايا أو مأمورية يكون قد تولى بحث تلك المسألة من قبل.
2 - في كل مسألة عرضتها إحدى الوزارات أو المصالح على قسم من أقسام القضايا أو مأمورية لدرسها ويرى رئيس ذلك القسم أو تلك المأمورية أن يتعرف رأي اللجنة فيها [(19)]، وينوب رئيس لجنة القضايا عن اللجنة في صلاتها بالمصالح، وتكون له الإدارة العليا على هيئة القضايا مع عدم الإخلال بسلطة المستشارين الملكيين الذين يديرون الأقسام المختلفة وبالاختصاصات المخولة للجنة نفسها طبقًا للأحكام المتقدمة [(20)].
وأهم ما أتى به القانون نمرة (1) الصادر في سنة 1923 أنه صبغ بالصبغة الرسمية الطور النهائي الذي وصلت إليه إدارة قضايا الحكومة من حيث تشكيلها ونظام موظفيها، وقد تم هذا التطور بشكل ظاهر ملموس، ففي الأصل وفي السنوات الأولى من نشأتها كانت إدارة قضايا الحكومة مشكلة من رجال قانون أوروبيين ليس إلا، وقد انقضى أكثر من أربعين سنة كانت فيها وظائف المستشارين والنواب وقفًا على الأجانب ما عدا بعض استثناءات نادرة جدًا، ومعظم هؤلاء المتشرعين الأجانب كانوا فرنساويين وإيطاليين وبصفة خاصة من أهالي جزيرة كورسكا (Corses) أو من مقاطعة البيامونتيه (Piemontai) وهم مشهورون بالصلابة وحب المناضلة ولا يخلون من المهارة السياسية، وممن شرفوا إدارتنا رجال أمثال بيتري وروكاسيرا وموريوندو وبرناردي.
حصل بعد ذلك أن دخل العنصر الإنكليزي في اللجنة وأدخل معه فيها معلومات من الفائدة بمكان في بعض المسائل الإدارية والتشريع الجنائي، وكان هذا العنصر بمثابة حلقة اتصال بكبار الموظفين البريطانيين [(21)].
ولكن حدث في وقت من الأوقات كما سنبينه فيما يلي أن اجتمع تحت إدارة مستشاري الحكومة الأجانب ونوابها الأجانب أيضًا عدد من رجال القانون المصريين وهذا العدد أخذ يتزايد شيئًا فشيئًا في كل قسم من الأقسام التي أنشئت فيما بعد ونظرًا لعدم وجود وظائف فنية مناسبة أدرج هؤلاء الموظفون في الوظائف الكتابية العامة أعني في وظائف الكتبة ووكلاء الأقلام ورؤساء الأقلام ووكلاء الإدارات ونظار الإدارات ثم أنشئ فيما بعد عدد قليل من وظائف نواب القضايا لمكافأة بعض الموظفين الأقدمين في الخدمة الذين استحقوا هذه الترقية، وقد روعي جعل تلك الوظائف من فئة مخصوصة لتمييزها عن وظائف النواب التي كانت مقصورة على المساعدين الأجانب للمستشارين.
وأصبحت إدارة قضايا الحكومة تحت إدارة المتشرعين الأجانب وبمساعدة موظفين فنيين من المصريين ازداد عددهم على توالي الأيام بمثابة مدرسة نشأ وتدرب فيها عدد وافر من الشبان المصريين الذين شغلوا فيما بعد أعلى المناصب في الإدارة والحكومة وكثير من رؤساء مجلس الوزراء والوزراء قد بدأوا حياتهم الإدارية في أقسام القضايا [(22)].
على أن الدرجات الإدارية التي كان يوضع فيها الموظفون الفنيون من المصريين لم تكن بالبداهة أمرًا مألوفًا، ولكن اقترحت في لجنة الامتيازات إصلاحًا عموميًا مبنيًا على فكرة تنظيم هيئة فنية خاصة لإدارة قضايا تكون مماثلة (كما هي الحالة في إيطاليا) بهيئة أعضاء النيابة وهي فئة أخرى من محامي الحكومة ينبئ تاريخ إنشائها في فرنسا أنها كانت تدافع أيضًا في قضايا الحكومة المدنية وإن كانت تقتصر الآن على المرافعة في القضايا الجنائية.
والقانون نمرة (1) لسنة 1923 قد أدخل هذا الإصلاح إذ جاء في المادة السادسة منه ما يأتي:
(تؤلف إدارة القضايا من المستشارين الملكيين ومساعدي المستشارين الملكيين يعاونهم الموظفون الفنيون الآتي بيانهم:
- النواب الأول.
- النواب.
- المحامون.
- المندوبون.
ويسوي هؤلاء الموظفون الفنيون فيما يتعلق بالمرتبة والمرتبات برجال النيابة الأهلية، وذلك بحسب ما يقرره مجلس الوزراء من القواعد بناءً على عرض وزير المالية متفقًا مع وزير الحقانية ويكون في كل قسم أيضًا موظفون للأعمال الكتابية.
