بسم الله الرحمن الرحيم

أهلا بكم فى مدونة محمد جابر عيسى القانونية

23 سبتمبر 2011

سلطة عمل اللوائح

مجلة المحاماة - العدد الثامن والتاسع والعاشر
السنة الثانية والعشرون1942

بحث في سلطة عمل اللوائح
للدكتور السيد صبري الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة فاروق الأول

مقدمة:
قبل أن نبدأ البحث في سلطة عمل اللوائح يبدو من الضروري أن نمهد له بهذه المقدمة التي تشتمل على أمرين:
الأول: مقارنة اللائحة بالقانون.
الثاني: بيان أنواع اللوائح المختلفة.
( أ ) اللائحة والقانون:
اللائحة بحسب تعريف يكاد الإجماع ينعقد عليه هي (قرار بقاعدة عامة تصدر من عضو أو هيئة غير الهيئة التشريعية في البلاد) [(1)].
ولما كان القانون هو قاعدة عامة تطبق على الجميع وصادرة من السلطة التشريعية فاللائحة لا تختلف عنه من حيث الموضوع لأن كلاً منهما يملي قاعدة عامة تطبق على جميع السكان، ومع أن اللائحة هي كالقانون من هذه الناحية إلا أنها تختلف عنه ويبدو هذا الاختلاف في النواحي الآتية:
أولاً: اللائحة تختلف عن القانون من حيث الشكل فاللائحة تصدر من السلطة التنفيذية أو عضو إداري تابع لها وهي تصدر في شكل مرسوم أو قرار (قرار مجلس وزراء، قرار وزاري، قرار مدير، قرار مجلس مديرية، قرار مجلس بلدي) أما القانون فيصدر من السلطة التشريعية أي بعد إقرار البرلمان وتصديق الملك.
ثانيًا: وإن كانت اللائحة تشبه القانون من حيث إنها تملي قاعدة عامة إلا أنها ليست متساوية معه في القوة فالقانون من عنصر أقوى لأنه ينشئ القواعد التي تسري على السلطات الحكومية نفسها وتهيمن على سلطة عمل اللوائح، أما اللائحة فخاضعة للقانون الذي يستطيع أن يلغيها دون قيد أو شرط كما لا تسري على السلطات الإدارية رغمًا عنها فهي التي أنشأتها وهي في حل من تغييرها أو تعديلها.
ثالثًا: ما دامت اللائحة خاضعة للقانون فهي لاحقة له ولا تصدر إلا في الشكل الذي يحدده لها وهي لا يمكن أن تكون مخالفة له بأي حال ولا أن تخرج عن الموضوع الذي شرعه لها.
رابعًا: بما أن اللائحة خاضعة للقانون ولا يمكن أن تتعارض معه فهي كذلك خاضعة لرقابة السلطة القضائية فإذا لم تكن متفقة معه بأن خالفته أو خرجت عن حدوده حكمت المحاكم ببطلانها.
(ب) أنواع اللوائح:
تنقسم اللوائح إلى أربعة أنواع:
الأول: اللوائح التنفيذية règlements en execution des lois وقد نص عليها الدستور المصري في المادة (37) (الملك يضع اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها أو إعفاء من تنفيذها).
الثاني: اللوائح المستقلة أو القائمة بذاتها règlements autonomes وقد نصت عليها المادة (44) من الدستور (الملك ينظم المصالح العامة).
الثالث: اللوائح ذات الصبغة التشريعية أو لوائح الضرورة règlements de nècessitè وقد نصت عليها المادة (41) من الدستور (إذا حدث فيما بين أدوار انعقاد البرلمان ما يوجب الإسراع إلى اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير فللملك أن يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون بشرط أن لا تكون مخالفة للدستور وتجب دعوة البرلمان إلى اجتماع غير عادي وعرض هذه المراسيم في أول اجتماع له فإذا لم تعرض أو لم يقرها أحد المجلسين زال ما كان لها من قوة القانون).
الرابع: اللوائح التفويضية regsur délégation législatives وهي لوائح تصدرها السلطة التنفيذية في شكل مراسيم بقوانين لا بناءً على المادة (41) سالفة الذكر بل بناءً على تفويض صادر لها من البرلمان في حدود معينة.
وسنتناول فيما يلي شرح كل نوع من أنواع هذه اللوائح ما عدا اللوائح التشريعية التي تصدر طبقًا للمادة (41) من الدستور إذ لها حكمًا خاصًا سنفرد له بحثًا قائمًا بذاته في فرصة أخرى.

المبحث الأول: اللوائح التنفيذية

أولاً: أساسها الدستوري ومداها:
اللوائح التنفيذية وهي النوع الأول من أنواع اللوائح هي من اختصاص الملك في مصر باعتباره رئيسًا للسلطة التنفيذية وقد ذكرنا أنها مستمدة من المادة (37) من الدستور التي تنص (الملك يضع اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها أو إعفاء من تنفيذها).
1 - مصدر هذه السلطة: اقتبس المشرع المصري المادة (37) المذكورة من المادة (67) من الدستور البلجيكي التي تنص على أن الملك يضع اللوائح والقرارات الضرورية لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعطيل لها أو إعفاء من تنفيذها

(Le Roi fait les règlements et arrêtés necessaires pour l’exécution des lois, sans pouvoirs Jamais ni suspendre les lois elles - même, ni dispenser de leur execution).

ويقول الشراح أن الدستور البلجيكي أخذ هذا المبدأ من دستوري فرنسا الصادرين في السنة الثالثة والسنة الثامنة إذ نصت المادة (144) من دستور السنة الثالثة على أن (الحكومة لها أن تصدر تنبيهات proclamations مطابقة للقانون وبقصد تنفيذه)، كما نصت المادة (44) من دستور السنة الثامنة على أنه (ليس للسلطة التنفيذية أن تضع أي قانون ولكن لها أن تصدر تنبيهات متفقة مع القانون وبقصد تنفيذه [(2)].
ومع ذلك فقد لاحظ الشراح أن هناك اختلافًا واضحًا بين حق إصدار التنبيهات الواردة ذكره في هذين الدستورين وبين حق إصدار اللوائح التنفيذية التي هي عبارة عن قواعد عامة كالقانون تمامًا لأنه حتى مع التسليم بأن هذه اللوائح لا تخرج عن حدود القانون فإنها كثيرًا ما تتمه.
على أن دساتير الثورة الفرنسية وإن لم تعطِ رئيس الجمهورية حق إصدار اللوائح التنفيذية على الوضع الذي جاءت عليه الدساتير الحديثة فإن الضرورات العملية هي التي أعطته ذلك الحق الذي أصبح مسلمًا به لدى الفقهاء جميعًا رغم أن الدستور الفرنسي الحالي لم ينص عليه صراحةً كذلك إذا اكتفت المادة الثالثة منه على القول بأن رئيس الجمهورية يراقب القوانين ويسهر على تنفيذها.

(Le President de la Republique surveille et assure l’exécution des lois).

2 - تعليل هذه السلطة ومداها:
( أ ) يرى رجال الفقه أن سلطة إصدار اللوائح التنفيذية تدخل بطبيعتها في الاختصاص التنفيذي لأن السلطة التنفيذية هي المكلفة بتنفيذ القانون، وفي فرنسا رغم عدم صراحة المادة الثالثة من الدستور سالفة الذكر يذهب أغلب الفقهاء إلى أنها الأساس الدستوري لسلطة رئيس الدولة في إصدار اللوائح التنفيذية لأن السهر على تنفيذ القوانين الذي نصت عليه هذه المادة يقتضي إصدار اللوائح التنفيذية بلا جدال.
بل لقد ذهب رجال الفقه إلى أن للسلطة التنفيذية أن تصدر لوائح متممة للقوانين نفسها طالما أن المقصود من هذه اللوائح هو تنظيم تفاصيل القوانين العديدة المتشعبة التي لا يمكن أن يتضمنها القانون نفسه لكثرتها، على أنه يشترط في هذه اللوائح التكميلية أن لا تخرج عن حدود القانون الأصلية [(3)].
ويرى أزمان أن في عمل اللوائح المتممة للقوانين على هذا الوضع تخليصًا للنصوص القانونية من التفاصيل الصغيرة التي لا يفيد وجودها في تلك النصوص؛ كما أن تركها للسلطة التنفيذية هو أكثر انطباقًا على مبدأ فصل السلطات لأنها السلطة الأكثر اختصاصًا وهي بمركزها أقدر على هذا التنظيم، وزيادة على ذلك فإنه يكاد يكون من المستحيل أن ينظم المشرع كل تفاصيل القانون المعقدة الكثيرة التشعب، وقد أصبح هذا الرأي الفقهي معمولاً به في جميع البلاد الديمقراطية:
ففي فرنسا أصبح من المسلم به أن على الحكومة - دون أن يدعوها البرلمان - القيام بإصدار اللوائح المنفذة والمكملة للقانون حتى يسهل تطبيقه على النحو الذي أراده المشرع.
وفي الولايات المتحدة وإنجلترا حيث يحتفظ البرلمان بحقه الكامل في وضع القوانين تقوم السلطة التنفيذية بإصدار هذه اللوائح [(4)].
وعلى ذلك يجب تفسير المادة (37) من الدستور المصري على الوضع السالف الذكر أي أن من حق السلطة التنفيذية إصدار اللوائح المنفذة والمكملة للقوانين، وقد جرى العمل على ذلك فعلاً فلا يكاد يصدر قانون من البرلمان إلا ويصدر الوزير المختص لائحته التنفيذية، ومن أمثلة اللوائح التنفيذية اللائحة الصادرة في 13 مايو سنة 1939 من وزير المالية تنفيذًا لقانون الدمغة الصادر في 11 مايو سنة 1939.
(ب) على أن السلطة التنفيذية وإن كانت تملك إصدار لوائح متممة للقوانين فإنها لا تملك أن تضيف قواعد خارجة أو مخالفة لغرض المشرع عن طريق هذه اللوائح لأن ذلك يكون خروجًا عن حدود السلطة التنفيذية ويعتبر تشريعًا لا شك فيه أو بعبارة أخرى تعد على سلطة البرلمان لا يتفق والمبادئ الدستورية ويكون على المحاكم واجب اعتبار هذه اللوائح باطلة والامتناع عن تطبيقها.
والمحاكم المصرية متفقة لحسن الحظ على حقها في رقابة اللوائح وبذلك تمشت مع محاكم البلاد الأخرى التي يقوم نظام الحكم فيها على مبدأ فصل السلطات.
ومن الأمثلة على ذلك ما حكمت به محكمة مصر الكلية في 22 فبراير سنة 1934 إذ رفضت تطبيق المادة العاشرة من لائحة التنظيم الصادرة في 8 سبتمبر سنة 1889 تنفيذًا لقانون التنظيم الصادر في 26 أغسطس من السنة نفسها لأن هذه اللائحة قد تجاوزت السلطة التي منحتها المادة (19) من هذا القانون لوزير الأشغال في إصدار اللائحة التنفيذية، والواقع أن المادة الأولى من قانون التنظيم نصت على منع البناء أو الترميم أو الهدم إلخ على جانبي الطريق العام في البلاد التي بها مصلحة تنظيم إلا بعد الحصول على رخصة من المصلحة المذكورة، كما نصت المادة الحادية عشرة على أن القيام بهذه الأعمال خارج خط التنظيم معاقب عليه بالغرامة فضلاً عن الإزالة، ولكن المادة العاشرة من اللائحة التنفيذية سالفة الذكر نصت على أنه لا يجوز للملاك إقامة أي بناء على أراضيهم المزمع إدخالها في حدود طرق لم تنشأ بعد ولكن مزمع إنشائها وذلك بمجرد صدور اعتماد خط تنظيم هذه الطرق المزمع إنشائها.
وواضح أن القيد الواردة بالمادة الأولى من قانون التنظيم إنما هو خاص فقط بالطرق القائمة فعلاً بينما أضافت المادة العاشرة من اللائحة التنفيذية الطرق المزمع إنشائها التي لا وجود لها إلا على أوراق مصلحة التنظيم وبذلك تكون اللائحة التنفيذية قد أوجدت حالة جديدة لم ينص عليها القانون أو بعبارة أخرى تكون قد خرجت من القانون، لذلك كانت المحكمة على حق عند ما رفضت تطبيق المادة العاشرة من اللائحة لخروجها عن المادة الأولى من القانون وعن المادة (19) منه التي أجازت للوزير عمل لائحة تنفيذية لا إضافة قواعد جديدة [(5)].
كذلك حكمت محكمة النقض في 6 يناير سنة 1936 بأن قرار وزير العدل الصادر في 16 فبراير سنة 1924 تنفيذًا لقانون التشرد الصادر في 29 يونيه سنة 1923 باطل لخروجه عن القواعد العامة الخاصة بالتنفيذ إذ نص ذلك القرار على أن المعارضة في إنذار التشرد الذي يسلمه البوليس للمشتبه فيه لا يوقف سريان مدة العشرين يومًا التي نص عليها القانون كمهلة لتمكين الشخص المشتبه فيه من تغيير أحوال معيشته، واللائحة بهذا النص قد خرجت عن القواعد العامة للتنفيذ التي تجعل المعارضة توقف التنفيذ، هذا إلى أن قانون التشرد نفسه لم ينص على الخروج عن هذه القواعد ولم يخول لوزير العدل إضافة أحكام جديدة [(6)].
يتضح من كل ما تقدم أن سلطة إصدار اللوائح التنفيذية مستمدة من المادة (37) من الدستور وأن هذه اللوائح تصدر في حدود القانون المنفذة له ويصح أن تتمم هذه اللوائح ذاك القانون بشرط أن لا تخرج عن حدوده فإذا تعدت تلك الحدود أمكن الطعن فيها فإذا ثبت ذلك للمحكمة امتنعت عن تطبيقها لبطلانها.
وقد جرى العمل على أن تعين القوانين الوزير أو الوزراء المختصين بإصدار اللوائح المنفذة لها، ولذلك تصدر هذه اللوائح دائمًا مدبجة بالعبارة الآتية (وزير…. بعد الاطلاع على المادة…… من القانون رقم……. قرر ما هو آتٍ………..).
على أنه يجب العلم أن سلطة إصدار اللوائح التنفيذية لا تستمد قانونيتها من هذه النصوص الواردة بالقوانين بل من المادة (37) من الدستور، فإذا أغفل القانون ذكر الوزير أو الوزراء المختصين بالتنفيذ فإن ذلك لا يؤثر مطلقًا على حق السلطة التنفيذية في إصدار لائحة القانون التنفيذية لأن حقها مستمد من الدستور لا من القانون الصادر من البرلمان.
ويتضح من ذلك أن تعيين القانون للوزير المختص بإصدار اللائحة التنفيذية لا يعتبر تفويضًا من البرلمان للسلطة التنفيذية إنما هو دعوة لهذه السلطة باستعمال حقها الذي تملكه بمقتضى المادة (37) من الدستور، وعلى ذلك لا يصح اعتبار أي لائحة صادرة بناءً على دعوة كهذه أنها لائحة تفويضية وبالتالي جزءًا من التشريع نفسه بل تظل لائحة تنفيذية في حدود القانون نفسه ومن اختصاص السلطة التنفيذية بحسب مبدأ فصل السلطات.
وعلى ذلك تكون محكمة مصر الكلية قد أخطأت - كما أوضح ذلك الدكتور وحيد رأفت [(7)] في حكمها الصادر في 30 مارس سنة 1933 عندما اعتبرت لائحة الجبانات الصادرة في 24 مارس سنة 1926 تنفيذًا لقانون الجبانات الصادر في 6 مارس سنة 1922 لائحة تشريعية صادرة عن تفويض من البرلمان وأنها بذلك تكتسب قوة التشريع، ولا داعي لتكرار ما سبق ذكره من أن مثل هذه اللوائح هي لوائح تنفيذية من اختصاص السلطة التنفيذية ولا يمكن أن يكون لها صفة التشريع ويجب على المحاكم أن ترفض تطبيق ما اشتملت عليه من القواعد المخالفة للقانون ذاته أو الخارجة عن حدوده.
أما اللوائح التي تصدر بناءً على تفويض صادر من البرلمان فهي النوع الرابع من اللوائح أي اللوائح التفويضية وسنتكلم عليه فيما بعد.
ثانيًا: الهيئات التي تملك إصدار اللوائح التنفيذية:
( أ ) الهيئات المركزية:
رأينا أن اللوائح التنفيذية يصدرها رئيس الدولة لأنها من حقه طبقًا للمادة (37) من الدستور أي أنها تصدر في شكل مراسيم ما لم ينص القانون نفسه على الوزير المختص الذي يملك هذا الحق إذ في هذه الحالة تصدر اللائحة في شكل قرار وزاري، على أنه إذا لم ينص القانون على الوزير أو الوزراء المختصين بإصدار اللائحة التنفيذية فإننا نرى أنه لا بد من صدورها في شكل مرسوم طبقًا لنص المادة (37) سالفة الذكر أي لا بد من تذييلها بإمضاء رئيس الدولة لتكون صحيحة من الناحية القانونية.
ويرى الدكتور وحيد رأفت - وهو الذي يرجع إليه الفضل الأكبر في دراسة القانون الإداري في مصر على الوجه الحديث - أن العمل ما زال جاريًا على خلاف ذلك وأن الوزراء يصدرون لوائح تنفيذية وتكميلية من تلقاء أنفسهم وأورد عدة أمثلة لذلك منها قرار وزير الداخلية الصادر في 31 مايو سنة 1931 الخاص بالأسبلة والأحواض والحنفيات….، وقرار وزير الصحة الصادر في 12 ديسمبر سنة 1937 بشأن حظر جمع فضلات التمباك وأعقاب السجاير وقراره الصادر في 25 أكتوبر سنة 1924 الخاص باتخاذ الإجراءات اللازمة ضد نقل بعض الحيوانات والموبوءة [(8)].
ولكن يبدو لنا أن الواقع لا يؤيد ذلك فالوزراء لم يصدروا لوائح تنفيذية أو تكميلية إلا في الأحوال التي أباح لهم القانون نفسه ذلك، أما الأمثلة المذكورة فبعضها خاص باللوائح المستقلة كالمثلين الأولين أما المثال الأخير فهو فعلاً للائحة تنفيذية ولكنها صادرة في حدود الأمر العالي الصادر في أول فبراير سنة 1883، والمعدل بقوانين أخرى وقد أعطى الوزير هذا الاختصاص.
وقد سرى هذا الالتباس في حكم أصدرته محكمة الإسكندرية الكلية بتاريخ 28 إبريل سنة 1932 خاصًا بقرار وزير الزراعة الصادر في 2 يناير سنة 1928 بتعديل لائحة السلخانات السابق صدورها في سنة 1893، وقد حكمت المحكمة بأن الوزير لم تعدله سلطة إصدار مثل هذه اللوائح بعد صدور الدستور إذ انتقل هذا الحق الذي كان للوزراء قبل صدور الدستور إلى الملك بنص المادة (37) من الدستور.
وعلى ذلك أصبح من المحتم صدور مثل هذه اللوائح في شكل مراسيم وبذلك يكون القرار الوزاري الصادر في 2 يناير سنة 1928 والمعدل للائحة السلخانات جاء مخالفًا للنظام الأساسي للدولة المصرية وقد تجاوز الوزير في إصداره سلطته الإدارية وأنه لهذا وقع باطلاً قانونًا ويجب على المحكمة عدم تطبيقه (انظر بهذا المعنى أيضًا الدكتور متولي القانون الإداري صـ 139 وما بعدها) [(9)].
ولا شك أن المحكمة أخطأت في هذا التخريج إذ خلطت بين اللائحة التنفيذية واللائحة القائمة بذاتها فلائحة السلخانات الصادرة في 2 يناير سنة 1928 هي لائحة قائمة بذاتها، وعلى ذلك لا تنطبق عليها المادة (37) من الدستور الخاصة باللوائح التنفيذية، إن اللائحة المذكورة صدرت معدلة للائحة السلخانات الصادرة عام 1893 وللقرارات اللاحقة بها فهي لائحة صادرة بتعديل لائحة صادرة لتنفيذ قانون ولائحة السلخانات الصادرة عام 1893 هي لائحة قائمة بذاتها أيضًا أي لا تتصل بأي قانون، وعلى ذلك تكون اللائحة التي رفضت المحكمة تطبيقها هي لائحة قائمة بذاتها أي لائحة مستقلة لا يسري عليها حكم المادة (37) من الدستور.
حقيقة من رأينا أن تصدر هذه اللوائح المستقلة في شكل مراسيم ولكن لأنها تقع تحت حكم المادة (37) من الدستور بل لأسباب أخرى سنذكرها عند بحث اللوائح المستقلة.
(ب) الهيئات المحلية:
ولكن بجانب الهيئات الإدارية المركزية التي لها حق إصدار لوائح تنفيذية على الوضع السالف الذكر توجد هيئات إدارية محلية كالمحافظين والمديرين والعمد والمجالس البلدية والمحلية ومجالس المديريات، ولا شك في أن لبعض هذه الهيئات سلطة إصدار لوائح جاء ذكرها في المادة (395) من قانون العقوبات التي نصت (كل من خالف أحكام اللوائح العمومية أو المحلية الصادرة من جهات الإدارة العمومية أو البلدية أو المحلية يجازى بالعقوبات المقررة في تلك اللوائح……).
فهل لهذه الهيئات الإدارية المحلية حق إصدار لوائح تنفيذية ؟ لم يتعرض رجال القانون العام في مصر لهذا البحث بالوضوح الكافي وإن كان يبدو لنا أن الدكتور وحيد رأفت يجيز لبعض هذه الهيئات المديرون والمحافظون ومجلس بلدي الإسكندرية إصدار اللوائح بصفة عامة مما قد يدعو للاعتقاد بأنه يجيز لها ضمنًا إصدار لوائح تنفيذية [(10)].
ونحن لا نشك مطلقًا في أن هذه الهيئات المحلية ليس لها أي حق في هذه اللوائح لأن القوانين هي قواعد عامة تطبق على جميع السكان واللوائح المنفذة لها يجب أن تكون لها بطبيعة الحال هذه الصفة العامة لاتصالها بتلك القوانين، وعلى ذلك لا بد من صدور لوائح التنفيذ من الحكومة المركزية على الوضع السالف الشرح.
ومما يؤيد رأينا ما جرى عليه العمل فعلاً من حصر مهمة المحافظين والمديرين على تطبيق اللوائح التنفيذية الصادرة من الحكومة المركزية والملحقة بالقوانين كما هي دون إضافة فإذا ما بدت لهم عقبات أو كانت لهم ملاحظات فعليهم إبداؤها للحكومة المركزية التي لها وحدها تعديل هذه اللوائح العامة إذا رأت ذلك.
وزيادة على ذلك فليس من المقبول أن يقوم كل محافظ أو مدير بوضع لائحة تنفيذية لقانون صادر من البرلمان لأن معنى ذلك اختلاف طرق التنفيذ باختلاف المحافظات والمديريات الأمر الذي يتنافى مع صفة القانون العامة الموحدة، لذلك لا نجد قانونًا ينفذ إلا ومعه لائحته التنفيذية الصادرة من الحكومة المركزية لتطبق على جميع السكان كالقانون نفسه لا سيما وقد رأينا أن اللائحة كثيرًا ما تشتمل على تفاصيل متممة للقانون وبداهة أنه لا يمكن ترك مثل هذه التفاصيل لتنظيمها بواسطة الهيئات الإدارية المحلية.
أما مجلس بلدي الإسكندرية فلا أدل على أنه لا يملك سلطة إصدار اللوائح التنفيذية من الرجوع إلى المادة (33) من الأمر العالي الصادر بإنشائه التي تنص (لا يجوز للقومسيون البلدي أن يتداول في القوانين أو الأوامر العالية أو اللوائح أو الإجراءات المقررة بالقوانين أو الأوامر أو اللوائح وكذلك الإجراءات الصادر بشأنها قرارات وزارية يجب تنفيذها بتمامها كما هي).
وهذه المادة قاطعة في أن اللوائح التنفيذية خارجة عن اختصاص المجلس البلدي كما أنها تلزم البلدية بتطبيق القوانين واللوائح التنفيذية المركزية كما هي دون إضافة أو نقص.
وهذه المادة بنفسها فيها الدليل على صحة ما قلناه بالنسبة للمديرين والمحافظين لأنها تدل على حرص الحكومة المركزية على الاحتفاظ لنفسها بحق إصدار اللوائح التنفيذية للقوانين فليس لأي هيئة محلية أن تضيف أو تنقص منها بل تنحصر وظيفتها في تنفيذها كما هي.
أما ما جاء بالمادة (395) من قانون العقوبات وغيره من القوانين عن اللوائح المحلية فهو خاص بلوائح البوليس كما سترى في المبحث التالي.
والخلاصة من كان ما تقدم أن اللوائح التنفيذية توضع لتنفيذ القانون وتكميله بما لا يخرج عن حدوده وهي من اختصاص الملك باعتباره رئيس السلطة التنفيذية فلا بد من صدورها في شكل مراسيم ما لم ينص القانون على الوزير أو الوزراء المختصين بالتنفيذ إذ في هذه الحالة فقط يصح أن تصدر في شكل قرارات وزارية، هذا واللوائح التنفيذية هي لوائح عامة لا تصدر إلا من الحكومة المركزية فلا توجد أي هيئة محلية لها حق إصدارها.