وفي هذا الترتيب الجديد تلاشت وظائف نواب المستشارين أو بعبارة أخرى أصبحوا مستشارين ملكيين مساعدين، على أنهم يشغلون منصبًا أعلى فهم يعينون الآن بمرسوم ويمكنهم القيام مقام المستشارين سواء في لجنة قضايا الحكومة التي يكونون حينئذٍ أعضاء فيها أو في اللجنة التشريعية وفي كافة اللجان الإدارية أو التأديبية التي يكون مقررًا وجود مستشار ملكي بين أعضائها.
ولما إن كان إصلاح هيئة إدارة القضايا قد تم في الوقت الحاضر الذي انتقلت فيه أعمال الحكومة إلى أيدي المصريين فالنتيجة هي أن الموظفين الأجانب لا يكون لهم في إدارة قضايا الحكومة في أول إبريل المقبل إلا نصف وظائف المستشارين الملكيين ووظيفة مستشار ملكي مساعد واحدة ووظيفة نائب أول واحدة وليس لهم أي وظيفة أخرى في سلك الوظائف الفنية ويحتمل خروج هؤلاء الأجانب القلائل بالكلية بعد مضي ثلاث سنوات.
ثالثًا: اتساع إدارة قضايا الحكومة في الفترة بين سنة 1876 وسنة 1924:
أما الأسباب التي أدت إلى اتساع نطاق الأعمال في إدارة قضايا الحكومة هذا الاتساع العظيم فأنى سأجتهد في استقرائها بين ثنايا تاريخ الإدارة المصرية ونفسية الشعب المصري.
1 - اتساع أعمال الدفاع أمام المحاكم:
يؤخذ من إحصائية السنة الأولى القضائية للمحاكم المختلطة (سنة 1876 - 1877) إن عدد القضايا المدنية في تلك السنة بلغ 10113 قضية بينما أن عدد تلك القضايا في سنة 1922، وسنة 1924 وصل إلى 70333 قضية وبديهي أن هذه الزيادة ترجع إلى زيادة عدد الأهالي ونمو الثروة العمومية إلخ.
وهذه الأسباب نفسها تؤدي أيضًا إلى ازدياد عدد القضايا الخاصة بالحكومة والموكول الدفاع فيها أمام تلك المحاكم إلى إدارة القضايا على أنه لا يمكن القول بأن قضايا الحكومة كانت دائمًا تزداد بنفس النسبة التي كان يزداد بها عدد القضايا في القطر المصري وبالعكس لما حصلت تصفية القضايا العديدة التي كانت قائمة بين الحكومة أو دوائر الأمراء وبين الأجانب في السنين الأولى لإنشاء المحاكم المختلطة أصبحت نسبة الزيادة في قضايا الحكومة أقل من ذي قبل [(23)].
وفي الواقع أن واجب الدفاع عن صوالح الحكومة المصرية أمام المحاكم المختلطة أصبح اليوم أقل صعوبة مما كان يتوقع عند إنشاء تلك المحاكم.
وفي وسعي أن أكرر هنا رأيًا سبق أن أبديته منذ اثني عشرة سنة في بحث عن المحاكم المختلطة [(24)].
قلت إن المحاكم المختلطة لم تكن على الإطلاق محاكم قنصلية موحدة كما كانت تريد أن تعتبرها الدول صاحبة الامتيازات، فإن هذه المحاكم قد فطنت إلى واجبات العدل شأن الهيئات القضائية فأصبحت بفضل هذا التأثير المحمود محاكم مصرية بالمعنى الصحيح وأثبتت أن تتويج أحكامها باسم سمو الخديوي لم يكن مجرد مسألة شكلية وكذلك الحال في قضايا الحكومة فإن أولئك القضاة الأوروبيين وعلى الأخص من كان منهم ذا تربية لاتينية كانوا يأتون من بلادهم باسمى فكرة عن الحكومة وطبيعتها وما لها من الحقوق وبذلك كانوا يسهلون علينا مهمة الدفاع عن الحكومة.
على أنا كثيرًا ما اضطررنا إلى الجهاد العنيف في ميدان المحاكم المختلطة سواء لتضييق دائرة رقابة تلك المحاكم على الأعمال الإدارية المنصوص عليها في المادة (11) من لائحة الترتيب توصلاً إلى المحافظة على سلطة المحكمة المطلقة المشروعة أو لتخفيف وطأة القيود العديدة الناشئة عن الامتيازات رغبةً في تمكين الحكومة من زيادة إيرادات الضرائب ومن توسيع نطاق الأعمال العمومية أو لصيانة الخزانة العامة من مناورات قضائية كان يقوم بها بعض الأفاكين وخربي الذمة ومما يحسن ذكره أن تكاثر اللوائح الإدارية التي تسري على الأجانب بمقتضى دكريتو 31 يناير سنة 1889 المصدق عليه من الدول صاحبة الامتيازات كان من ورائه زيادة العبء على إدارة القضايا إذ أصبحت مكلفة بتمثيل الحكومة كمدعية بحق مدني في قضايا المخالفات.