المبحث الثاني: اللوائح المستقلة أو القائمة بذاتها

اللوائح المستقلة هي لوائح لا تتصل بأي قانون قائم، لذلك سميت باللوائح القائمة بذاتها أو المستقلة.
وينقسم هذا النوع من اللوائح إلى قسمين:
الأول: لوائح المصالح العامة règlements de services publics
الثاني: لوائح البوليس règlements de police
1 - لوائح المصالح العامة:
هذه اللوائح منصوص عنها في المادة (44) من الدستور (الملك يرتب المصالح العامة…)، فترتيب المصالح العامة هو اختصاص تنفيذي أعطاه الدستور لرئيس الدولة باعتباره رئيسًا للسلطة التنفيذية ونحن لا نتعرض هنا لدراسة هذا الاختصاص إذ قلما يهم المشتغلين بالقانون من الناحية العملية.
2 - لوائح البوليس:
1 - تعريفها: لائحة البوليس هي نص عام يحد من الحريات الفردية بقصد حفظ الأمن والصحة السكينة la sécurité, la tranquilété et la salabrité publique [(11)] فالغرض إذن من لوائح البوليس هو المحافظة على أمن وصحة الجمهور كاللوائح التي تصدر بتنظيم سير السيارات أو مراقبة الأغذية.
وجميع هذه اللوائح تضع قواعد عامة تطبق على جميع السكان وتحد من الحريات العامة فهي قوانين من حيث الموضوع وإن لم تكن قوانين من حيث الشكل لصدورها عن طريق السلطة التنفيذية في شكل مراسيم بدلاً عن طريق البرلمان في شكل قوانين.
2 - أساسها الدستوري:
( أ ) في فرنسا: اختلف رجال الفقه الفرنسي في الأساس الدستوري للوائح البوليس فأقرها البعض بينما اعتبرها البعض الآخر مخالفة للقواعد الدستورية فيري هوريو [(12)] أن هذه اللوائح من واجبات السلطة التنفيذية لأن الغرض منها حفظ الأمن والنظام وحق إصدار اللوائح ليس قاصرًا على اللوائح التنفيذية بل يتضمن بلا شك لوائح البوليس.
كذلك يرى مورو [(13)] أن رئيس السلطة التنفيذية يملك بجانب سلطة إصدار اللوائح التنفيذية سلطة إصدار لوائح قائمة بذاتها وليس هذا الحق مستمدًا من القانون بل من وظيفة الحكومة ما دام عبء حفظ النظام يقع على عاتقها.
أما العلامة دوجي فيرى أن لوائح البوليس لا تستند إلى أي نص من نصوص الدستور لأنها مستقلة ولا تتصل بأي قانون لتنفيذه أو تكميله وهو يعرف لوائح البوليس بأنها قواعد إجبارية - كالقانون تمامًا - تطبق في جميع البلاد، ولكن بالرغم من عموميتها وعدم ارتكازها على أساس دستوري فإنها لم تبعث على الشكوى وأعطى العميد دوجي أمثلة لهذه اللوائح منها المرسوم الصادر في 2 أكتوبر سنة 1988 الخاص بإقامة الجانب في فرنسا والمرسوم الصادر في 31 ديسمبر سنة 1922 الخاص بالقواعد العامة لنظام الطرق code de la route والمرسوم الصادر في 24 مارس سنة 1914 الخاص بتنظيم الملاحة الداخلية وما شابه ذلك من المراسيم العديدة [(14)].
ولا شك في أن جميع هذه المراسيم لم تصدر تنفيذًا لقوانين سابقة فهي لا تتصل بأي قانون إذ لم يقر البرلمان أي تشريع خاص بهذه المسائل.
وقد قام العميد دوجي ببحث سلطة إصدار لوائح البوليس على ضوء التطورات التاريخية من بدء ظهور الدساتير الفرنسية المختلفة وانتهى إلى أن أساس هذه اللوائح هو العادة والعرف إذ التجأت الحكومة رويدًا رويدًا إلى إصدار هذه اللوائح تحت ضغط الضرورات العملية وعلى ذلك يكون أساسها القانوني هو قاعدة دستورية نشأت وتدرجت ببطء خلال القرن التاسع عشر [(15)].
ولكن بينما يبرز هؤلاء الفقهاء لوائح البوليس التي تصدرها السلطة التنفيذية بأسباب مختلفة يرى البعض - ونخص منهم بالذكر العلامة كاريه دي مليبرج - أنه ليس لرئيس الدولة حق إصدار مثل هذه اللوائح لأن الدستور الفرنسي لم ينص على مثل هذا الحق، وعلى ذلك فلوائح البوليس هي مخالفة لقواعد الدستور ولا يصح للسلطة التنفيذية إصدارها ما لم يكن صدورها متصلاً بقوانين سبق أن أقرها البرلمان [(16)].
(ب) في بلجيكا: رأينا أن الدستور البلجيكي نص في المادة (76) على حق رئيس الدولة في إصدار اللوائح التنفيذية وإن هذه المادة هي الأساس الذي أخذ منه المشرع المصري المادة (37) من الدستور.
ولكن الدستور البلجيكي - كالدستور الفرنسي - لم ينص على حق السلطة التنفيذية في إصدار لوائح مستقلة خاصة بتنظيم مسائل البوليس، وعلى ذلك يرى رجال الفقه في بلجيكا أن ليس لرئيس الدولة حق إصدار لوائح البوليس وأن اختصاصه قاصر على إصدار اللوائح التنفيذية ومن ثم تكون لوائح البوليس التي تصدرها السلطة التنفيذية في بلجيكا ليس لها أي أساس دستوري بل هي باطلة ولا يجوز للمحاكم تطبيقها [(17)].
على أن محكمة النقض البلجيكية أصدرت في 16 يناير سنة 1922 حكمًا مخالفًا لرأي الفقه إذ اعترفت بحق رئيس السلطة التنفيذية في إصدار لوائح البوليس الضرورية لحفظ الأمن والصحة والسكينة استنادًا على أن ذلك من وظيفته لأنه يملك سلطة بوليس عامة [(18)].
(ج) في مصر: تكلمنا فيما سبق على إصدار لوائح البوليس في كل من فرنسا وبلجيكا تمهيدًا لاستعراض نظام إصدار هذه اللوائح في مصر على أن ذلك يستدعي أن نشرح هذا النظام في مرحلتين مختلفتين:
الأولى: قبل صدور الدستور.
والثانية: بعد صدور الدستور.
أولاً: قبل صدور الدستور: جرى العمل قبل صدور الدستور على أن تقوم السلطة التنفيذية بإصدار لوائح البوليس دون أن تكون هذه اللوائح منفذة أو متممة لقوانين سابقة.
ومن أمثلة هذه اللوائح المرسوم الصادر في 7 مايو سنة 1899 الخاص بالمحافظة على الصحة العمومية عند ظهور الطاعون أو الكوليرا وقرار وزير الداخلية الصادر في 12 يوليو سنة 1911 الخاص بلائحة التياترات وقراره الصادر في 16 مايو سنة 1913 الخاص بلائحة السيارات، ولا يجد الباحث أي صعوبة في تعليل تنظيم مسائل البوليس عن طريق إصدار اللوائح إذ جميع السلطة قبل صدور الدستور كانت مركزة في يد الحاكم ومجلس النظار وجرت العادة على أن يكون تنظيم مسائل الأمن والصحة والسكينة عن طريق إصدار اللوائح أي عن طريق السلطة التنفيذية أما السلطة التشريعية في ذلك العهد فهي وإن كانت هي نفسها الحاكم ومجلس النظار إلا أن عملها كان يبدو في شكل أوامر عالية أو قوانين فالمميز بين عمل السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في ذلك العهد كان يرجع إلى الشكل فقط.
ثانيًا: بعد صدور الدستور عندما صدر الدستور عام 1923 أصبح البرلمان هو الهيئة المختصة بوضع القواعد العامة بطريق التعميم لأنه غدا السلطة التشريعية في النظام الجديد إلا أن الدستور لم ينص على لوائح البوليس رغم أهميتها نظرًا لأنها قوانين من حيث الموضوع كما سبق أن أوضحنا.
على أن اللوائح التي صدرت قبل صدور الدستور أصبحت تستمد قانونيتها من المادة (167) من الدستور التي تنص (كل ما قررته القوانين والمراسيم والأوامر والأوضاع المتبعة يبقى نافذًا بشرط أن يكون نفاذها متفقًا مع مبادئ الحرية والمساواة التي يكفلها هذا الدستور).
وكل ذلك بدون الإخلال بما للسلطة التشريعية من حق إلغائها أو تعديلها في حدود سلطتها على أن لا يمس ذلك بالمبدأ المقرر بالمادة السابعة والعشرين بشأن عدم سريان القوانين على الماضي.
ولما كان البرلمان المصري لم يلغِ لوائح البوليس الصادرة قبل صدوره فقد ظلت قائمة وظل تطبيقها مستمرًا.
على أن السلطة التنفيذية استمرت بعد العمل بالنظام الدستوري على تنظيم مسائل البوليس عن طريق إصدار اللوائح مثال ذلك المرسوم الصادر في 21 مارس سنة 1925 بتعديل بعض أحكام لائحة المحلات العمومية وقرار وزير الداخلية الصادر في 18 مايو سنة 1925 الخاص بمراقبة وبيع نقل اللبن الحليب والرايب وقراره الصادر في 20 يوليه سنة 1927 الخاص بلائحة الدراجات وغير ذلك.
ولا شك في أن إصدار هذه اللوائح لا يستند إلى أي نص دستوري كما أنه خارج عن نطاق المادة (37) من الدستور الخاصة باللوائح التنفيذية لأن لوائح البوليس لا تتصل بأي قانون فهي مستقلة والدستور لم ينص إلا على النوع الأول من اللوائح المستقلة أي لوائح ترتيب المصالح العامة.
وفي رأينا أنه لا مانع من أن تستمر السلطة التنفيذية في تنظيم مسائل البوليس عن طريق إصدار اللوائح المستقلة مبررين ذلك بحجج رجال الفقه فسلطة إصدار اللوائح تستمد دستوريتها من وظيفة رئيس الدولة ومن التقاليد القديمة التي جرى عليها العرف قبل الدستور ومن صمت الدستور عن تنظيمها، وعلى ذلك يمكن القول بأن لوائح البوليس في مصر تستمد قانونيتها من قاعدة دستورية نشأت بالعرف والعادة كما هو الحال في فرنسا.
ولما كنا أول من بحث السلطة اللائحية في مصر وأدلينا بهذا الرأي فقد انقسم الفقه في تقديره فرأى الدكتور وحيد رأفت الأخذ به [(19)] ورأي الدكتور عبد الحميد متولي أستاذ القانون العام بكلية البوليس فساده لسببين [(20)]:
الأول: أن الدستور لم يمنح السلطة التنفيذية في مصر سوى سلطة إصدار لوائح تنفيذية فليس لها إذن أن تصدر لوائح مستقلة لا تتصل بالقانون لتنظيم مسائل البوليس.
الثاني: لأن لوائح البوليس تقيد الحريات العامة التي كفلها الدستور للأفراد وهذه الحريات العامة لا يجب أن تصدر بشأنها قيود عامة إلا بناءً على قانون فلا يصح إذن تقييدها بلائحة ما لم تكن هذه اللائحة قد صدرت بناءً على تفويض من قانون.
ونحن بالرغم من ذلك النقد وبالرغم من اعترافنا بما له قيمة ما زلنا عند رأينا الأول لأننا أخذنا به ونحن نعلم أن لوائح البوليس لا تستند إلى أي نص دستوري وأنها تقيد من الحريات العامة الأمر الواضح من التعريف الذي أوردناه لهذه اللوائح.
لقد رأينا كيف أن هذه الاعتراضات لم تمنع رجال الفقه في فرنسا من السماح للسلطة التنفيذية بإصدار لوائح البوليس سواء لأن البعض اعتبرها مستمدة من قاعدة دستورية نشأت بالعرف والعادة كدوجي أو لأن البعض اعتبرها من وظيفة السلطة التنفيذية لأنها القائمة بمهمة البوليس، ولقد أيد دوجي هذه الفكرة الأخيرة كذلك إذ اعتبر رئيس الدولة الحاكم الإداري للبلاد فيدخل في اختصاصه بهذا الاعتبار اتخاذ الإجراءات الضرورية لحفظ الأمن والصحة والسكينة أو بعبارة أخرى له إصدار لوائح البوليس.
كذلك رأينا أن محكمة النقض النقض البلجيكية قررت - رغمًا عن رأي الفقه هناك - أن عمل هذه اللوائح يدخل في اختصاص رئيس الدولة لأنه يملك سلطة البوليس العامة، وعلى هذا الأساس القانوني يمكننا أن نعلل سلطة إصدار لوائح البوليس التي تملكها السلطة التنفيذية في مصر.
على أن هذا الحل من ناحية أخرى أكثر ملاءمة لمقتضيات العمل لدقة مسائل البوليس وتشعبها واحتياجها إلى سرعة التنفيذ كما أنها من الكثرة بحيث لو عرضت على البرلمان لعطلت أعماله الهامة وقضت على السرعة المطلوبة في اتخاذ الإجراءات نحوها.
وزيادة على ذلك فجزاء مخالفة هذه اللوائح لا يعدو عقوبة المخالفة فأمرها قليل الخطر من هذه الناحية، وسنرى فيما بعد كيف يمكن الرد على ما وجه من النقد خاصًا بما تنص عليه هذه اللوائح من العقوبات نظرًا لأن الدستور قد نص على أن لا عقوبة إلا بناءً على قانون.
ومهما يكن من الأمر فلا يجب أن يغيب عن البال أن البرلمان يستطيع في أي وقت التدخل لوضع قواعد عامة مقيدة للسلطة التنفيذية في مسائل البوليس وفي اليوم الذي ينظم فيه البرلمان هذه المسائل بقوانين فإن لوائح البوليس قد تدخل جميعها بعد ذلك في صف اللوائح المنفذة للقوانين أو المتممة لها.
3 - السلطات التي تملك إصدار هذه اللوائح:
لوائح البوليس إما أن تكون عامة أي تطبق على جميع السكان في عموم أنحاء البلاد وإما أن تكون محلية أي لا تطبق إلا في إقليم أو بلد معين.
( أ ) اللوائح العامة: رأينا أننا نستطيع أن نترك سلطة إصدار لوائح البوليس العامة إلى السلطة التنفيذية للأسباب التي ذكرناها سابقًا والتي تتلخص أهمها في أن هذه اللوائح يمكن إدخالها في وظيفة رئيس الدولة باعتباره حاكم البلاد الإداري الذي يملك سلطة البوليس العامة كما جاء في حكم النقض البلجيكي.
فإذا الأساس القانوني لهذه اللوائح هو وظيفة رئيس الدولة كان الواجب أن تصدر هذه اللوائح في شكل مراسيم ممضاة من ذلك الرئيس لا في شكل قرارات وزارية: ممضاة من الوزير المختص ولكن جرى العمل في مصر على تنظيم مسائل البوليس بمراسيم في بعض الأحوال وبقرارات وزارية في بعض الأحوال الأخرى بل أن القرارات الوزارية هي الطريقة الغالبة التي تلجأ إليها السلطة التنفيذية وهذا ما لا نوافق عليه: إن سلطة إصدار لوائح البوليس لا تستمد قانونيتها من العرف والعادة فقط بل تستمدها على الأخص من وظيفة رئيس الدولة كما رأينا وعلى ذلك لا يصح تنظيم مسائل البوليس عن طريق إصدار القرارات الوزارية إذ ليس الوزير حاكمًا إداريًا كما أنه لا يملك سلطة البوليس العامة التي يملكها رئيس الدولة.
ونحن عندما أقررنا العرف في مصر إنما أقررناه من حيث حق السلطة التنفيذية في إصدار هذه اللوائح بدلاً عن البرلمان ولكن ليس معنى ذلك أننا نوافق على صدورها في شكل قرارات وزارية مهما جرى العرف على ذلك لأن العرف وحده لا يمكن أن يولد حقًا إذا كان مخالفًا مخالفة صريحة للمبادئ القانونية المسلم بها.