وهناك نظام قضائي أكثر أهمية كان له نصيب وافر في توسيع دائرة أعمال الدفاع عن الحكومة أمام القضاء ففي سنة 1883 أنشئت المحاكم الأهلية على أساس مماثل للمحاكم المختلطة وقد خولت هذه المحاكم أيضًا حق النظر في القضايا القائمة بين الحكومة أو دوائر الأمراء وبين الأهلين فكان من اللازم والحالة هذه تنظيم الدفاع عن الحكومة أمام هذه المحاكم ولكن هل كان ممكنًا أن يعهد في هذا الدفاع إلى لجنة قضايا الحكومة المشكلة من متشرعين أجانب يجهلون اللغة العربية وهي اللغة الرسمية للمحاكم الجديدة ؟ كان يظهر أن هذا يصعب تحقيقه ولكنه تحقق فعلاً فإنه يتضح من ديباجة الدكريتو الصادر سنة 1884 تنظيم أقلام قضايا الحكومة أن غرض المشرع كان توحيد نظام الدفاع أمام المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية [(25)]، ولكني أميل إلى الاعتقاد بأن هذا العمل كان مبنيًا على سبب آخر هو الثقة التي نالتها إدارة قضايا الحكومة والتي حصل الاعتراف بها صراحةً بمناسبة إصدار دكريتو 16 أكتوبر سنة 1880 الذي رتب لأول مرة أقسام قضايا الحكومة [(26)] بيد أن لجنة القضايا المشكلة من أجانب لم يكن في وسعها إلا الإشراف على الدفاع عن الحكومة أمام المحاكم الأهلية وكان عليها إذن أن تعين مصريين تقوم بتدريبهم على الإجراءات القضائية والمرافعات وبذلك بدأ دخول العنصر المصري في إدارة القضايا وقد ازداد هذا العنصر تدريجًا حتى أوجب تغيير النظام الأول لإدارة القضايا تغييرًا كليًا.
2 - اتساع العمل الإداري:
زاد العمل الإداري في أقسام القضايا زيادة أكبر من زيادة الأعمال القضائية ويرجع سبب هذه الزيادة إلى أسباب بعضها مماثل وبعضها مغاير للأسباب السابق بيانها ومعلوم أن من اختصاصات أقسام القضايا بمقتضى عبارة الدكريتو الصادر سنة 1876 إبداء الآراء المبنية على الأسباب القانونية المحضة بشأن وثائق الالتزامات والعقود ومقايسات الأشغال العمومية وغيرها مما يرتبط بمصالح الحكومة المالية ويكون مدعاة للتقاضي وبوجه عام بشأن أي مسألة أخرى ترى الحكومة عرضها عليها لأجل درسها.
ومما يجدر ملاحظته أن مكانة أعضاء لجنة قضايا الحكومة وخبرتهم في النظم الإدارية الأوروبية وحيادهم التام في المشاكل السياسية، كل هذا أكسبهم ثقة مصالح الحكومة واجتذب لهم عطفها واعتبارها وكان من وراء ذلك أن اتسع نطاق الآراء التي تبديها أقسام القضايا بحيث أصبح شاملاً لكل فرع من فروع الإدارات العمومية بما فيها مسائل الأحوال الشخصية وهي تبدو لأول وهلة أنها ليست مما يوكل أمر النظر فيها إلى متشرعين أوروبيين.
ولما كانت المهمة القانونية الملقاة على عاتق أقسام القضايا قد بلغت هذا الحد كان من المحتم زيادة عدد الموظفين الفنيين المصريين الموجودين تحت إدارة المستشارين في مختلف الأقسام وزيادة عدد الأقسام المذكورة أن المصلحة العامة تقتضي عمل مجموعة للآراء التي أبداها مستشارو قضايا الحكومة مدة نصف قرن في مختلف المسائل الإدارية المتضمنة مبادئ هامة، فإن مجموعة كهذه لو نشرت لكانت مرشدًا قيمًا لرجال الإدارة ولجمعت بين دفتيها القواعد الصحيحة للقانون الإداري المصري.
وهناك انتقاد يمكن توجيهه إلى فتاوى إدارة القضايا فإنا والحق يقال كنا نتجاوز أحيانًا حدود مهمتنا القانونية بأن كنا نضمن تلك الفتاوى عدا الأسباب القانونية المحضة التي ننوه بها في لائحتنا النظامية أسبابًا أخرى تمس موضوع المسألة الإدارية المطروحة علينا.
ولكن هي الضرورة كانت تلجئنا إلى هذا فإنه لم يكن في وسعنا غض النظر بالكلية عن أغلاط واضحة كان يوشك أن يرتكبها ضد المصلحة العامة إداريون جاءوا حديثًا من إنجلترا تعوزهم الخبرة عن أحوال أهالي البلاد أو بعض رجال الإدارة المصريين ممن كنا نتوسم الريبة في إجراءاتهم ومن جهة أخرى لم يكن في وسعنا أن نتجنب دائمًا الإجابة على استفتاء بعض المديرين المجتهدين الذين كانوا يلجأون إلينا من مراكز مديرياتهم القاصية متلمسين لدينا رأيًا يخرجهم من مآزق إدارية وقعوا فيها وفضلاً عن ذلك فإن مصالح الحكومة نفسها كثيرًا ما دفعت أقلام القضايا إلى تعدي اختصاصها بما كان لها من فرط الثقة فيها أو لكونها غالبًا ما تخلط بين الوجهتين القانونية والإدارية للمسألة الواحدة.
على أن آراء قسم القضايا لم تكن مقيدة للحكومة وكنا نتوخى دائمًا في بسط ملاحظاتنا إلى المصالح التمييز بين الوجهة الإدارية والوجهة القانونية.
ولقد سبق إلى القول بأن جميع فروع الحكومة كانت تتطلب مساعدة أقسام القضايا حتى أن مسائل تأديب الموظفين رُئي من الضروري اشتراك أقلام القضايا فيها وفي الواقع تنص اللوائح المعمول بها على جلوس المستشار الملكي أو مساعده في مجالس التأديب العليا وأحيانًا يرأس المستشار الملكي المساعد مجلس التأديب الابتدائي [(27)].
وكذلك كانت لجنة القضايا تشترك بواسطة عضو أو أكثر من أعضائها في أكثر المجالس واللجان المؤقتة أو المستديمة مصرية كانت أو دولية وسواء أنشئت لمساعدة الإدارة في بعض الأعمال أو في إيجاد حل لمسائل مخصوصة أو لتحضير مشروعات إصلاحية.
3 - اتساع الأعمال التشريعية:
وأهم اللجان التي اشتركت فيها إدارة القضايا وتشترك فيها الآن هي اللجنة الاستشارية للتشريع ولمعرفة أصل إنشاء هذه اللجنة يتعين الرجوع إلى القانون النظامي الصادر في سنة 1883 الذي أدخل لأول مرة في مصر نظامًا مشابهًا للنظام البرلماني.
فالدكريتو أو القانون الصادر في أول مايو سنة 1883 قد أنشأ بجانب مجالس المديريات ومجلس الشورى والجمعية العمومية أداة أخرى سماها مجلس شورى الحكومة وقد صدر بتنظيم هذا المجلس أمر عالٍ بتاريخ 22 سبتمبر من السنة عينها.
وقد نص عن تقسيم هذا المجلس إلى قسمين (قسم تحضير القوانين واللوائح وعليه تحضير وتحرير مشروعات القوانين والأوامر المتعلقة بالمصلحة العمومية)، (وقسم الإدارة وعليه أن يعطي رأيه في كافة المسائل المتعلقة بالمصلحة العمومية وفي غير ذلك من المسائل التي تبعثها إليه نظار دواوين الحكومة للبحث فيها)، وقد نص أيضًا عن تشكيل مجلس الحكومة من خمسة أعضاء دائمين يعينهم سمو الخديوي ومن المستشار المالي ومن وكلاء النظارات الثمانية ومن عدد وافر من كبار الموظفين وأخيرًا من رؤساء أقسام قضايا الحكومة الثلاثة.
ولا شك في أن إنشاء مجلس شورى الحكومة هذا كان إصلاحًا كبير الأهمية وقد نسج في إنشائه على منوال الهيئات المماثلة في البلاد الأوروبية وكان إتمام تشكيله يؤدي إلى فتح صحيفة جديدة في تاريخ إدارة القضايا لأنه كان من شأنه أن يقوم مقام إدارة القضايا في جزء عظيم من الأعمال الموكولة إليها والتي كلفت بعدئذٍ كما سنبينه فيما يلي.
ولكن أسبابًا سياسية حالت دون إتمام هذا الإصلاح فإن وزارة الخارجية البريطانية عارضت في إنشاء مجلس شورى الحكومة، ولذلك صدر دكريتو بتاريخ 13 فبراير سنة 1884 بإيقاف أعماله.
على أن إلغاء هذه الأداة الإدارية لم يتكفل بإلغاء الضرورة التي أحوجت إليها ولا شك في أن الحاجة إليها كانت ماسة كل المساس من حيث الأعمال التشريعية بدليل أن نفس الدكريتو الصادر بالإلغاء قضى بطلب مساعدة موظف اختصاصي في تلك الأعمال.
هذا الموظف الاختصاصي كان البارون إدارود كلر (Edward Keller) وهو نفس الشخص الذي نجده بين المؤسسين الأربعة للجنة مستشاري الحكومة.
والمادة الثانية من الدكريتو الصادر بإيقاف عمل مجلس شورى الحكومة قضت بما يأتي:
(ثانيًا الدكتور إداورد كلر بصفته مستشارًا للحكومة ملحق برئاسة مجلس نظارنا، ويكلف بتحرير مشروعات القوانين، والدكريتات واللوائح.
ولكن ظهر بعد زمن قصير أن عبء هذه الوظيفة كان ثقيلاً على كاهل شخص بمفرده وربما كان في ذلك أيضًا ما يدعو للشبهة خصوصًا وأن هذا الشخص كان تابعًا لدولة أجنبية.
وفعلاً لم يمضِ شهران على ذلك حتى رئي الرجوع إلى الفكرة الأصلية بإنشاء مجلس شورى للحكومة بشكل مقتضب أو بعبارة أخرى غير ظاهر فقد أعيد تنظيم قسم تحضير القوانين واللوائح والحق بلجنة قضايا الحكومة مع تعديل في تشكيله وبذلك تألفت اللجنة الاستشارية للتشريع وهو الاسم الجديد الذي أعطي للجنة التي بعثت من رفات مجلس شورى الحكومة، قضت المادة (12) من الأمر العالي الصادر في 20 إبريل سنة 1884 بتنظيم إدارة قضايا الحكومة بما يأتي:
(لا يجوز تقديم أي قانون أو أمر عالٍ أو لائحة لمجلس النظار إلا بعد النظر فيها بمعرفة القضايا بالاشتراك مع وكيل نظارة الحقانية ووكيل النظارة ذات الشأن ومن يعينه المجلس من موظفي الحكومة وتقتصر اللجنة الاستشارية التشريعية المؤلفة على هذا النمط على وضع الصيغة القانونية للمشروع المعروض عليها وبعد أن تتحقق مطابقته للقوانين المرعية الإجراء.