ولما كنا أول من وافق على إبقاء سلطة إصدار لوائح البوليس للسلطة التنفيذية فقد اكتفينا في ذلك الوقت ببيان قانونيتها دون أن نشير بالوضوح الكافي إلى وجوب إصدار هذه اللوائح عن طريق المراسيم.
وقد فهم البعض أننا نقر إصدار اللوائح عن طريق القرارات الوزارية وعلى هذا الأساس جاء حكم محكمة الإسكندرية الكلية الصادر في 18 مارس سنة 1939 [(21)] مقرًا لدستورية لائحة حظر جمع فضلات التمباك وأعقاب السجاير الصادرة بقرار وزاري تاريخه 12 ديسمبر سنة 1937، وقد استند الحكم المذكور في ذلك إلى رأينا - أخذًا عن مذكرات الدكتور وحيد رأفت في القانون الإداري - من أن العرف والعادة كافيان لتبرير هذه السلطة، لذلك اضطررنا في دراستنا اللاحقة لهذا الحكم إلى زيادة الإيضاح لنبين أننا وإن كنا نرى سلطة عمل لوائح البوليس يمكن إدخالها في الاختصاص التنفيذي إلا أننا لا نوافق على صدور لوائح البوليس في شكل قرارات وزارية للأسباب التي ذكرناها آنفًا، وعلى ذلك فنحن لا نوافق المحكمة إلي ما ذهبت إليه وإن كانت قد استندت إلى رأينا في ذلك الحكم.
على أن ذلك لا يمنع أن يكون للوزير حق إصدار لائحة بوليس إذا كان حقه في إصدار مثل هذه اللائحة مستمدًا من أمر عال أو ديكريتو صادر قبل صدور الدستور أو من مرسوم صادر بعد صدور الدستور إذ يكون قد استمد هذا الحق عن طريق التفويض.
(ب) اللوائح المحلية:
بجانب لوائح البوليس العامة التي تطبق على جميع سكان البلاد يوجد في نظامنا الحالي لوائح بوليس محلية تطبق في إقليم أو بلد معين والهيئات التي تصدر هذه اللوائح هي:
1 - المحافظون والمديرون.
2 - مجلس بلدي الإسكندرية.
أولاً: المحافظون والمديرون:
نرى أن المحافظين والمديرين يستمدون هذا الحق من طبيعة وظائفهم فالمدير أو المحافظ هو الحاكم الإداري للإقليم ووظيفته على هذا الوضع تشبه وظيفة رئيس الدولة فهو المسؤول عن حفظ الأمن والنظام والسكينة في الإقليم ولا يستطيع القيام بهذه الوظيفة إلا إذا كان من حقه إصدار أوامر للجمهور أو بعبارة أخرى لا يستطيع القيام بمهمته ما لم يكن له حق إصدار لوائح بوليس، وقد رأينا أن الأمر العالي الصادر في 31 ديسمبر سنة 1883 نص على أن (المديرين والمحافظين يكونون مسؤولين أمام الحكومة عن حفظ الأمن والراحة في الدائرة التابعة لهم)، وهذا بلا شك يقتضي منحهم سلطة إصدار لوائح البوليس.
على أن اللوائح المحلية التي تصدر في المديريات يجب أن يوافق عليها مقدمًا مجلس المديرية إذ نصت المادة (24) من قانون مجالس المديريات الصادر في 11 يونيه سنة 1934 على أن موافقة مجلس المديرية مقدمًا ضرورية عند إصدار لائحة محلية أو تعديلها بالنسبة للمديرية أو لبعض المدن، أما إذا كانت اللائحة خاصة بمدينة أو بندر فلا بد من موافقة المجلس البلدي أو المحلي إذا كانت بهذه المدينة أو البندر مجلس وذلك لأن القرارات التي أنشأت هذه المجالس قد نصت جميعها على اختصاصها بكل ما يهم المدينة أو البندر، ولا شك أن لائحة بوليس محلية تطبق على مدينة أو بندر هي مما يهمها.
أما إذا لم يكن بالمدينة أو البندر مجلسًا محليًا أو بلديًا فتكون موافقة مجلس المديرية ضرورية حيث نصت المادة (27) من قانون مجالس المديريات السالف الذكر على أن المسائل التي تخرج عن اختصاص هذه المجالس هي المسائل الداخلة في اختصاص المجالس البلدية الموجودة في المديرية، وعلى ذلك فإذا لم يكن بالمدينة أو البندر مجلس فيكون مجلس المديرية هو المختص بالموافقة على لائحة البوليس التي ستطبق عليه.
ثانيًا: مجلس بلدي الإسكندرية:
لمجلس بلدي الإسكندرية حق إصدار لوائح بوليس تطبق في المدينة وهذا الحق مستمد من المادة (23) من الأمر العالي الصادر بإنشائه في 5 يناير سنة 1890، والتي تنص (كل مخالفة أو تقصير في تنفيذ القرارات الصادرة من الرئيس بمقتضى مداولات القومسيون البلدي ومصدقًا عليها من ناظر الداخلية يعاقب مرتكبها بالعقوبات المقررة للمخالفات المنصوص عليها بقانون العقوبات الأهلي وقانون العقوبات المختلط).
والواقع أن هذه اللوائح لا تختلف عن اللوائح التي يصدرها المحافظون والمديرون والخاصة بتنظيم مسائل البوليس فهي تصدر باسم المحافظ ولكن بعد إقرار القومسيون لها، ولا شك أن مجلس بلدي الإسكندرية يتمتع من هذه الناحية بسلطة أوسع نظرًا لطريقة إنشائه التي تمت بموافقة الدول فيبدو سلطانه في ممارسة اختصاصه أوسع من مجالس المديريات التي لم ينص قانونها صراحةً على حق أعضائها في اقتراح هذه اللوائح وإنما اكتفى بوجوب موافقتهم عليها فقط.
وواضح من نص المادة (23) السالفة الذكر أنه يجب توافر شرطين في هذه اللوائح:
الأول: إقرار القومسيون.
الثاني: تصديق وزير الداخلية، ومن رأينا أنه يجب على المحاكم أن تتأكد من توافر هذين الشرطين في هذا النوع من اللوائح فإن انعدم أحدهما أو كلاهما فيجب على المحاكم الامتناع عن تطبيق اللائحة.
الاعتراض الممكن إثارته والرد عليه.
قد يبدو أن هناك تعارضًا ملموسًا عندما نبيح إصدار لوائح البوليس للمحافظين والمديرين في الإقاليم في الوقت الذي نحرم الوزراء فيه من هذا الحق فكيف يكون للمدير حق إصدار لائحة بوليس بينما لا نعطي مثل هذا الحق لوزير الداخلية مثلاً وهو رئيس المديرين جميعًا في حين أن تصديقه على لوائح الجهات المحلية ضروريًا كما رأينا عند الكلام على مجلس بلدي الإسكندرية والواقع أنه يمكن تبرير ذلك بالأسباب الآتية:
الأول: يعتبر المدير هو الحاكم الإداري للإقليم ووظيفته تشبه بذلك وظيفة رئيس الدولة بينما ليست للوزير هذه الصفة.
الثاني: هذه اللوائح محلية فخطورتها أقل من اللوائح العامة.
الثالث: لا يمكن أن تنفذ هذه القرارات ما لم يوافق عليها مجلس المديرية وهو الهيئة التي تعبر عن رغبة الأهالي في الإقليم وهذا يكفي لتبرير هذه السلطة لا سيما، ونحن نعمل على التوسع في اللامركزية ومنح الأهالي في الأقاليم والمدن قسطًا متزايدًا من القيام بتنظيم شؤونهم المحلية.
الرابع: نص الأمر العالي الصادر في 31 ديسمبر سنة 1883 السالف الذكر على أن المديرين والمحافظين مسؤولين عن حفظ الأمن وهذا يدعو عقلاً إلى وجوب تمتعهم بإصدار أوامر البوليس.
ملاحظة هامة:
وقبل أن نختتم هذا البحث نلاحظ أن هناك أمرًا جديرًا بالعناية ذلك أن لوائح البوليس تشتمل على عقوبات والمحاكم في مصر جارية على تطبيق العقوبات الواردة بها دون اعتراض وقد انتقد البعض ذلك لأن المادة السادسة من الدستور تنص على أنه (لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون)، ولكن لوائح البوليس ليست قوانين وعلى ذلك فلا يصح أن تشتمل على عقوبات وإلا كانت غير دستورية ويجب على المحاكم رفض تطبيقها.
ويرى أغلب الشراح لا سيما شراح القانون الجنائي كما رأت محكمة الإسكندرية في حكمها الصادر في 18 مارس سنة 1939 سالف الذكر أن تطبيق العقوبات الواردة في لوائح البوليس قانوني لأن المادة (395) من قانون العقوبات نصت (من خالف أحكام اللوائح العمومية أو المحلية الصادرة من جهات الإدارة البلدية أو المحلية يجازى بالعقوبات المقررة في تلك اللوائح بشرط أن لا تزيد عن العقوبات المقررة للمخالفات فإن كانت العقوبات المقررة في اللوائح زائدة عن هذه الحدود وجب حتمًا إنزالها إليها، فإذا كانت اللائحة لا تنص على عقوبة ما يجازى من يخالف أحكامها بدفع غرامة لا تزيد عن خمسة وعشرين قرشًا).
والواضح من أقوال الشراح والمحاكم في هذا الشأن أن البرلمان بإقراره المادة (395) عقوبات قد فوض السلطة التنفيذية في تحديد جرائم ووضع عقوبات لمن يخالف لوائحها بشرط أن لا تزيد عن العقوبات المقررة للمخالفات.
ونحن لا يمكنا الأخذ بهذا التعليل القائم على نظرية التفويض لأن رجال الفقه يكاد ينعقد إجماعهم على رفض هذه النظرية إذ ليس للبرلمان وهو سلطة مؤسسة Pouvoir constitué أن يتنازل للسلطة التنفيذية وهي سلطة مؤسسة مثله pouvoir constituant عن اختصاصه لأنه لا يملك هذا الحق سوى السلطة المؤسسة نفسها أي السلطة التي وضعت الدستور.
على أن بعض الفقهاء الذين يبيحون التفويض لضرورات عملية كدوجي لا يوافقون على إمكان التفويض في وضع العقوبات لأن الدساتير تنص عادةً على أن تقريرها يكون بقوانين أي من اختصاص السلطة التشريعية نفسها.
ولقد كتب القاضي المجتهد الأستاذ محمد بك رشدي مقالاً في مجلة المحاماة عام 1940 عن السلطة اللائحية جاء فيه أن تقرير العقوبات في اللوائح مخالف للمادة السادسة من الدستور، ولذلك اقترح اتباع ما اتبعه الشارع الفرنسي إذ نص قانون العقوبات في المادة (471) على عقوبة معينة لجميع المخالفات التي تحدث من عدم احترام اللوائح التي تصدرها الهيئات المختصة، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تكون العقوبة من وضع السلطة التنفيذية وبين أن تكون من وضع السلطة التشريعية صاحبة الحق وحدها في ذلك [(22)].
ورغمًا عن وجاهة هذا الاعتراض فإننا نرى أن العقوبات المنصوص عنها في اللوائح المختلفة لا تتعارض مع المادة السادسة من الدستور كما يقول الأستاذ رشدي بك والدكتور عبد الحميد متولي وهي في نظرنا دستورية ولا غبار عليها.
على أن دستورية هذه العقوبات لا تستمد من المادة (395) عقوبات كما يرى الفقه الجنائي وأحكام المحاكم لأن معنى ذلك أننا نوافق على نظرية التفويض التي لا تتفق والمبادئ القانونية السليمة لأن البرلمان صاحب وظيفة لا صاحب حق ولا يستطيع أن يتنازل عن وظيفته لغيره.
ونحن نرى أن دستورية هذه العقوبات الواردة في اللوائح مستمدة من المادة السادسة من الدستور أي مستمدة من المادة التي يقولون أن هذه العقوبات متعارضة معها.
ولبيان ذلك نعود إلى المادة السادسة من الدستور في أدوار وضعها بواسطة المشرع التأسيسي، كانت المادة السادسة بحسب نص لجنة الدستور كما يأتي:
(لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون).
ولو أن نص المادة ظل على هذا الوضع لما ترددنا في القول بعدم دستورية العقوبات الواردة في اللوائح جميعًا ولوافقنا فورًا على ما اقترحه الأستاذ رشدي بك من وجوب تعديل المادة (395) عقوبات على النحو الوارد بالمادة (471) عقوبات فرنسي.
ولكن اللجنة الاستشارية التشريعية التي نقحت الدستور بعد لجنة الدستور عدلت هذه المادة على الوضع الآتي:
(لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها).
وواضح من النص الحالي للمادة السادسة أن اللجنة الاستشارية التشريعية استبدلت عبارة (إلا بقانون) بعبارة (إلا بناءً على قانون)، وقد يبدو أن لا أهمية لهذا التعديل ولكن الواقع بخلاف ذلك فقد جاء في تقرير اللجنة المذكورة تفسيرًا لذلك ما يأتي (لا يصح وضع مبدأ يقرر أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون ذلك لأن العمل جرى في التشريع على أن يتضمن القانون نفسه تفويضًا إلى السلطة المكلفة بسن لوائح التنفيذ في تحديد الجرائم وتقرير العقوبات فالأصوب إذن أن يقال (إن لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون)، ومن أمثلة ذلك المادة (348) من قانون العقوبات الأهلي).
ومن ذلك يتضح أن المشرع الدستوري نفسه بتعديله المادة قد سمح للبرلمان بأن يفوض السلطة التنفيذية في تحديد الجرائم وتقرير العقوبات في لوائحها، فالمادة (395) عقوبات جديدة (أي 318 عقوبات قديم) أصبحت تستمد دستوريتها من هذا التعديل الذي أدخلته اللجنة الاستشارية التشريعية، وعلى ذلك فالمادة (395) عقوبات لا تكفي وحدها لجعل العقوبات الواردة قانونية لأن هذه المادة نفسها في حاجة إلى ما يثبت دستوريتها لقيامها على نظرية التفويض المخالفة للمبادئ الدستورية.
أما وقد سمح المشرع الدستوري نفسه - لا البرلمان - بهذا التفويض الوارد بالمادة (395) عقوبات فإن العقوبات الواردة بتلك المادة تغدو قانونية وتستمد دستوريتها من المادة السادسة من الدستور، وعلى هذا الوضع فقط يمكن تبرير العقوبات الواردة في اللوائح المختلفة.
وأخيرًا لنا ملاحظة على ما ورد في تقرير اللجنة الاستشارية التشريعية إذ جاء فيه (ذلك لأن العمل جرى في التشريع على أن يتضمن القانون نفسه تفويضًا إلى السلطة المكلفة بسن لوائح التنفيذ في تحديد الجرائم وتقرير العقوبات…)، والواضح من هذه العبارة أن اللجنة نفسها تخلط بين اللوائح التنفيذية واللوائح القائمة بذاتها إذ اعتبرت أن السلطة التي تسن لوائح التنفيذ هي التي تضع في هذه اللوائح العقوبات مع أننا رأينا أن لوائح التنفيذ ليست هي التي تحدد الجرائم وتقرر العقوبات لأنها خاصة بتنفيذ القانون فقط أي صادرة في حدود المادة (37) من الدستور أما اللوائح التي تحدد الجرائم وتقرر العقوبات فهي عادةً لوائح البوليس وهي لا تتصل بأي قانون لأنها قائمة بذاتها كما رأينا، ولعلنا لا نجد في المستقبل مثل هذا الخلط لا في أحكام المحاكم ولا في أقوال رجال الفقه ولا في تقارير اللجان التي تضم أكبر رجال القانون والتي تعتبر سلطة مؤسسة بالنسبة للدستور.
انتهينا الآن من بحث النوعين الأولين من أنواع اللوائح وهما اللوائح التنفيذية ولوائح البوليس المستقلة وفي البحث القادم سنتناول دراسة باقي أنواع اللوائح.

السيد صبري
الأستاذ بكلية الحقوق

[(1)] Duguit Traité de droit constitutionnel طبعة 1928 جزء (5) صـ 209.
[(2)] Van Their: Précis de droit adminstratif de la Belgique طبعة 1937 صـ 26 وما بعدها.
[(3)] Esmein: Le droit Constitutionnal طبعة 1927 جزء (2) صـ 86 وما بعدها.
[(4)] Esmein المرجع السابق جزء (2) صـ 91 وما بعدها.
[(5)] المجموعة الرسمية سنة 1934 حكم رقم (193) صـ 483.
[(6)] المجموعة الرسمية سنة 1937 تحت رقم (79) صـ 220 وراجع في التعليق على هذين الحكمين الدكتور وحيد رأفت القانون الإداري 1938 صـ 591 وما بعدها.
[(7)] الدكتور وحيد رأفت المرجع السابق صـ 600 وما بعدها والحكم المذكور منشور بالمحاماة السنة 14 رقم (98) صـ 189.
[(8)] الدكتور وحيد رأفت المرجع السابق صـ 677، وصـ 586 وما بعدها.
[(9)] المحاماة مايو 1937 صـ 1071.
[(10)] الدكتور وحيد رأفت المرجع السابق صـ 580.
[(11)] Duguit, Taité de droit Constitutionnel جزء 1924 جزء (4) صـ 728.
[(12)] Hauricu: driot administratif طبعة السادسة صـ 298.
[(13)] Moreau: droit administratif صـ 164 وما بعدها.
[(14)] Duguit المرجع السابق جزء (4) صـ 727 وما بعدها.
[(15)] Duguit المرجع السابق جزء (4) صـ 727 وراجع كذلك صـ 611 وما بعدها.
[(16)] Carré de Malberg: Contribution a la théorie générale de l’Etat جزء (1) صـ 652 وما بعدها.
[(17)] Vau Their: Précis droit administratif de la Belgique طبعة 1937 صـ 24 وما بعدها.
[(18)] نفس المرجع طبعة 19378 صـ 27 هامش.
[(19)] الدكتور وحيد رأفت المرجع السابق صـ 607 وما بعدها.
[(20)] الدكتور عبد الحميد متولي القانون الإداري طبعة 1938 صـ 53 و54.
[(21)] المحاماة مارس سنة 1940 العدد السابع من السنة العشرين صـ 956 وما بعدها.
[(22)] المحاماة ديسمبر سنة 1940 العدد الرابع من السنة الحادية والعشرين صـ 53 وما بعدها.

الرجوع على محيل الكمبيالة لسدادها

مجلة المحاماة - العدد الثالث
السنة السابعة - ديسمبر 1926

الرجوع على محيل الكمبيالة لسدادها

إميل توتونجي المحامي

لما كانت المعاملات التجارية تقتضي ضمانًا أكثر من الضمان العادي في المسائل المدنية فقد ارتأى الشارع في المسائل التجارية أن يكون محيل الكمبيالة مسؤولاً عن عدم دفعها في الاستحقاق وضامنًا لسدادها بغير أن ينص عن ذلك صراحةً في تحويله كما هو الأمر في الديون المدنية والتنازل عنها وفقًا للمواد (351)، وما يليها من القانون المدني الأهلي، و(439)، وما يليها من القانون المدني المختلط، و(1693) وما يليها من القانون المدني الفرنسي حيث يجب للاحتفاظ بحق الرجوع على المتنازل أو ضمانه ما تنازل عنه أن يذكر ذلك صراحةً في عقد التنازل وعلى ذلك افترض الشارع في المسائل التجارية ضمان محيل الكمبيالة ضمانًا ضمنيًا لا ضرورة للنص عنه.
على أن الشارع رأى من الجهة الأخرى.
أن لا يمكث المحيل مسؤولاً عن سداد قيمة الكمبيالة مدة طويلة والتجارة تقتضي أمورها الإسراع لكثرة ما يعتورها من تطورات دائمة، فحتّم من الجهة الأخرى على حامل الكمبيالة واجبات ألزمه مراعاتها حتى لا يضيع ماله من حق في الرجوع على محيل الكمبيالة أو محيليها منفردين أو متحدين.
وأول فرض فرضه الشارع على حامل الكمبيالة أن يعرضها عند استحقاقها على ساحبها فإذا امتنع عن دفع قيمتها أن يحتج باحتجاج عدم الدفع (برتستو).
تلك أول خطوة فرضها الشارع على حامل الكمبيالة لاحتفاظه بحقوقه قبل المحيلين.
على أنه لم يشأ بعد ذلك أن يترك حامل الكمبيالة ساحبها وشأنه تتخبط به حال السوق التجارية الكثيرة التغيير ما دام على اعتقاد بحق الرجوع على المحيلين بل حتّم عليه إعلان المحيل أو المحيلين الذين يود الرجوع عليهم بصفة كونهم ضامنين سداد الكمبيالة في الميعاد وذلك ليكونوا على بينة من أمر مدينهم ساحب الكمبيالة وحالته المالية وتوقفه عن السداد ليتخذوا الحيطة لأنفسهم قبل هذا التصرف المعيب منه.
ولكن أيجوز لحامل الكمبيالة أن يترك الوقت يمضي ما شاء ثم يعود على المحيل أو المحيلين ؟ كلا فتلك نظرة أخرى نظر إليها الشارع بعين الروية والإمعان ورأى أن أكثر مهلة يمكن إمهالها لحامل الكمبيالة هي خمسة عشر يومًا يحق له فيها رفع الدعوى ضد المحيل الذي أعلنه باحتجاج عدم الدفع المعلن ضد الساحب الممتنع في الاستحقاق فإن مضت تلك المدة بإهمال هذا الحامل في اتخاذ الإجراءات التي نص عنها الشارع كان من العدل اعتباره مقصرًا في حقوقه وفي عين الوقت عاملاً على الضرر بحقوق أولئك المحيلين الذين ليس من العدل تركهم مدة أطول من تلك تحت خطر ضمان ساحب امتنع عن الدفع وما زال في السوق التجارية العظيمة الحركة والتقلب ذلك ما ارتآه الشارع فيما يجب أن تقام عليه العلاقة بين هؤلاء الثلاثة: الحامل للكمبيالة والمحيل والساحب.
وهي كما ترى علاقات اقتضى فيها الشارع في المسائل التجارية كثيرًا من الاختلاف مع المبادئ المقررة في القانون المدني ولكنه من الناحية الأخرى اقتضى فيها سرعة فائقة لقيام تلك العلاقة قانونًا، أجل فإن في المسائل المدنية لا يكاد يشعر أولو القانون بطول مدة كهذه، خمسة عشر يومًا، ولكنهم على النقيض من ذلك يعلمون طول هذه المدة جيدًا في المسائل التجارية.
ولما كانت المواد التجارية تكاد تكون معدومة الحيز في قضايا المحاكم الأهلية المصرية اللهم إلا في بعض مسائل عادية تجري كل يوم فيمكن القول بأن هذا البحث لم يعرض لها إلا مؤخرًا في قضيتين نظرتا أمام إحدى دوائر محكمة مصر الكلية الأهلية المكونة تحت رئاسة حضرة محمد بك توفيق سري رئيسًا، وبعضوية صاحبي العزة إبراهيم بك عارف، وجمال الدين بك أباظة القاضيين.
وقد أصدرت حكميها بتاريخ 23 يناير سنة 1926 في القضيتين نمره (167) و(1671) سنة 1925 مؤيدة هذا البحث.
وهاتان القضيتان رفعتا من إسكندر جبلي ضد ميشيل لكح مدعى عليه أول الذي حضرنا عنه والفريد جبور مدعى عليه ثانٍ، وموضوع هاتين القضيتين هو:
أن إسكندر جبلي التاجر حولت إليه كمبيالتان كل واحدة منهما بمبلغ 400 جنيه من ميشيل لكح التاجر مسحوبتان من الفريد جبور.
وسارت القضيتان جنبًا إلى جنب واستند ميشيل لكح في دفاعه على أن القانون الواجب تطبيقه هو القانون التجاري بما أن المادة تجارية أي كمبيالات بين تجار وأن ورقة الكمبيالة في حد ذاتها ورقة تجارية، وذلك وفقًا للفقرة السادسة من المادة الثانية من القانون التجاري الأهلي والمختلط والمادة (632) من القانون التجاري الفرنسي.
وحيث إن القانون الواجب تطبيقه هو القانون التجاري فيجب مراعاة ما جاء بالباب العاشر من القسم السادس من قانون التجارة الأهلي فيما اختص بحقوق وواجبات حامل الكمبيالة وهذه الحقوق والواجبات بالنسبة للمحيلين مبينة بالمواد (165) و(167) و(169) من القانون التجاري الأهلي، وهي المواد (172) و(174) و(176) من القانون التجاري المختلط، وهي هي المواد (165) و(167) و(168) من القانون الفرنسي، والمادة (165) من القانون التجاري الأهلي نقول:
(إذا طالب حامل الكمبيالة من حولها إليه وكانت مطالبته له بالانفراد وجب عليه أن يعلن إليه البروتستو المعمول وإن لم يوفِه بقيمة الكمبيالة يكلفه في ظرف الخمسة عشر يومًا التالية لتاريخ البروتستو المذكور بالحضور أمام المحكمة ويزاد على هذا الميعاد مدة المسافة التي بين محل المسحوب عليه ومحل المحيل المذكور).
والمادة (167) من القانون المذكور تقول:
(إذا طالب حامل الكمبيالة جميع المحيلين والساحب معًا كان له بالنسبة لكل واحد منهم الميعاد المبين في المواد السابقة).
والمادة (169) من القانون نفسه تقول:
(يسقط ما لحامل الكمبيالة من الحقوق على المحيلين بمضي المواعيد السالف ذكرها المقررة لتقديم الكمبيالات المستحقة الدفع بمجرد الاطلاع عليها أو بعده بيوم أو أكثر أو شهر أو أكثر ولعمل بروتستو عدم الدفع وللمطالبة بالضمان على وجه الرجوع).
وبتطبيق هذه المواد يجب على حامل الكمبيالة لرجوعه على المحيل أن يقوم بالإجراءات الآتية:
1 - أن يعمل احتجاج عدم الدفع (البروتستو) عند الاستحقاق ضد ساحب الكمبيالة المدين الأصلي.
2 - أن يعلن هذا الاحتجاج للمحيل الذي يريد مطالبته بقيمة الكمبيالة.
3 - أن يكلف هذا المحيل في حالة عدم دفعه بالحضور أمام المحكمة لسماع الحكم عليه بذلك وإعلان الدعوى هذا يجب أن يكون في بحر الخمسة عشر يومًا التالية للبروتستو المعلن لساحب الكمبيالة.
وإلا فيسقط حق حامل الكمبيالة قبل المحيل إذا لم يراعِ هذه الإجراءات وهذه المواعيد وقد أتى ميشيل لكح تدليلاً على ذلك بآراء التشريع الفرنسي الحديث كما وردت بربتوارابرتيك دالوز طبعة 1910 وهي:
أولاً: على حامل الكمبيالة بمقتضى المادة (165) من القانون التجاري (الفرنسي) إعلان البروتستو لكل من الموقعين على الكمبيالة الذين يود السير ضدهم وعند عدم الدفع مطالبتهم في الخمسة عشر يومًا من البروتستو.
(راجع ربرتوار براتيك دالوز الجزء السابع صحيفة 637 رقم 337).
ثانيًا: المدد المبينة في المادة (166) تجاري فرنسي يجب أن تراعي على حدة قبل كل من الموقعين المطالبين في حالة مطالبتهم معًا أو على انفراد.
(راجع ربربرتواربراتيك دالوز الجزء السابع صحيفة 637 رقم 340).
ثالثًا: في حالة تقصير حامل الكمبيالة في اتباع الإجراءات المنصوص عنها في المواد (160)، وما بعدها (تجاري فرنسي) يعتبر مهملاً ويسقط حقه في الرجوع على المحيلين وضمانهم مادة (168) تجاري فرنسي.
(راجع ربرتواربراتيك دالوز الجزء السابع صحيفة 637 رقم 341).
رابعًا: سقوط حق حامل الكمبيالة يمكن الدفع به في أي دور من أدوار القضية حتى في الاستئناف.
(راجع ربرتوار براتيك دالوز الجزء السابع صحيفة 638 رقم 345).
وقد أخذت الدائرة المشار إليها بهذا وحكمت حكميها مؤيدة هذا الرأي.
ولما كان هذان الحكمان يكادان يكونان الأولين في موضوعهما كنا نود أن لو ورد في حيثياتهما ما يشير إلى هذا الموضوع القانوني بشكل أكثر جلاء ولكننا نحسب أن المواد في ذاتها صريحة جلية فاكتفت المحكمة بالإشارة إليها.
ويحسن بنا أن نذكر فيما يلي حيثيات هذين الحكمين وهي:
(وحيث أن المدعى عليه الأول (ميشيل أفندي لكح) دفع بسقوط الدعوى لعدم إعلانه بالبروتستو وعدم الدفع من المدين ورفع الدعوى عليه في الميعاد القانوني.
وحيث أن المدعي أعلن البروتستو للمدعى عليه الثاني (الفريد جبور) في أول أغسطس سنة 1925، ولم يقدم ما يثبت أن المدعي أعلنه للمدعى عليه الأول (ميشيل لكح) في بحر الخمسة عشرة يومًا التالية لتاريخ البروتستو ولم يرفع عليه الدعوى إلا بعد مضي هذا الميعاد وأنه أعلنه بها بتاريخ 25 أغسطس سنة 1925، ومن ثم يكون حق الرجوع على المدعى عليه الأول (ميشيل أفندي لكح) قد سقط عملاً بالمادة (169) تجاري.