مضت اثنتا عشرة سنة من سنة 1884 إلى سنة 1896 ولجنة التشريع باقية بتشكيلها الأصلي ولكن سياسة الاحتلال نمت في خلال ذلك وتأيدت فيما يتعلق بالمواد القانونية بازدياد سلطة المستشار القضائي في وزارة الحقانية فكان من الطبيعي أن المستشار القضائي يمد دائرة نفوذه على الفرع المخصص لمراجعة مشروعات القوانين وقد تم له ذلك بحكم الدكريتو الصادر في 25 يناير سنة 1896 فقد قضت المادة الأولى من الدكريتو المذكور بأن (اللجنة الاستشارية لسن القوانين واللوائح المنصوص عنها في المادة الثانية عشرة من الأمر المشار إليه (أي الأمر الصادر في 20 إبريل سنة 1884) تشكل بالكيفية الآتية:
(ناظر الحقانية - رئيس - المستشار القضائي - أحد المستشارين الخديويين - ناظر مدرسة الحقوق الخديوية - وكيل النظارة المقدمة منها مشروع القانون أو اللائحة أعضاء - ولمستشار الداخلية الحق في الحضور كلما رأى أن لهذه النظارة علاقة بالمشروع وللجنة في كل الأحوال أن تستدعي باقي أعضاء لجنة قضايا الحكومة).
وبهذه الكيفية تحولت لجنة التشريع من أداة في إدارة قضايا الحكومة إلى لجنة من لجان وزارة الحقانية كان يجلس فيها كثير من الموظفين البريطانيين ومستشار واحد من لجنة القضايا ولكن بعد مضي ست سنوات أخذت لجنة القضايا بثأرها فإن الدكريتو الصادر في 17 مايو سنة 902 الذي أعاد تنظيم اللجنة الاستشارية وهو الدكريتو المعمول به الآن قد دعا جميع أعضاء لجنة القضايا إلى الاشتراك في أعمال لجنة التشريع وألغي اشتراك وكيل الوزارة صاحبة الشأن ومستشار وزارة الداخلية [(28)].
ويتضح مما تقدم أن لجنة قضايا الحكومة كانت في ذلك العهد تكون نصف أعضاء اللجنة الاستشارية وقد ازدادت هذه النسبة بعد سنين قلائل بازدياد عدد المستشارين الخديويين حتى أصبحوا هم الأغلبية في اللجنة.
وإذا لاحظتم ما هو معهود في محامي الحكومة وهم مستشارو أقسام القضايا من الميل الشديد إلى المناقشة ولا أقول من العلم والخبرة فإنكم تتبينون ماهية نفوذهم في اللجنة التشريعية.
ومما يجب معرفته أن دكريتو تنظيم هذه اللجنة يجعل الحكومة حرة في عرض مشروعات القوانين عليها ولكنها في الواقع تعرض عليها كافة مشروعات القوانين والدكريتات التي فيها شيء من الأهمية.
وهنا يحسن استقصاء ما للجنة الاستشارية من الاختصاص فإن ذلك لا يخلو من الفائدة خصوصًا وأن الرأي العام بل والإدارة نفسها كثيرًا ما أشكل عليها أمر تحديد هذا الاختصاص فتارة كانت تعترف للجنة بسلطة تشريع حقيقية وطورًا كانت تقتصر اختصاصها على تصحيح العبارات القانونية المستعملة في مشروعات القوانين وفي أوقات المشاكل السياسية كان يهمس أحيانًا بأن اللجنة قد تستعمل وظيفتها على حسب مقتضيات المصلحة السياسية وبهذا تكون ستارًا للوزراء الذين لا يجسرون على أن يتحملوا مباشرة مسؤولية بعض الإجراءات وبديهي أن هذا التعريض لا أساس له بالكلية ولكن من المؤكد أن عمل اللجنة ذو أهمية كبرى.
سبق لنا القول بأن الدكريتو الصادر بإنشاء اللجنة يقضي بأن يقتصر على وضع المشروع في الصيغة القانونية إلا أن عبارة الصيغة لا يمكن بالطبع أن يفهم منها مجرد الألفاظ أو التحرير القانوني أعني استعمال العبارات المخصصة قانونًا للتعبير عن فكرة المشرع فإن هذا العمل يقوم به عادةً قسم القضايا الذي ساعد المصلحة في تحضير المشروع وغير معقول في الجهة الأخرى تكليف لجنة لما ما لها من الأهمية بمراجعة الشكل فقط.
لذلك توسعنا في تأويل تلك العبارة.
كل قانون يرمي إلى تحقيق مصلحة معينة عامة أو خاصة بإعطاء هذه المصلحة صنعة (الحق) بمعنى أنه يجعلها موضوع علاقة قانونية مكفولة بعقوبة مدنية أو جنائية يحصل تطبيقها بمعرفة المحاكم.
والمصلحة العامة أو الخاصة المقصود تحقيقها هي عبارة عن موضوع القانون في حين أن العلاقة القانونية التي تنطوي عليها هذه المصلحة هي في نظرنا ما أراد الدكريتو التعبير عنه بالصيغة القانونية.