بحث في المادة (134) جنايات

ب



مجلة المحاماة - العدد الأول
السنة السابعة - عدد أكتوبر سنة 1926

(1)
بحث
في المادة (134) جنايات

دعاني إلى البحث في هذا الموضوع وجود غموض ظاهري في مدلول المادة (134) من قانون تحقيق الجنايات ووجود تناقض في الوقت ذاته بينها وبين نص المادة (137) من هذا القانون.
وسأتناول في بحثي النقط الآتية:
1 - مأخذ هذه المادة.
2 - النظرية عند من أخذنا عنهم النص.
3 - فساد هذه النظرية في القانون المصري.
4 - التوفيق بين مأخذ النص وروح التشريع عندنا.
5 - حقيقة النص وغرض الشارع المصري منه.
1 - نص المادة (134) ومأخذها:
نصت المادة (134 ق ت جـ) في باب محاكم المخالفات على أن الكاتب يتلو أوراق التحقيق…. إلخ ثم يسأل القاضي المتهم عما إذا كان معترفًا بارتكاب الفعل المسند إليه أم لا (فإن أجاب بالإيجاب يحكم بغير مناقشة ولا مرافعة)، وإن أجاب بالسلب شرح عضو النيابة التهمة ويقدم المدعي بالحقوق المدنية طلباته…. إلخ، وأحالت على هذه المادة في حكمها المادتان (166 ق ت جـ)، و(44) من قانون تشكيل محاكم الجنايات، فمن قول المادة (يسأل القاضي المتهم - فإن اعترف حكم بغير مناقشة ولا مرافعة)، ومن إحالة المادتين (166 ق ت جـ)، و(44 ق ت م جـ) يفهم أن الشارع المصري ربما قصد بالاعتراف أن يجعله دليلاً قانونيًا - فعل هذا ما قصده الشارع المصري حقيقة ؟
أخذ الشارع المصري هذا النص عن الشارع الإنكليزي - فوجب والحالة هذه - البحث في قوة الاعتراف من حيث هو دليل قانوني أو إقناعي عند من استقينا منهم تشريعنا، ثم نقارن ذلك بروح التشريع عندنا وما هو جار عليه العمل في محاكمنا، فإن وافق الفرع أصله فالأمر ظاهر وإن خالفه عالجنا سبب هذا الخلاف بشيء من الإيضاح، وإليك البيان:
2 - نظرية القانون الإنكليزي في هذا الموضوع:
يفترض القانون الإنكليزي أن الدعوى الجنائية نزاع خاص بين مدعٍ ومدعى عليه، وبناءً على ذلك يلزم المدعي بالإثبات - أما أن اعترف المدعى عليه لم يبقَ هناك أمام القضاء إلا إصدار الحكم - فلم يفرق القانون الإنكليزي والحالة هذه بين الدعويين الجنائية والمدنية وكان بناءً على ذلك أنه اعتبر الاعتراف في الدعويين واحدًا وبعبارة أوضح (أنه اعتبر الاعتراف دليلاً قانونيًا في الدعاوى المدنية والجنائية على السواء).

سبب اعتباره الاعتراف دليلاً قانونيًا

إن الاعتراف في القانون الإنكليزي حجة متى صدر عن المتهم اختيارًا وعن رغبة دون رهبة وتوفرت فيه شروطه القانونية، فهو لا يجيز تجزئته ولا العدول عنه بل يشترط أن يؤخذ اعتراف المتهم جميعه ويجيز للمحاكم أن تبني عليه حكمها، وقد وضح ذلك (Hanis) في كتابه مبادئ القانون الجنائي فقال:

(A free & voluntary confession by the defendant before the magistrate, if duly made & satisfactorily proved is sufficient to warrant a conirction without further corroboration.
The whole of the confession must be taken into account, the part favourable to the prisoner as well as that against him [(1)])

من هذا نرى أن اعتراف المتهم أمام التحقيق الابتدائي كافٍ لإدانته من غير افتقار لأي دليل آخر، وكذلك الحال في المحاكمة يقضي القانون الإنكليزي بأن الاعتراف يكفي أساسًا للإدانة، ولم يجعل القانون المذكور الاعتراف حجة في المسائل الجنائية اعتباطًا لأن المبادئ التي أخذ بها الشارع الإنكليزي تقضي بذلك - إذ ما دام القانون الإنكليزي يعتبر الدعوى الجنائية نزاعًا خاصًا بين شخصين أو أكثر فالمنطق يقضي بتمشي القواعد الخاصة بالدعوى المدنية على الدعوى الجنائية - ومن المعلوم أن الدعوى المدنية نزاع خاص بين شخصين أو أكثر - واعتراف المدعى عليه يعتبر دليلاً قانونيًا يلزم القاضي الحكم على مقتضاه - ولا تجوز تجزئته ولا العدول عنه - لهذا لم يتردد الشارع الإنكليزي في تطبيق تلك القواعد على الدعوى الجنائية وكان من جراء ذلك أن اعتبر الاعتراف دليلاً قانونيًا في المسائل الجنائية.
3 - فساد هذه النظرية وعدم موافقتها لمبدأ الشارع المصري:
معلوم عندنا أن القاضي الجنائي له مطلق الحرية في تقدير كل دليل يقدم إليه ما دام أن مهمته تنحصر في الوصول إلى الحقيقة - التي هي بيت القصيد في نظير العدالة - ولا يتسنى له حسن التقدير وجودة الاستنتاج أن قيده الشارع بقيود وأوجب عليه الالتزام بها، لأن التقييد أقل ما فيه أنه يقف بالفكر عن الاستنتاج الصحيح ولا يمكن القاضي من حرية البحث إذ يرى هذا نفسه وقد أصبح ملزمًا بالحكم بناءً على دليل معين.
اعتبر الشارع الإنكليزي كما سبق بينا ذلك أن الدعوى الجنائية نزاع خاص بين شخصين - وكان هذا الاعتبار أساس افتراضه أن الاعتراف دليل قانوني، فهل صحيح أن الدعوى الجنائية نزاع خاص بين شخصين ؟
إذا بحثنا في معنى العقاب وبيان أسبابه رأينا أن ذلك يكون عادةً باسم الهيئة الاجتماعية وللصالح العام، تخشى الهيئة الاجتماعية تكرار الجرائم فتوقع بالمجرم عقوبة من شأنها ردعه وتأمين الناس، وما كان المجرم إلا شخصًا استهان بالرباط الاجتماعي الذي يربطه بباقي أفراد الأمة وخالف القواعد المرعية فيها فأثار بذلك ضد نفسه سخط باقي الأفراد وكراهيتهم له، أفبعد هذا نسلم بأن الدعوى الجنائية نزاع خاص بين شخصين أو أكثر ؟ أن التسليم بذلك معناه أن مشروعية العقاب ومرجعه في المسائل الجنائية تعد حدث لشخص من آخر يريد تعويضًا عنه وبعبارة أوضح مشابهة بالمسائل المدنية في استرداد دائن دينه، وأن مرجع العقاب ومشروعيته في المسائل الجنائية لأبلغ من ذلك وأسمى، وأن مرجعه إلى حقوق الهيئة الاجتماعية ودفع الأذى عنها بعزلها المجرم عن باقي الأفراد مؤبدًا أو مؤقتًا حسب ظروف الأحوال لنصمه بعار يكون حائلاً بينه وبين باقي الأفراد، غريب إذن أن نرى بعض الشرائع تعتبر الدعوى الجنائية ملكًا خاصًا للمدعي والمدعى عليه - وأغرب من ذلك أن نرى الشارع الإنكليزي يقرر ذلك أيضًا وقد كان من محبذي فكرة التمثيل من غير محاكمة بالمجرم الذي يرتكب فعلاً يمجه الجمهور ويستقبحه

(lynching lynch v. i. to judge & punish without the usual forms of law).

وذلك تخفيفًا لتأثير الجمهور وإشفاءً لعاطفة حب الانتقام من قلوب الشعب، الحقيقة أن الشارع الإنكليزي أخطأ في هذا الفرض وكان واجبًا أن يعتبر الدعوى الجنائية ملكًا للهيئة الاجتماعية المهيمنة على الأفراد المعبرة عن شعورهم جميعًا لا ملكًا خاصًا لفردين مدعٍ ومدعى عليه - وأن قياسه تلك الدعوى على الدعوى المدنية لقياس مع الفارق، فالجرم في الأولى وقع على الجميع وتأذى منه الجميع، وبعبارة أخرى قد أصاب الهيئة الاجتماعية أثره، فكان من حقها القصاص من مرتكبه وتوقيع العقاب عليه - عكس الدعوى المدنية فالتعدي فيها لم يقع إلا على حق المدعي أي على حق شخص لم يتعدَ تأثيره غيره.
لهذا نرى أن الأساس الذي بني عليه الشارع الإنكليزي نظريته أساس واهٍ وفاسد كانت نتيجته أن اعتبر الاعتراف دليلاً قانونيًا ومتى كان الأساس خطأ فالفرع لا محالة خطأ كذلك، وإذا عرفنا ذلك وجب أن نقف على ما هو جارٍ عليه العمل في القانون المصري، نعم أخذ الشارع المصري نظريته من القانون الإنكليزي ولكنه خالفه في اعتباره الدعوى العمومية ملكًا خاصًا بين متنازعين وأخذ بالرأي القائل بأنها ملك للهيئة الاجتماعية، ولهذا أعطى القاضي من سلطة البحث والتقدير ما يمكنه من الوصول إلى الحقيقة ولم يقيده بالأخذ بدليل معين وكان بناءً على ذلك أن جعل أمر تقدير الاعتراف موكولاً لعهدته، له أن يأخذ به إن شاء ولو إن شاء أن يرفضه - أي أنه (نظر إلى الاعتراف كدليل إقناعي فقط).
عرف الشارع المصري أن الاعتراف قد يكون الغرض منه مجاملة لقريب أو فخرًا بارتكاب جرم أو عطاء من عظيم أو جعلاً من راشٍ أو خوفًا من سطوة ذي بأس - عرف ذلك كله فلم يتردد في اعتبار الاعتراف دليلاً إقناعيًا ولم يحذو الشارع الإنكليزي في قياسه على المسائل المدنية في ذلك، إذ رأى أن هذه الأخيرة ما هي إلا مصالح شخصية مبنية على اتفاقات من عمل الخصوم، فإذا اعترف أحدهما بدعوى الآخر فالاعتراف دليل قانوني يلزم القاضي بالتمسك به وبناء الحكم على مقتضاه، عكس المسائل الجنائية - فهي مسائل نظامية تملكها الهيئة الاجتماعية دون سواها - وليس من العدل في شيء أن توقع العقوبة على متهم دون أن يرتكب جرمًا وإنما اعترف خوفًا من خطر يحدق به أو رهبة من عظيم أو تحت تأثير عامل ما لهذا أصاب القانون المصري في اعتباره الاعتراف كغيره من الأدلة - دليلاً إقناعيًا - يأخذ به القاضي إن اتضح له صدقه ويتركه إن ظهر له فساده ويجزئه إن رأى أن العدالة تقضي بذلك.
4 - التوفيق بين هذا المبدأ ونص المادة وبين الأخيرة ومأخذها:
إذا قرأنا نص المادة (134 ق ت جـ) - وعرفنا هذا المبدأ الذي قرره الشارع المصري وأيده فيه القضاء لا شك أننا نتساءل عن سبب هذا التناقض وهل خرج الشارع عن مبدئه وهو (أن الاعتراف دليل إقناعي) - إلى التقرير ثانيةً بأنه قانوني حسب نص هذه المادة ؟ أجاب الشراح على ذلك بالسلب وقالوا إن الاعتراف الذي يحصل بناءً على استجواب القاضي للمتهم - هذا الاعتراف - لا يخرج عن كونه دليلاً إقناعيًا وإليك رأي جرانمولان في ذلك [(2)].

(l’aveu judiciaire, qu’il ait êté spontané ou provoqué par un interrogatoire, ne fait pas necéssairement foi contre le prevenu ou l’accusé; il reste soumis, comme toute autre preuve, à l’appreciation du juge qui ne doit suivre que son intime conviction.

ومن هذا يتضح لنا أن الاعتراف دليل إقناعي خاضع لتقدير المحكمة حتى الاعتراف المنصوص عنه في المادة (134 ق ت جـ)، فهو لم يخرج عن كونه دليلاً إقناعيًا، ولم تتردد المحاكم مطلقًا في الأخذ بهذا الاعتبار، ونظرت إليه كأحد الأركان الخاصة بتقدير الوقائع - لا يرتبط القاضي به - ويراقب صحته بواسطة الشهادة وغيرها من الأركان التي بين يديه، إذا عرفنا هذا وعرفنا أيضًا أن مأخذ نص المادة (134) هو القانون الإنكليزي فكيف نوفق إذن بين مأخذ النص وغرض الشارع منه ؟
والجواب على ذلك بسيط، فحقيقة أن الشارع الإنكليزي قصد بالاعتراف جعله دليلاً قانونيًا وهو رأي يتفق مع مبادئه التي جرى عليها ولا شك أن تلك المبادئ تخالف مبادئ التشريع المصري، وإذا صح أن كل نص غامض يجب أن يفسر في ظل باقي النصوص - نرى أن نص المادة (134) لا يستقيم إن هو فُهِم على ظاهره مع مبادئ القانون المصري، إذ روح التشريع عندنا تدل دلالة لا شك فيها على عكس ظاهر النص، فكما سبق أن بينا أن القانون المصري يعتبر الاعتراف دليلاً إقناعيًا وقول المادة (134) - (يحكم القاضي إن اعترف المتهم من غير مناقشة ولا مرافعة) - قول المادة هذا يُفهم منه أن الاعتراف دليل قانوني.
من هذا نجزم بأنه لا بد أن يكون المشرع المصري قد قصد بالمادة شيئًا آخر خلاف الظاهر من نصها، هذا الغرض الذي رضى به الشارع هو ساعة وضع هذه المادة - هو ترتيب الإجراءات فقط - ولم يدر بخلده مطلقًا أن يجعل الاعتراف دليلاً قانونيًا يحكم القاضي بناءً عليه دون مناقشة ولا مرافعة.
قد يقال من جهة أخرى ولكن كيف التوفيق بين النص ومأخذه ؟ والرد بسيط، نعم أن الشارع المصري نقل هذه النظرية أو هذه المادة عن الشارع الإنكليزي، لكن ذلك المبدأ الذي نقلنا عنه لا يلتئم ومبادئنا - لهذا خالفناه، وليس في ذلك أي تناقض، فالمبدأ الإنكليزي، وإن أخذ برمته في القانون المصري إلا أنه قد تغير معناه بتفسيره مع باقي النصوص المصرية فاستوى معها وترك صبغته الأولى فلا غرابة بعد ذلك إذا اعتبرنا الاعتراف دليلاً إقناعيًا رغم مخالفة المأخذ وظاهر النص.
5 - حقيقة النص وغرض الشارع منه:
وإذ قد عرفنا أن النص المصري المادة (134) قد خالف أصله وهو القانون الإنكليزي وتغيرت جنسية الإنكليزية باستوائه مع نصوص القانون المصري يصح أن نخرج بنتيجة لهذه المادة بل لهذا البحث وهي:
إن الشارع المصري لم يقصد بالنص ما قد يُفهم من ظاهره أي أنه يريد أن يجعل الاعتراف دليلاً قانونيًا بل بالعكس من ذلك فإنه يعتبر الاعتراف دليلاً إقناعيًا، وأما النص فالقصد منه (بيان الإجراءات التي يجب أن تتبع في الجلسة فقط)، وبهذا الحل نرى أن النصوص تستقيم وأن التناقض الذي يظهر بين المادتين (134) و(137) ق ت جـ بزول.