وإذن تختص اللجنة فضلاً عن مراجعة العبارات القانونية المستعملة بالنظر أيضًا فيما إذا كانت المصلحة المقصودة يمكن تحقيقها بوسائل قانونية وإذا كانت الوسائل القانونية المقترحة تتمشى مع الأغراض المتوخاة وأخيرًا إذا كانت هذه الوسائل لا تتعارض مع علاقات قانونية أخرى أعني مع حقوق منصوص عليها في قوانين أخرى ونص الدكريتو يؤيد صراحةً اختصاص اللجنة في النقطة الأخيرة إذ أنه يقضي بأن (تجعل اللجنة نصوص المشروع ملائمة للقوانين المتبعة)، وقد فسرنا عبارة (القوانين المتبعة) بأنها تقابل عبارة التشريع المعمول به وهي عبارة تشمل بالبداهة المبادئ والقواعد التي وإن لم تكن مكتوبة بالنص في القوانين إلا أنها مما يستنتجه المتشرعون في القوانين أو المبادئ القانونية العامة أو من العرف وبذلك تمكنا من الدفاع عن القانون المصري ومن ترقيته وتنسيقه باطراد مع أن هذا القانون في الفترة السياسية التي اجتزناها كانت تحوطه أخطار داهمة تهدده بالخروج عن دائرة مصريته.
هذه السلطة الواسعة التي رأينا استعمالها بدون أن نتخطى حدود مهمتنا كرجال القانون كان من شأنها إجراء تعديلات كبيرة في المشروعات التي طرحت علينا للبحث بل إلى التقرير أحيانًا بعدم إمكان قبول تلك المشروعات كلية ولم نكن نجهل دقة المسؤولية في هذا العمل، ولذلك كلما بدت لنا مسألة موضوعية هامة لها بعض لارتباط بالمسألة القانونية أو بصفة عامة وبصرف النظر عن المسألة القانونية لما أن كان يتراءى لنا ضرورة إدخال بعض تعديلات أو إضافات جوهرية كنا نقتصر على أن نعرض للوزير المسؤول عن المشروع بعض اقتراحات كان بطبيعة الحال حرًا في الأخذ بها أو عدم الأخذ [(29)].
وأثناء مراجعة مشروعي الدستور وقانون الانتخاب كثيرًا ما لجأنا إلى طريقة الاقتراحات التي أدت إلى تعديلات حصل التعليق على بعض منها بشدة في الصحافة غير أنه ليس هنا محل الكلام عنها، ولكني أقرر وأنا مرتاح الضمير أن اللجنة لما كانت تقضي بتلك الاقتراحات كان رائدها الوحيد المصلحة العامة للبلد بدون الاكتراث بما إذا كانت تقيد أو لا تقيد حزبًا سياسيًا دون حزب آخر.
4 - إدارة القضايا والامتيازات:
أن الثقة والنفوذ اللذين اكتسبتهما إدارة قضايا الحكومة في مصر يرجعان على الأكثر إلى الخطة التي رسمتها هذه الإدارة لنفسها بأن تكون دائمًا بعيدة عن كل تحزب سياسي.
على إنا إذا كنا نعطي للفظة السياسة معنى علميًا واسعًا فنعبر بها عن الاتجاه العام في تسيير دفة الحكومة بصرف النظر عن مشادة الأحزاب وجب علينا الاعتراف بأن إدارة القضايا اشتركت ولا شك في سياسة البلد لأن أعمالها تناولت أهم مسائل الحكومة.
ولا أريد الدخول هنا في تفصيلات هذا الموضوع الذي لا يخلو من لذة ولكنه لا يخلو أيضًا من دقة فاقتصر على ذكر ما كان من تأثير إدارة القضايا في تطور نظام الامتيازات.
إن إنشاء المحاكم المختلطة وأحكامها المؤسسة على حرية الرأي وصوالح البلاد والسلطة المخولة لتلك المحاكم بتطبيق القوانين الإدارية على الأجانب وبتعديل التشريع المختلط واستعمالها هذه السلطة بلا قيد وما تحصلنا عليه من موافقة الدول صاحبة الامتيازات في أمور الضرائب وغيرها كل هذا أدى في نصف القرن الأخير إلى تحور عظيم في نظام الامتيازات بمعنى أنه خفف تدريجيًا وبدرجة كبيرة من وطأة القيود والأغلال الناشئة عنها ولا نغالي إذا قلنا بأنه لا يوجد الآن في مصر إلا بقايا من نظام الامتيازات القديم.
وإدارة قضايا الحكومة قد اشتركت في هذا التطور بما قامت به من الأعمال في كافة فروعها وقد ساعدت في الوقت ذاته على تلطيف نتائج الامتيازات الأجنبية كلما كان من المتعذر التملص منها [(30)].
ولكن حصل - وهذا ما ألفت إليه أنظاركم - أن إدارة القضايا اضطرت أحيانًا إلي الدفاع عن تلك الامتيازات، ذلك لأن الامتيازات وإن كانت في الحقيقة قيدًا للتشريع والحكم إلا أنها لكونها قيدًا فهي بمثابة الحاجز والحواجز قد تفيد أحيانًا للمحافظة على التوازن ولمنع السقطات الخطرة.
وكثيرًا ما اغتبطنا بالتمسك بالامتيازات في معارضتنا بعض اقتراحات الإدارة توصلاً لمنع قرارات متيسرة أو مبتكرات لا مبرر لها.
وما أكثر ما كتب ضد الامتيازات والرأي العام الإنكليزي على الخصوص قد شدد عليها النكير وعرض على مصر تخليصها منها [(31)].
والواقع أن الامتيازات لم توقف تقدم مصر من الوجهة المدنية وربما جعلت هذا التقدم صعبًا وبطيئًا وغير مستكمل العناصر ولكن مؤرخ المستقبل يثبت ما إذا كانت الامتيازات لم تساعد هي أيضًا على إنماء روح الوطنية والحريات السياسية.
أن مآل الامتيازات إلى الزوال في مستقبل قريب فاسمحوا لي بأن أقول إنه إذا كان القصد زوالها بلا مشاغبات خطرة وبدون شروط ثقيلة وصعبة فإن الطريق الواجب سلوكه ظاهر واضح.
عندما تقتنع الدول صاحبة الامتيازات بأن مصر الحديثة أصبحت قادرة تمامًا على تطبيق المبادئ الحرة التي يشتمل عليها القانون الأهلي والدولي المتبع في الدول المتمدينة وعلى القيام بتعهداتها الدولية فإن تلك الامتيازات التي أكل عليها الدهر وشرب ستسقط من تلقاء ذاتها، فالمسألة إذن لا تتوقف إلا على أمر واحد هو الثقة السياسية، وهذه الثقة عالية في وقتنا الحاضر وكل البوادر تبعث فينا الأمل بأن هذه الثقة تتوطد على ممر الأيام وتستمر باطراد حتى تصل إلى السماك الأعزل.
5 - الأركان الأدبية والنفسية لنفوذ إدارة قضايا الحكومة:
ذكرت الأسباب التي أدت إلى اتساع نفوذ إدارة قضايا الحكومية اتساعًا كبيرًا ولكني لم أتكلم بعد عن السبب الذي هو في نظري أعظم وأهم، وكلما فكرت فيه تعروني هزة فخر وخجل واعتراف بالجميل، فلو قارنا بين هذه الهيئة المصرية وبين الهيئات المشابهة لها في البلاد المتمدينة الأخرى لألفينا فرقًا جوهريًا ألا وهو أن نفوذ هاته الهيئات ناشئ عن قوة القانون في حين أن نفوذ إدارة قضايا الحكومة المصرية هو نتيجة قوة ليست مستمدة في القانون ولو أنها لا تقل عن قوة القانون، نجد فيما يتعلق بالهيئات الأجنبية أن القانون هو الذي يبين بطريقة صريحة قاطعة الأحوال التي يتعين الرجوع فيها إلى إدارة القضايا أو مجلس شورى الحكومة لطلب الرأي أو الاستشارة وكذلك الأحوال التي تتقيد فيها الحكومة بالآراء المعطاة بل والأحوال التي تكتسب فيها تلك الآراء صفة وقوة القرارات الإدارية.
ولكن لا شيء من هذا في إدارة قضايا الحكومة المصرية فإنه بمقتضى القاعدة الأساسية التي وضعت في نظامها الأصلي سنة 1876، والتي تكرر وضعها في جميع قوانينها النظامية (عدا استثناء واحد أدخل حديثًا وسأتكلم عنه الآن) لا توجد أحوال تكون فيها الحكومة أو المصلحة ملزمة قانونًا بأن تستشير إدارة القضايا أو تعرض عليها مشروع عقد أو قانون أو مرسوم وليس ثمة مطلقًا أحوال تكون الحكومة أو المصلحة ملزمة فيها قانونًا باتباع الرأي الذي تطلبه أو بالموافقة على مشروع العقد أو القانون أو المرسوم الذي تحضره إدارة القضايا.
والقانون نمرة (1) سنة 1923 قد أدخل حديثًا استثناءً لهذه القاعدة العامة بالنص الوارد في المادة الثانية منه التي تقضي بما يأتي:
لا يجوز لإدارة أية مصلحة من مصالح الدولة أن تبرم أو تقبل أو تجيز أو تأذن بأي عقد أو صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في أمر تزيد قيمته على خمسة آلاف جنيه مصري بغير استفتاء إدارة قضايا الحكومة على حكم القانون فيه، هذا إذا لم يرَ الوزير المختص غير ذلك بقرار خاص.
ويجب أن يثبت في الوثائق المتقدم ذكرها أن إدارة القضايا قد استفتت فيها.
والأصل في وضع هذا النص يرجع إلى قضية كان لها وقع كبير وهي قضية حصل فيها أن المصلحة بدون استشارة قسم القضايا قبلت ونفذت عقد تحكيم غير قانوني الأمر الذي ألحق ضررًا بليغًا بخزانة الحكومة.
على أنكم تلاحظون أن هذا النص الجديد يلزم المصلحة ولا يلزم الوزير وهو الرئيس المسؤول في الحكومة بطلب رأي القضايا في أحوال مخصوصة فهذا النص يرمي إلى غرض محدود هو منع المصلحة من الدخول بدون استشارة قضائية في تعهدات قد يترتب عليها مسؤولية مالية جسيمة بدون علم الوزير المسؤول وعلى كل حال فإن المصلحة باقية حرة في العمل برأي مستشاريها القضائيين أو عدم العمل به وهذا يؤيد القاعدة العامة التي بمقتضاها لا تكون آراء أقسام القضايا إلزامية للحكومة.