عبد المجيد السيد نصر


[(1)] هاري صـ 373 - وقارن ذلك بأرشيوليه صـ 325، 328.
[(2)] جرانمولان جـ 1 صـ 300 ن 494 ق

المراقبة الخاصة

مجلة المحاماة - العدد الثاني
السنة السابعة عشرة - سبتمبر سنة 1936

بحث في المراقبة الخاصة

نصت المادة التاسعة من قانون المتشردين والمشتبه فيهم الصادر في 29 يونيه 1923 على أنه (إذا حدث بعد إنذار البوليس أن حكم مرة أخرى بالإدانة على الشخص المشتبه فيه أو قدم ضده بلاغ جديد على ارتكابه جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الفقرتين أولاً وثانيًا من المادة الثانية أو عن شروعه في ارتكاب إحدى تلك الجرائم أو إذا وجد مرة أخرى في الأحوال المنصوص عليها في الفقرة رابعًا من تلك المادة أو إذا كان لدى البوليس من الأسباب الجدية ما يؤيد ظنونه عن أميال المشتبه فيه وأعماله الجنائية يطلب تطبيق المراقبة الخاصة عليه طبقًا لأحكام الباب الثالث).
جرى قضاء محكمة النقض المصرية على أن المراقبة الخاصة المقصودة بهذه المادة هي المراقبة التي يحدد مكانها وزير الداخلية وأصدرت بهذا المعنى أحكامًا في 21 نوفمبر 1929 و26 ديسمبر 1932، و30 مارس 1936 [(1)] وفي الحكم الأخير استعرضت نواحي الموضوع وتناولته بالبحث حتى خرجت إلى تلك النتيجة وهى تقول في سياق الحكم (من حيث إن عبارة (المراقبة الخاصة) الواردة في المادة التاسعة من قانون المتشردين والمشتبه فيهم قد أثارت كثيرًا من اللبس فيما يتعلق بمدلولها وذلك لانفراد المادة التاسعة بذكرها دون سائر مواد ذلك القانون ولما يشوبها من غموض لم يساعد على جلاء الباب الثالث من القانون الذي أحالت عليه المادة التاسعة في ختامها بما قد يفيد أن ذلك الباب قد تكفل بتوضيح معنى المراقبة الخاصة وتحديد مدلولها على حين أن أحكام هذا الباب جاءت خلوًا من كل ما يمكن أن يساعد على جلاء غامضة لكن محكمة النقض قد استقر رأيها على تفسير هذه العبارات بأنها يراد بها ما أرادته المادة السادسة من القانون في فقرتها الرابعة أي المراقبة التي يوضع فيها الشخص المراقب في جهة يعينها وزير الداخلية ويكون الغرض من وصف هذه المراقبة بكلمة الخاصة هو تمييزها عن المراقبة العادية التي يترك فيها للمحكوم عليه اختيار الجهة التي ينوي الإقامة فيها مدة المراقبة)، ثم استطردت إلى القول بأن المراقبة مفروضة في هذه المادة كعقوبة أصلية أسوةً بالحالة المنصوص عليها في الفقرة الرابعة من المادة السادسة بالنسبة للمتشردين وذكرت (أنه لوحظ أن المشرع المصري في جميع أدوار تشريعاته المختلفة الخاصة بالمتشردين والمشتبه فيهم كان كلما اختار أن يقضي بالمراقبة كعقوبة أصلية تخير لذلك المراقبة التي يقضيها المحكوم عليه في جهة تعينها له الحكومة وأنه لم ينص مطلقًا على المراقبة العادية كعقوبة أصلية) تراجع الفقرة الثانية من المادة الثانية من الأمر العالي الصادر في 13 يوليه سنة 1891 المعدل بالأمر العالي الصادر في 13 فبراير سنة 1894 وكذا الفقرة الثالثة من المادة الرابعة من الأمر المذكور تعين القول بأن المراقبة المنصوص عليها في المادة التاسعة من القانون رقم (24) سنة 1923 كعقوبة أصلية لا يمكن أن تكون إلا من نوع المراقبة التي تختار الحكومة فيها للمحكوم عليه جهة خاصة يقضي فيها هذه المراقبة ومن أجل ذلك عبر عنها القانون في المادة المذكورة بالمراقبة الخاصة وأن الشك الذي قام حول المعنى المراد بهذه العبارة إنما كان منشأه أن القانون اختار للتعبير عن هذا المعنى بعينه في نصوص أخرى منه عبارات أوضح دلالة من العبارة التي تخيرها في المادة التاسعة.
وأضافت محكمة النقض إلى الحجتين السابقتين حجة ثالثة حيث قالت:
(ومن حيث إن لاختيار المراقبة الخاصة كعقوبة أصلية دون المراقبة العادية حكمة ظاهرة لأنها تؤدي غرضين في آنٍ واحد ففيها معنى اعتقال الشخص وإبعاد عن مسكنه وذويه وهو المعنى المستفاد من الحبس كما أن فيها معنى وضع المحكوم عليه تحت ملاحظة البوليس ففي الحكم بالمراقبة الخاصة الغناء عن الحكم بالحبس كعقوبة أصلية ثم الحكم بالمراقبة كعقوبة تكميلية لذلك كان من المعقول أن يقضي بها باعتبارها عقوبة أصلية أما المراقبة العادية فلا غناء فيها عن العقوبة الأصلية).
وقد أثار هذا الموضوع الجدل الكبير بين المحاكم حتى أن بعضها رفض الأحد برأي محكمة النقض في حكميها الصادرين قبل الحكم الأخير وذلك رغم منشور من لجنة المراقبة القضائية بلفت نظر المحاكم إلى ضرورة العمل برأي محكمة النقض وليس من شك في أن الموضوع غامض ويثير كثيرًا من الشبهات وجدير بأن يطرح المشتغلون بالقضاء آراءهم لتمحصها محكمة النقض ولكي يسترشدوا بوفير حكمتها وعظيم خبرتها - وما حدا بي للكتابة في هذا الموضوع إلا رغبة ملحقة في الوصول إلى الحقيقة وإن كنت أعلم أن الحقيقة القانونية ليست كالحسابية قابلة للتحديد النافي لكل تجهيل.
فأما عن التفسير اللفظي لعبارة (الخاصة) التي حددت بها المراقبة فأميل إلى القول بأنه قصد بها المراقبة التي هي من نوع خاص لأنها ليست عقوبة تبعية كعهد الشارع بها وإنما هي عقوبة أصلية والشارع في قانون العقوبات الصادر سنة 1904 لا يعرف المراقبة إلا كعقوبة تبعية وقد نصت المادة (28) من قانون العقوبات على الحالات التي يجب فيها وضع المحكوم عليه تحت المراقبة بعد قضائه العقوبة الأصلية التي حكم عليه بها كما نصت المادة (24) في الفقرة الثالثة منها على اعتبار مراقبة البوليس من العقوبات التبعية أي العقوبات التي لا يحكم بها مستقلة وإنما يحكم بها تبعًا لعقوبة أصلية ترتبط بها.
فلمت جاء المشروع سنة 1923 وجمع شتات القوانين واللوائح المعمول بها خاصةً بالمتشردين والمشتبه فيهم وكانت موزعة قبل ذلك في الأمر العالي الصادر في 13 يوليه سنة 1891، و13 فبراير سنة 1894، و29 يونيه سنة 1900 والقوانين نمرة (15)، ونمرة (16)، ونمرة (17) لسنة 1909 أدمج هذه الأحكام الواردة في تلك القوانين ونظمها وجعلها متفقة نوعًا مع روح التشريع حينذاك وخرج منها بالقانون نمرة (24)، واستبقى من بين أحكام هذا القانون عقوبة المراقبة كعقوبة أصلية ينص عليها في بعض الحالات وبديهي أنها وإن سميت مراقبة إلا أنها مخالفة تمام المخالفة للمراقبة التي يعرفها القانون العام تلك المراقبة التي يجب أن تكون تبعية وهذا هو المعنى حسب اعتقادي الذي قصده الشارع.
ولو أن الشارع قصد بالمراقبة الخاصة المراقبة التي يحدد مكانها وزير الداخلية لنص على ذلك صراحةً كما سبق أن نص عليه في الفقرة الرابعة من المادة السادسة وهى سابقة للمادة التاسعة وليس من سبب يدعوه إلى التصريح بها أو بحكمها في المادة السادسة ثم هو بعد ذلك في المادة التاسعة يتركها مجهلة كما أنه ليس من سبب يدعو إلى هذا التفسير الذي لا يحتمه اللفظ من جهة ولا يتفق مع بقية نصوص القانون من جهة أخرى ولا مع سوابقه التشريعية وهذا ما يتعين معه بحث الحجة التاريخية التي لجأت إليها محكمة النقض لتعزيز رأيها فإذا رجعنا إلى الأمر العالي الصادر لسنة 1891 وجدنا أنه يتكلم في الباب الأول منه عن المتشردين، وينص في المادة الثانية على عقوبة التشرد بالحبسي من 15 يومًا إلى 45 يومًا عقب الإنذار ويضيف إلى ذلك ملاحظة البوليس لمدة قدرها من ستة شهور إلى سنة واحدة ويسوغ للقاضي أن يستبدل هاتين العقوبتين بالإبعاد في جهة تعينها الحكومة داخل القطر لمدة سنة واحدة هذا فيما يختص بالمتشردين أما الباب الثاني من الأمر العالي المذكور فيتكلم عن الأشخاص المشتبه في أحوالهم ويحيل العقوبة التي توقع عليهم إلى العقوبة التي توقع على المتشردين في بعض الحالات ويتكلم في الباب الثالث عن تنظيم أمر ملاحظة البوليس فيما يختص بالمحكوم عليهم بها وبجهة البوليس التي تباشرها.
وقد أضاف الشارع بالأمر العالي الصادر سنة 1894 حكمًا خاصًا بالأشخاص المشتبه فيهم الذين مع كونهم أقوياء البنية لا يمارسون في العادي حرفة مقررة ثم في 29 يونيه سنة 1900 أصدر دكريتو بتعديل بعض مواد من قانون العقوبات خاصةً بملاحظة البوليس وذكر في ديباجة الدكريتو أن الغرض منه تجديد مدة الملاحظة وحصر الأحوال التي يحكم فيها بهذا العقاب في دائرة لا تتعدى الحدود اللازمة رعايةً للصالح العام وفي نفس هذا الدكريتو عدل الطريقة المتبعة في ملاحظة البوليس وذلك (لضرورة تعديل طريقة هذه الملاحظة يجعل أحكامها قاصرة على ما لا يقيد حرية الإنسان إلا فيما يكون لازمًا حتمًا وكافلاً للأمن العام وفي هذا السبيل ألغي عدة مواد من الأمر الصادر في 13 يوليه سنة 1891 وهى المواد من (9) إلى (16)).
وفي سنة 1909 صدر القانون نمرة (15) الخاص بوضع بعض الأشخاص تحت ملاحظة البوليس وأنشئت لجنة خاصة للفصل في الأشخاص الذين اشتهر عنهم الاعتياد على الاعتداء على النفس والمال فذكر في المادة الأولى أنه يجوز وضعهم تحت مراقبة البوليس وحددت الملاحظة بالمادة السادسة يجعلها في محل إقامة المتهم ثم نظمت إجراءات خاصة لضمان شخص يجوز أن يقدمه المتهم لضمان حسن سيره مستقبلاً ونص في المادة الحادية عشرة على أنه إذا عجز المحكوم عليه عن تقديم الضمان أو قدم ضمانًا لم يقبل أو قبل ثم أخلى من الضمان ولم يستبدل في الميعاد المحدد في المادة التاسعة فيحدد له محل إقامة في جهة من القطر يعينها وزير الداخلية لتمضية مدة الملاحظة فيها - كذلك نص في المادة الثانية عشرة على أنه إذا حكم على الشخص الموضوع تحت المراقبة لارتكابه جناية ما أو جنحة سرقة أو شروع في سرقة إلخ يعين له بعد انتهاء مدة العقوبة محل إقامته بالجهة بادية الذكر، وفي القانون نمرة (16) عدلت بعض مواد الأمر العالي الصادر سنة 1900 كما أنه في قانون نمرة (17) نظمت أحكام المتشردين في ثلاث مواد وألغيت الأوامر الصادرة في سنة 1891 وسنة 1894 وسنة 1906 وقد ورد في المادة الثالثة من هذا القانون بأنه في حالة العود للتشرد يجوز للجنة أن تصدر قرارًا بتمضية المحكوم عليه مدة الملاحظة في جهة معينة طبقًا للمادة (11) من قانون سنة 1909.
نخرج من هذا الاستعراض التاريخي إلى أنه في جميع الحالات وحينما أراد الشارع النص على أن تكون المراقبة في جهة خاصة ذكر ذلك صراحةً بل إنه في بعض الأحيان عبر عنها بلفظة الأبعاد كما سبق بيانه ولم يستبقِ حكم هذه المراقبة إلا للمتشردين العائدين أما بخصوص المشبوهين فلم يستبقها إلا في حالة الضمان الشخصي كما سبق بيانه، وفي حالة أخرى هي خليط من المراقبة التبعية والمراقبة الأصلية وهى الحالة المنصوص عنها في المادة الثانية عشرة من القانون نمرة (5) لسنة 1909 إذا حكم على الشخص الموضوع تحت المراقبة أصلاً أو لارتكابه جناية أو جنحة خاصة نص عليها في تلك المادة فقد ذكر أنه بعد انتهاء مدة العقوبة يعين له محل إقامة في جهة يعينها وزير الداخلية وتقرر له اللجنة مدة الملاحظة فيها.
جاء بعد ذلك الشارع في القانون رقم (24) لسنة 1923 فأراد أن يضمنه جميع الأحكام الخاصة بالمتشردين والأشخاص المشتبه فيهم فحدد حالات التشرد وحالات الاشتباه ونظم الإجراءات التي تتخذ في حق المتشردين أو المشتبه في أمرهم واستلزم الإنذار في الحالتين ثم تكلم على مراقبة البوليس واستبقى في العقوبة الخاصة بالمتشردين عقوبة المراقبة في جهة خاصة، وفيما يختص بالمشبوهين ألغى حالة الضمان الشخصي فسقطت تبعًا لذلك عقوبة إبعاد المشتبه فيهم إلى مكان خاص ولم يحدد للمشتبه فيهم إلا عقوبة المراقبة بدون ذكر مكانها.
فمن العسير بعد ذلك القول بأن الشارع يقصد بصفة عامة أن تكون المراقبة في مكان يحدده وزير الداخلية هذا الشارع الذي حرص في جميع الحالات على النص صراحةً على هذا الحكم عند وجود مقتضياته والذي اتجه في سنة 1891 إلى (أن يجعل تقييد حرية الإنسان قاصرًا على ما يكون لازمًا حتمًا وكافلاً للأمن العام)، فلا يمكن بعد ذلك أن يقال إنه قصد عقوبة خاصة لم ينص عليها صراحةً وإذن فالشارع لا يقضي بالمراقبة كعقوبة أصلية في الجهة التي تعينها الحكومة للمحكوم عليه فقط بل قد تكون المراقبة كما في الحالة المنوه عنها آنفًا - حالة المادة (12) قانون نمرة (15) سنة 1909 - عقوبة تبعية ومع ذلك تكون في المكان الذي تحدده الحكومة وإذا أرادت محكمة النقض أن ندلها على حالة تكون فيها المراقبة عقوبة أصلية ولكن لا يحدد مكانها وزير الداخلية فهذه الحالة هي المنصوص عنها في المادتين الأولى والسادسة من قانون رقم (15) سنة 1909 إذ ذكر أنه إذا ثبت للجنة أن المتهم من ضمن الأشخاص الذين اشتهر عنهم الاعتداء على النفس أو المال تقرر بوضعه تحت الملاحظة لمدة خمس سنوات في محل إقامته لا في المكان الذي يحدده وزير الداخلية ولهذا تسقط الحجة التاريخية التي اعتمدتها محكمة النقض.
وهل أدل على نية الشارع واتجاهه هذا من أنه في المادة الرابعة عشرة من قانون رقم (24) سنة 1923 ذكر بأن المحكوم عليه تحت مراقبة البوليس باعتبار مشتبهًا فيه أو متشردًا يجب أن يتقدم في ظرف 24 ساعة لمكتب البوليس ليحدد مكان إقامته فلو كان جميع الأشخاص المشتبه في أمرهم يراقبون في مكان خاص لما كانت هناك فائدة من هذا النص ولذلك نرى محكمة النقض تواجه هذه الحجة بالاعتراض عليها بأنها تشمل أيضًا حالة المتشردين العائدين قائلة في هذا الصدد (إنه لو أخذ بعموم نص المادة لوجب أن يترك لجميع من يحكم عليهم بالمراقبة للتشرد حق اختيار الجهة التي ينوون اتخاذها محلاً لإقامتهم وهو أمر ظاهر بطلانه) وبديهي أن القياس بين حالة المتشردين وحالة المشتبه فيهم قياس مع الفارق لأن حالة المتشردين العائدين منصوص عنها في صلب القانون فليس من سبيل إلى تشبيهها بحالة المشبوهين، ومتى كان الحق ممنوحًا للمشبوهين لتحديد محل مراقبتهم فيجب ألا يحرموا منه إلا بنص صريح خاص كما هو شأن المتشردين وكما كان دأب الشارع في التنويه به في جميع أدوار التشريعات التي صدرت بهذا الخصوص.
وهذا ما يجعلنا نعتقد بضرورة تدخل المشرع عاجلاً للحسم في هذا النزاع بنصوص جلية صريحة لا يحوطها اللبس والغموض وإلى أن يأتي ذلك الوقت فعسى أن تعدل محكمة النقض عن رأيها تحت ضوء الحجج التاريخية التي سقناها فيما سلف به القول وقد سبق أن غيرت قضاءها في مسائل هامة لا تخفي على المشتغلين بالقضاء.