وإذا كان الأمر كما تقدم فما هي القوة المبنية على غير القانون التي تدفع المصلحة والوزراء إلى استشارة أقسام القضايا على الدوام وعلى الأخص إلى اتباع هذه الآراء واحترامها مما جعل وزيرًا من الظرفاء يسميها (الفتاوى) الصادرة من إدارة قضايا الحكومة.
قد يرجع ذلك إلى أسباب كثيرة منها كفاءة المستشارين الشخصية وضرورة الالتجاء إلى مساعدتهم والخوف من المسؤولية السائدة كما يقال - في مصالح الحكومة ولكن يلوح لي أن أسبابًا كهذه قد تكون كافية لإيجاد مثل هذا النفوذ في بلد غير مصر فلنبحث إذن عن العامل الذي اعتبره مكملاً لهذه الأسباب بل وقوامها نجده كامنًا في نفسية الشعب المصري.
هذا الشعب الذي يبدو للأجانب في المعاملات السطحية معهم بمظاهر قد تخدعهم أحيانًا عن حقيقة أمره يحمل بين جنبيه نفسًا شرقية تواقة إلى وجود من توليه ثقتها وتجعله محل أمانتها فإذا توفرت هذه الثقة وهذه الأمانة تتفتح النفس المصرية وتكشف عن مكنوناتها وتستسلم كلية وبلا تحفظ.
ولقد نجحنا في اجتذاب هذه الثقة في اكتساب هذه الأمانة.
رابعًا: مستقبل إدارة قضايا الحكومة:
تكذب النبوءات خصوصًا فيما يتعلق بالأنظمة العمومية ولا سيما في بلد كمصر تدخل اليوم فقط في الحياة الدستورية والديمقراطية لذلك أراني مترددًا في أن أختم هذه المحاضرة بالتنبؤ عما بكون مستقبل إدارة قضايا الحكومة.
ولقد يمكنني أن أقول ما عساه أن يكون هذا المستقبل إذا كانت مصر تستمر على السير كما أؤمل في طريق الرقي الذي صارت فيه قبلها الدول الحديثة ويسهل التكهن بأن الأعمال الموكولة الآن إلى إدارة القضايا ستزداد وتصبح مثقلة بالصعاب.
فإن القضايا ضد الحكومة لا بد وأن يزيد عددها وعلى الأخص في المستقبل القريب وذلك أما بسبب اتساع نطاق الأعمال العمومية التي يتطلبها البرلمان وإما بسبب الأغلاط التي يصعب تجنبها على هيئة موظفي الإدارة الذين لم يكتسبوا بعد الخبرة اللازمة، وأما بسبب روح الديمقراطية التي تستنهض أو تقوى في نفوس الأهلين شعورهم بحقوقهم وبالتالي شعورهم بواجبات الحكومة نحوهم وللأسباب عينها ستتبع دائرة الأعمال لما سميته (القسم الإداري) في إدارة القضايا ويترجح تكميله بهيئة أخرى أسميها (القسم البرلماني) تختص بالمسائل القانونية في تفسير الدستور وتطبيقه على الأخص في العلاقات بين الوزراء والبرلمان.
ولقد يلوح لأول وهلة أن وظيفة البرلمان التشريعية ستحل حتمًا محل إدارة القضايا في تحضير مشروعات القوانين ولكن المنظور غير ذلك إذا كنا نقيس بما هو جار من قديم في البرلمانات الأوربية لأنه قد ثبت بالاختبار أن البرلمانات قليلة الكفاءة بدرجات متفاوته من الوجهة الفنية في تحضير مشروعات القوانين اللهم إلا إذا كانت تلك المشروعات مما تتغلب فيه الصفة السياسية - فالبرلمان هو أولاً وقبل كل شيء هيئة سياسية وفضلاً عن ذلك فإن مشروعات القوانين التي يكون اقتراحها برلمانيًا نادرة جدًا ومصدرها الفشل في غالب الأحيان وإذن فإن عمل إدارة القضايا في هذا الفرع وإن كان يستلزم زيادة الإتقان الفني إلا أنه على الأرجح لا يكون أقل ولا أسهل مما هو عليه الآن.
على أنه إذا كان من المنتظر زيادة الاختصاصات الحالية الموكولة لأقلام القضايا فإن ذلك ليس معناه أن نظام القضايا في الحالة الراهنة سيبقى على ما هو عليه بل بعكس ذلك أن زيادة العمل ورغبة الإصلاح وهي وليدة كل نظام سياسي جديد ستؤديان إلى عمل إصلاحات وعلى الأرجح إلى توزيع اختصاصات أقلام القضايا على هيئات مختلفة وإلى إعادة نظام مجلس شورى الحكومة.
وبما أن مهمتي في مصر قاربت الانتهاء فإنه لن ينالني أسف مشاهدة هذه التجزئة التي ستصيب على الأرجح نظام إدارتنا القويم.
وإذا كان على الأقدمين واجب النصح الأ
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)