محمد مختار عبد الله
وكيل نيابة الإسكندرية الكلية الأهلية

هل يقطع الحكم الصادر بوقف تنفيذ العقوبة المدة اللازمة لرد الاعتبار بقوة القانون

مجلة المحاماة - العدد الخامس
السنة الرابعة والثلاثون1954

بحث
هل يقطع الحكم الصادر بوقف تنفيذ العقوبة الذي انقضت فترة تجربته، المدة اللازمة لرد الاعتبار بقوة القانون
طبقًا للمادة (550) من قانون الإجراءات
للسيد الأستاذ محمد عبد العزيز فهمي مفتش قضائي النيابات

تمهيد:
صدر حكم على شخص بالحبس شهر لسرقة في سنة 1940، ثم صدر عليه حكم آخر بالحبس شهر مع وقف التنفيذ في سنة 1949 فهل يرد إليه اعتباره بقوة القانون في سنة 1953 بعد انقضاء فترة التجربة وهي ثلاث سنوات، وبعد انقضاء اثني عشر عامًا على الحكم موضوع رد الاعتبار.
أم أن الحكم الثاني، رغم مضي فترة تجربته يقطع مدة رد الاعتبار القانوني، وبالتالي لا يرد اعتباره إليه عملاً بظاهر نص المادة (550) من قانون الإجراءات والتي تستلزم أن لا يصدر على المحكوم عليه خلال المدة المقررة لرد الاعتبار حكم بعقوبة جناية أو جنحة، وهو الرأي الذي تجري عليه إدارة تحقيق الشخصية فيما يتعلق بسحب صحف السوابق.
وسنعرض في هذا البحث لبيان وجه الخطأ في هذا الرأي الأخير.
يجب أن يكون مفهومًا بادئ ذي بدء أن رد الاعتبار بقوة القانون يتعدد، بمعنى أنه يجوز أن يرد اعتبار الشخص بقوة القانون أكثر من مرة بعكس رد الاعتبار القضائي (المادة 547 من قانون الإجراءات الجنائية) كما أن تفهم الآثار القانونية التي تترتب على انقضاء فترة التجربة على الحكم الموقوف تنفيذه أمر لازم لمعرفة المقصود بالحكم القاطع للمدة في معنى المادة (550) من قانون الإجراءات.
أثر مضي فترة التجربة على الحكم الموقوف تنفيذه:
نصت المادة (59) من قانون العقوبات على أنه إذا انقضت مدة الإيقاف ولم يكن صدر خلالها حكم بإلغائه، فلا يمكن تنفيذ العقوبة المحكوم بها ويعتبر الحكم بها كأن لم يكن No Avenue والإجماع فقهًا وقضاءً في مصر وفرنسا، على أن انقضاء فترة التجربة يعتبر بمثابة رد اعتبار بقوة القانون، فيزول كل ما يترتب على الحكم من وجوه انعدام الأهلية والحرمان من الحقوق سواء في ذلك ما كان مقررًا في قانون العقوبات، وما نص عليه في قوانين خاصة فلا يعتبر الحكم سابقة في العود ولا يذكر في الشهادات التي تصدر من قلم السوابق.
فيقول جارو (طبعة 14 مختصر صـ 581).
إن مضي فترة التجربة يمحو الحكم،

(Effacer la condamnation elle - meme qui sera dèsormais comme non avenue,… produit ainsi les effets d’une rèhabilitation de plein droit).

وبهذا المعنى داللوز تحت كلمة Reh بند (72)….
يعتبر ولا شك رد اعتبار بقوة القانون،

(comme non avenue cette formule implique à n’en pas douter, une réhabilitation de plein droit.)

وجاء في مجموعة الأحكام (Juris Classeur) بند (120)
إن الحكم يُمحى أو يُفنى ويزول،

…il résulte que celle - ci est anéantie de sorte qu elle ne peut plus servir de premier terme pour la récidive ni compter dans la calcul en vue de la relégation, et que si le réhabilité commet par la suite une nouvelle infraction il peut, pour celle - ci bénéficier du sursis.

وبهذا المعنى (دوندييه دي فابر المطول طبعة ثالثة سنة 1947) صـ 562 بند (998) وصـ 529 بند (931).
وفي نهاية مدة التجربة يرد إلى المحكوم عليه اعتباره بقوة القانون دون حاجة إلى أية إجراءات قضائية، فالحكم يُمحى ويعتبر كأن لم يكن non avenue.
كما يراجع رو Roux في القانون الجنائي طبعة ثانية جزء (1) صـ 503.
ويقول الدكتور القللي، إن الحكم يعتبر فيما يتعلق بالمستقبل لا وجود له (القسم العام طبعة 938 صـ 434).
وبهذا المعنى الدكتور السعيد، كتاب الأحكام العامة طبعة سنة 952 صـ 715.
والعالمان علي بدوي وشبرون (… يُمحى الحكم، ليس فقط بالنسبة للماضي، بل يكون بمثابة رد اعتبار قانوني بالنسبة للمستقبل فلا يذكر الحكم في الشهادات التي تصدر من قلم السوابق).
تعليقات على المادة (59) عقوبات طبعة سنة 1939 صـ 286.
ويقول بذلك أيضًا فيدال ومانيول (طبعة تاسعة سنة 1947 صـ 851 بند (602) مكررًا).
وبديهي أن هذا الأثر لا يترتب إلا بالنسبة للعقوبة الموقوف تنفيذها، فإذا اقتصر الحكم على وقف تنفيذ عقوبة الحبس دون الغرامة فإن الحكم فيما يتعلق بالغرامة تظل آثاره قائمة رغم مضي فترة التجربة، وكذلك لا يؤثر انقضاء فترة التجربة على ما للغير من الحقوق بمقتضى الحكم كالتعويضات والرد والمصاريف.
وإذن فالحكم الموقوف تنفيذه، الذي انقضت فترة تجربته لا ينتج آثارًا بالنسبة للمستقبل، فلا يحتسب في العود ويعتبر المحكوم عليه بالنسبة للمستقبل وكأنه لم يرتكب جرمًا، وإذا ما ارتكب جريمة في المستقبل يعتبر أنه أجرم لأول مرة - فيمكنه أن يستفيد من أحكام وقف التنفيذ مرة أخرى (حيث لا يجوز في فرنسا وقف التنفيذ بالنسبة لمن سبق الحكم عليه بالحبس في جناية أو جنحة) دون أن يؤثر عليه الحكم السابق الذي اعتبر كأن لم يكن بانقضاء فترة التجربة.
دوندييه دي فابر المرجع السابق صـ 529 بند (931)

Le bénéficiaire est considéré à nouveau comme un délinquant primaire.

وإذن فالإجماع فقهًا وقضاءً في فرنسا ومصر منعقد على أن انقضاء فترة التجربة على الحكم الموقوف تنفيذه يعتبر رد اعتبار بقوة القانون، كما صرحت بذلك المذكرة الإيضاحية للقانون رقم (435) سنة 1953 المعدل للمادة (56) عقوبات والذي خفض مدة التجربة إلى ثلاث سنوات.
ورد الاعتبار كما هو معروف، يمحو الحكم القاضي بالإدانة بالنسبة للمستقبل ويزول كل ما يترتب عليه من انعدام الأهلية والحرمان من الحقوق وسائر الآثار الجنائية (المادة 552 من قانون الإجراءات الجنائية).
وإجماع الشراح أيضًا على أن الحكم (بعد انقضاء فترة التجربة) لا يترتب عليه أي أثر جنائي ولا يظهر في صحف السوابق التي تعطى للأفراد ولا يحتسب في العود ولا يعتد به في فرنسا في حالة تعدد العقوبات بالنسبة للأبعاد relégation ولا يمنع في فرنسا من وقف التنفيذ مرة أخرى (فيدال ومانيول المرجع السابق صـ 851 بند (602) مكررًا وصـ 848 بند (602)).
ففي فرنسا يشترط للحكم بوقف تنفيذ العقوبة أن لا يكون قد سبق الحكم على المحكوم عليه بالحبس أو بعقوبة أشد في جناية أو جنحة ومع ذلك فإن المحكوم عليه بالحبس مع وقف التنفيذ الذي انقضت فترة تجربته يستفيد من أحكام وقف التنفيذ مرة أخرى، لأن الأصل أن لا تحتسب الأحكام التي مُحيت أو زالت بالعفو الشامل أو برد الاعتبار.

..On ne tient pas compte non plus de condamnations affacées par I, amnistie ou réhabilitation

(فيدال ومانيول المرجع السابق صـ 737 بند 528 - 1) وصـ 851 بند (602) مكررًا حيث يقول:
(إن الأحكام التي مُحيت بمضي فترة التجربة أو برد الاعتبار القانوني لا تنتج أي أثر فلا يمكن أن تظهر في صحيفة السوابق رقم 3 التي تعطى للأفراد.

.. elles ne produisent aucun effet aucune incapacité quelle que soit la condui te ultérieure bu condamné.

وقد استقر قضاء محكمة النقض على هذا الرأي.
فقضت بتاريخ 5/ 2/ 1934 في الطعن رقم (55) سنة 4 قضائية:
(بأن الحكم الموقوف تنفيذه الذي انقضت فترة تجربته يعتبر كأن لم يكن، والمتفق عليه أن هذا يعتبر بمثابة رد اعتبار بقوة القانون لا يحتاج الشخص بعده إلى طلب رد اعتباره إليه، شأنه في ذلك شأن من لم يحكم عليه أصلاً، وكذلك لا يعتبر الحكم المذكور سابقة في العود ولا يذكر في الشهادات التي تصدر من قلم السوابق).
وقضت بتاريخ 22/ 6/ 1942 في الطعن (1467) سنة 12 قضائية:
(بأنه بمجرد مضي المدة القانونية المعلق تنفيذها، مع عدم وقوع جريمة من المحكوم عليه يعتبر الحكم بقوة القانون كأن لم يكن، كما هي الحال تمامًا في رد الاعتبار، ولكن إذا طلب المحكوم عليه رد اعتباره بالنسبة لحكم صادر عليه بعقوبة واجب تنفيذها مع وجود أحكام أخرى صادرة عليه بوقف التنفيذ لا تزال قائمة لعدم انقضاء مدة التجربة فإنه لا تصح إجابته إلى طلبه ولو كان جميع الشروط التي يتطلبها قانون إعادة الاعتبار متوافرة بالنسبة للحكم الذي هو موضوع الطلب بل يجب في هذه الحالة الانتظار حتى تمضي تلك المدة فعندئذٍ تعتبر الأحكام الصادرة بوقف التنفيذ كأنها لم تكن ولا يبقى سوى الحكم المطلوب رد الاعتبار عنه ويصح إذن قبول الطلب.
وإذن فالإجماع فقهًا وقضاءً في مصر وفرنسا منعقد على أن المشرع حينما يرتب أثرًا على تعدد الأحكام إنما يعتد بالأحكام القائمة فعلاً ولا ينظر إلى الأحكام التي مُحيت برد الاعتبار أو بمضي فترة التجربة على الحكم الموقوف تنفيذه والتي اعتبرت كأن لم تكن لأنها بحكم القانون لا تنتج أي أثر جنائي كما قدمنا.
وقد قضت المحاكم الفرنسية بأن الحكم الموقوف تنفيذه الذي انقضت فترة تجربته لا يقطع المدة اللازمة لرد الاعتبار بقوة القانون.
(محكمة جرينويل في 19/ 6/ 1908).

L’individu qui après avoir subi une peine d’empri sonnement d’un mois a été condamné une seconde fois avec sursis est réhabilité de plein droit au bout de dix ans s’il a satisfait aux conditions prescrites par la loi pour que cette condamnation soit réputée non avenue.

والحكم المنشور بداللوز تحت كلمة Reh بند (78).
وإذن فالمادة (550) من قانون الإجراءات إذ تشترط أن لا يكون قد صدر حكم خلال المدة - إنما تفترض بداهةً في ذلك الحكم أن يكون قائمًا منتجًا لآثاره الجنائية، أما الحكم الذي مُحي برد الاعتبار أو بانقضاء فترة التجربة واعتبر بذلك كأن لم يكن بالنسبة للمستقبل، فلا ينتج أثرًا ولا يعتبر بالتالي قاطعًا لمدة رد الاعتبار بقوة القانون لأن الأحكام التي مُحيت برد الاعتبار لا يعتد بها ولا تنتج أثرًا (فيدال ومانيول المرجع السابق صـ 737 بند 528 - 1).
وإذن يكون من الخطأ الظاهر أن يعتبر الحكم الموقوف تنفيذه الذي انقضت فترة تجربته، قاطعًا لمدة رد الاعتبار بقوة القانون، لأن القول بذلك معناه إننا رتبنا للحكم المذكور أثرًا قانونيًا بالنسبة للمستقبل، وهو بإجماع الفقه والقضاء في فرنسا ومصر غير جائز بل وفيه مخالفة صارخة لنص المادتين (59) عقوبات و(552) إجراءات وهذا الرأي المخالف سوف لا يقطع مدة رد الاعتبار القانوني فحسب، بل سيؤدي إلى نتيجة حتمية غاية في الغرابة وهي أن الحكم الصادر في سنة 1940 في المثال الذي قدمناه في صدر البحث سيظل قائمًا ويعتبر سابقة في العود إذا ما توافرت شروط المادة (51) عقوبات، لأنه طبقًا للرأي المخالف يظل الحكم الصادر في سنة 1940 قائمًا لأن حكم سنة 1949 قد قطع مدة رد الاعتبار القانوني رغم انقضاء فترة تجربته واعتباره كأن لم يكن.
وتستند إدارة تحقيق الشخصية في تمسكها بالرأي المخالف للقانون إلى قرار صادر من وزير العدل بتاريخ 4/ 5/ 1931، وهذا القرار صدر لتنظيم سحب صحف السوابق بمناسبة صدور القانون رقم (41) سنة 1931، بشأن إعادة الاعتبار القضائي، ويقضي القرار بأن لا يشار في صحف السوابق التي تعطى للأفراد إلى الحكم الذي محاه رد الاعتبار أو الذي أوقف تنفيذه وانقضت فترة تجربته بشرط أن لا يصدر حكم آخر بعقوبة بعد ذلك فإذا صدر أشير في صحيفة السوابق إلى الأحكام السابقة واللاحقة.
ونرى أن هذا القرار كان متمشيًا مع أحكام القانون القائم وقت صدوره حيث لم يكن من الجائز أن يوقف تنفيذ الحكم أكثر من مرة (مادة 53 عقوبات قديم) كما أنه من غير الجائز رد الاعتبار القضائي أكثر من مرة فكان من الضروري أن يشار في صحيفة السوابق إلى الحكم السابق الموقوف تنفيذه والذي انقضت فترة تجربته وإلى الحكم اللاحق حتى لا يتمتع الشخص بأحكام وقف التنفيذ أكثر من مرة، أما الآن، وبعد أن تعدل القانون في سنة 1937 فأصبح من الجائز وقف التنفيذ أكثر من مرة، كما استحدثت في سنة 1951 أحكام رد الاعتبار القانوني، فإن القرار الوزاري سالف الذكر يصبح بالنسبة للأحكام الموقوف تنفيذها مخالفًا للقانون ومتعارضًا مع الأثر القانوني لمضي فترة التجربة ومخالفًا مخالفة ظاهرة لأحكام المادتين (59) عقوبات (552) من قانون الإجراءات الجنائية.
ويرى العالمان علي بدوي وشيرون أن الحكم الموقوف تنفيذه بعد انقضاء فترة تجربته لا ينتج أي أثر قانوني فيجب أن لا يشار إليه في صحيفة السوابق ولو تعددت الأحكام ولذلك فهما ينتقدان قرار وزير العدل سالف الذكر (المرجع السابق صـ 286 بند 4) ويقولان إن هذا القرار كان متمشيًا مع نص المادة (53) عقوبات قديم حيث لم يكن من الجائز وقف التنفيذ أكثر من مرة، أما الآن فقد أصبح وقف التنفيذ أكثر من مرة جائزًا قانونًا (علي بدوي التعليقات المرجع السابق صـ 341 بند 11).
ويجب إذن تعديل هذا القرار بحيث يصبح قاصرًا على أحكام رد الاعتبار القضائي والذي لا يجوز منحه أكثر من مرة، ونرى أن القرار الوزاري أصبح منسوخًا بالأحكام المستحدثة من قانون العقوبات الصادر سنة 1937 بالنسبة لوقف تنفيذ العقوبة وبأحكام رد الاعتبار القانوني التي استحدثها قانون الإجراءات الجنائية.
فلا يجوز إذن لإدارة تحقيق الشخصية أن تثبت الأحكام الموقوف تنفيذها والتي انقضت فترة تجربتها في صحف السوابق التي تعطى للأفراد ولو تعددت وللأفراد أن يجبروها على إصدار صحف السوابق خالية بالالتجاء إلى القضاء إذا ما أصرت على التمسك بأحكام القرار الوزاري الذي غدا مخالفًا للقانون ومنسوخًا بأحكامه.
أما بالنسبة للصحف التي تُستخرج بناءً على طلب النيابة والقضاء فليس للأفراد سلطان عليها، فيجوز أن تثبت بها الأحكام الموقوف تنفيذها ولو انقضت فترة تجربتها أو رد الاعتبار عنها بقوة القانون لأن صحف السوابق من أهم العناصر التي يتمكن بها القاضي من معرفة أخلاق المحكوم عليه وماضيه ويستعين بها على تكوين رأيه سواء في تقدير العقوبة أو تقدير موجبات وقف تنفيذها، شأنها في ذلك شأن الاتهامات التي لم تنتهِ إلى أحكام بالإدانة، ومع ذلك فللقاضي أن يستعين بها كعنصر من عناصر تقدير سلوك المتهم - وهذا النظام هو المتبع في فرنسا والذي عُدل بمقتضى القانون الصادر في 13/ 8/ 1945 بحيث أصبح إثبات السوابق في الصحف التي تعطى للأفراد متمشيًا مع أحكام رد الاعتبار.
وقد أصدر وزير العدل قرارًا بتاريخ 6/ 12/ 1951 بمناسبة تنفيذ قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذي استحدث أحكام رد الاعتبار القانوني.
فنظم بهذا القرار سحب صحف سوابق الشخص الذي رد إليه اعتباره بقوة القانون فجعل سحب تلك الصحف متمشيًا مع أحكام رد الاعتبار القانوني.
ومفهوم هذا القرار أن صحف السوابق تسحب لمن رد إليه اعتباره بقوة القانون حتى لو استفاد من أحكامه أكثر من مرة (بعكس رد الاعتبار القضائي الذي لا يُمنح إلا مرة واحدة).
إلا أن هذا القرار لم يتعرض صراحةً للأحكام الموقوف تنفيذها التي انقضت فترة تجربتها بالرغم من أن المادة (55) عقوبات الخاصة بأحكام وقف التنفيذ قد ذكرت في صدر القرار، إذ كان المفروض أن يصرح القرار بالتسوية بين الأحكام الموقوف تنفيذها التي انقضت فترة تجربتها والأحكام التي رد اعتبار الشخص عنها بقوة القانون فينص صراحةً على سحب صحف السوابق الخاصة بها ولو تعددت.
والاستنتاج المنطقي السليم يؤدي حتمًا إلى بسط أحكام هذا القرار على الأحكام الموقوف تنفيذها والتي انقضت فترة تجربتها، لأنها كما قدمنا صورة بارزة من صور رد الاعتبار بقوة القانون، فكان الأجدر أن يشير القرار إليها صراحةً سيما وأن إدارة تحقيق الشخصية لم تتفهم هذا الحكم ولم تبسط أحكام القرار على الأحكام الموقوف تنفيذها التي انقضت فترة تجربتها وظلت متمسكة بالقرار الصادر في 4/ 5/ 1931 والذي غدا كما قدمنا منسوخًا ضمنًا وبحكم اللزوم العقلي (فيما يتعلق بالأحكام الموقوف تنفيذها) بنصوص قانون العقوبات وبأحكام رد الاعتبار القانوني وبالقرار الصادر في 6/ 12/ 1951).

اتفاق مؤقت بين الحكومة المصرية وحكومة فلسطين بشأن تسليم المجرمين

اتفاق مؤقت بين الحكومة المصرية وحكومة فلسطين بشأن تسليم المجرمين

نظرًا لما تبينته حكومتا مصر وفلسطين من ضرورة عقد اتفاق مؤقت بينهما ينظم به تسليم المجرمين ويحقق أداء العدل على وجه أصح، فقد اتفق الموقعان فيه بما لهما من السلطة التامة المخولة لكل منهما من حكومته على الحكام الآتية:
1 - تتعهد الحكومة المصرية وحكومة فلسطين بموجب هذا الاتفاق بأن تسلم كل منهما الأخرى المجرمين الهاربين وذلك بحسب القواعد والشروط المبينة بعد.
2 - تتعهد كل من الحكومتين بأن تسلم بناءً على طلب الحكومة الأخرى:
( أ ) الأشخاص الذين صدر ضدهم أمر بالقبض لجريمة (غير الجرائم السياسة) من الجرائم الداخلة في اختصاص محاكم الحكومة الطالبة التسليم والمعاقب عليها بالحبس لمدة سنة على الأقل أو بعقوبة أشد.
(ب) الأشخاص الذين حكمت عليهم محاكم الطالبة التسليم بعقوبة الحبس لمدة سنة على الأقل أو بعقوبة أخرى أشد منها لجريمة غير الجرائم السياسية شرط أن لا يكون الحكم قد نفذ بتمامه ولا يعتبر الحكم الذي يصدر في غيبة المتهم في جنحة أو جناية حكمًا بعقوبة، غير أن المحكوم عليه على هذا الوجه يعامل كمتهم.
3 - لا يسري هذا الاتفاق إلا على الأشخاص الذين يكونون بمقتضى القوانين المعمول بها في مصر خاضعين فيها لقضاء إحدى المحاكم المصرية الجنائي وعلى ذلك لا يجوز لحكومة مصر ولا لحكومة فلسطين أن تطلب تسليم شخص غير خاضع لقضاء هذه المحاكم ولا أن تطالب بالموافقة على تسليمه.
4 - تكون طلبات تسليم المجرمين الهاربين من وزير الحقانية إذا كانت صادرة من الحكومة المصرية ومن المندوب السامي لحكومة فلسطين إذا كانت صادرة من هذه الحكومة.
5 - أولاً: يصحب طلب تسليم المجرم الهارب بجميع ما يتيسر من البيانات التي يكون من شأنها إثبات شخصية من يطلب تسليمه وتعيين محل وجوده.
ثانيًا: ويصحب أيضًا مثل هذا الطلب بالمستندات الآتية:
( أ ) عندما يكون الطلب مبنيًا على أمر بالقبض، أصل الأمر أو صورة منه مصدق عليها بأنها طبق للأصل وكذلك صورة مصدق عليها من شهادات الشهود التي أديت أمام القاضي أو أي شخص آخر مكلف بالتحقيق أو من المحاضر أو من أي دليل آخر بني عليه الاتهام.
وإذا كان الحكم صادرًا في غيبة المتهم في جنحة أو جناية وجب أيضًا أن يصحب الطلب بصورة مصدق عليها من الحكم أوامر التنفيذ الصادر بناءً على هذا الحكم.
(ب) عندما يكون الطلب مبنيًا على حكم صادر في مواجهة المتهم، صورة مصدق عليها من الحكم أو أمر التنفيذ الصادر بناء عليه وشهادة من وزارة الحقانية أو أي سلطة أخرى مماثلة لها في القطر الصادر منه الطلب، دالة على أن الحكم أصبح واجب التنفيذ.
6 - لكل من الحكومتين المتعاقدتين السلطة التامة في البت فيما إذا كان هناك وجه لقبول الطلب الصادر من الحكومة الأخرى بتسليم مجرم هارب بناءً على أحكام هذا الاتفاق، ويتولى الحكم بذلك السلطة القضائية أو أية سلطة أخرى يكون ذلك من اختصاصها بناءً على القوانين السارية في القطر صاحب الشأن.
7 - لا ترخص السلطة المختصة بالفصل في طلب التسليم بتسليم المجرم الهارب ألا متى ثبت لديها:
( أ ) عند ما يكون الطلب مبنيًا على أمر بالقبض، أن الأدلة المقدمة كافية لمحاكمة المتهم.
(ب) عند ما يكون التسليم مبنيًا على حكم، أن الأدلة كافية لتبرير الحكم الصادر.
(ج) أن لا تكون الجريمة المنسوبة للمتهم أو التي حكم عليه من أجلها في جميع الأحوال من الجرائم السياسية وأن لا تكون الغاية من طلب التسليم هي محاكمة المجرم الهارب أو توقيع العقوبة عليه من أجل جريمة سياسية.
8 - في تطبيق هذا الاتفاق لا تعد الجرائم الآتي ذكرها جرائم سياسية.
( أ ) جرائم الاعتداء والنهب والسرقة بإكراه سواء وقعت هذه الجرائم من شخص واحد أو أكثر وسواء ارتكبت ضد أحاد الناس وأملاكهم أو ضد السلطات المحلية أو ضد السكك الحديدية وغيرها من طرق المواصلات والنقل.
(ب) كل تعدٍ على شخص جلالة ملك مصر أو شخص المندوب السامي لحكومة جلالة ملك بريطانيا في فلسطين.
9 - إذا تقدم طلب تسليم مجرم هارب وكانت محاكم البلد المقدم إليه الطلب مختصة بنظر الجريمة المنسوبة لهذا المجرم الهارب فيجوز لحكومة هذا البلد اتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاكمته أمام محاكمها بدلاً من قبول طلب التسليم فإذا لم يحاكم المجرم في خلال الثلاثة الأشهر التالية لورود طلب التسليم فيتعين على الحكومة صاحبة الشأن أن تسلمه متى توفرت الشروط الأخرى المنصوص عليها في هذا الاتفاق.
10 - لا يجوز إقامة الدعوى أمام محاكم البلد الذي سلم إليه شخص بناءً على أحكام هذا الاتفاق من أجل جريمة ارتكبت قبل تسليمه غير الجريمة أو الجرائم التي يمكن إثباتها بالوقائع التي حصل التسليم بناءً عليها، وذلك ما لم يتح لذلك الشخص قبل محاكمته فرصة للعودة إلى القطر الذي سلمه.
11 - تدفع كل من الحكومتين للأخرى بناءً على طلبها جميع المصاريف المترتبة على تنفيذ طلبات التسليم التي تقدمها إليها.
يجرى العمل بهذا الاتفاق المؤقت ابتداءً من شهر أكتوبر سنة 1922، ويستعاض عنها فيما بعد باتفاق نهائي يبرم بين الحكومتين.
حرر من نسختين.

إمضاء

إمضاء

ثروت

هربرت صموي

مركز الوسيط في الرشوة

مجلة المحاماة - العدد الثاني
السنة الحادية والعشرون - 1940 - 1941

بحث
في مركز الوسيط في الرشوة

عرف قانون العقوبات جريمة الرشوة في المادة (103) منه على النحو الآتي:
(يعد مرتشيًا كل موظف عمومي قبل وعدًا من آخر بشيء ما أو أخذ هدية أو عطية لأداء
عمل من أعمال وظيفته ولو كان العمل حقًا أو لامتناعه عن عمل من الأعمال المذكورة ولو ظهر له أنه غير محق).
والرشوة إذن هي كما يستفاد من هذا وكما عرفها المرحوم أحمد بك أمين نقلاً عن العلامة جارو (اتفاق على جعل أو فائدة مقابل أداء عمل أو الامتناع عن عمل يدخل في وظيفة المرتشي أو مأموريته).
وعرفها الأستاذ مرقص بك فهمي في مقال قيم له نُشر بمجلة المحاماة السنة التاسعة صـ 713 أنها:
(تتم بالاتفاق المكون من إيجاب ثم قبول بشرط أن يكون الموظف مختصًا سواء نفذ ما تعاقد عليه أو لم يُنفذ).
وأضيف أنا إلى هذين التعريفين العبارة الآتية:
(سواء كان العمل المطلوب حقًا أو غير حق).
إذن الرشوة توجد من اتفاق يتكون من إيجاب وقبول، أو بعبارة أخرى هي ثمرة تلاقي إرادتين. فهل يشترط لوجود جريمة الرشوة وتمامها أن تكون الإرادتان صادقتين - أو بعبارة أدق - هل يشترط أن يكون الإيجاب واقعيًا صادقًا وأن يكون القبول واقعيًا وصادقًا أو أن صدق الإيجاب وصدق القبول هما شرط لوجود تمام جريمة الرشوة.
إذا كانت الرشوة ثمرة اتفاق أو ثمرة تلاقي إرادتين وهي عمل واحد بين متعاقدين فلا نظن أن أي خلاف يمكن أن يقوم على اشتراط صدق الإيجاب وصدق القبول - ولا يمكن أن يكون هناك خلاف على أن الإيجاب إن كان صوريًا وأن القبول إن كان صوريًا لا ينعقد بهما عقد الرشوة فإذا تقدم فرد إلى موظف وعرض عليه رشوة رغبة الإيقاع به فقبلها الموظف رغبةً في الإيقاع براشيه فلا يمكن أن توجد جريمة الرشوة.
عرضت لهذا محكمة النقض والإبرام المصرية ابتداءً من سنة 1901 فقضت بأن الراشي يعاقب على شروعه في رشوة الموظف العمومي ولو أن الموظف أخبر رؤساءه بأمر الرشوة من بدء حصولها وظل يوافيهم بما يجري بينه وبين الراشي من المخابرات مع تظاهره للراشي بمظهر المستعد للقبول حتى ضُبطت الجريمة - (نقض 27/ 4/ 1901 المجموعة الرسمية 2 صفحة 285).
وكذلك قضت محكمة النقض والإبرام في 24 إبريل سنة 1933:
إن جريمة الرشوة لا تتم قانونًا إلا بإيجاب من الراشي وقبول من جانب المرتشي إيجابًا وقبولاً حقيقيين - فإذا كان الشخص الذي قدمت له الرشوة قد تظاهر بقبولها ليسهل على أولي الأمر القبض على الراشي متلبسًا بجريمته فإن القبول الصحيح الذي تتم به الجريمة يكون منعدمًا في هذه الحالة ولا يكون في المسألة أكثر من إيجاب من الراشي لم يصادف قبولاً من الموظف فهو شروع في رشوة منطبق على المادة (96) عقوبات (المادة 11 عقوبات جديد) مجموعة القواعد القانونية للأستاذ محمود عمر - الجزء الثالث صفحة 173.
ونرجو أن يلاحظ أن الهيئة التي أصدرت هذا الحكم كانت مكونة من حضرات عبد العزيز فهمي باشا، ومصطفى محمد باشا، وزكي برزي بك، ومحمد فهمي حسين بك وأحمد أمين بك.
نخرج من هذا على أنه إذا كان الإيجاب معيبًا غير صادق ولا حقيقي وصادف قبولاً غير صادق ولا حقيقي لا توجد جريمة الرشوة فإن كان أحدهما معيبًا والثاني صادقًا تكون الجريمة ناقصة وإذا كانت ناقصة فما هو وضعها القانوني ؟
إذا كان الإيجاب صادقًا وحقيقيًا وكان القبول صوريًا غير حقيقي فلا عناء في وصف هذا النوع من الرشوة لأن محكمة النقض والإبرام وصفت هذه الجريمة بأنها شروع في رشوة يعاقب عليه القانون بالمادة (111) عقوبات ونصها:
من شرع في إعطاء رشوة ولم تقبل منه أو في الإكراه بالضرب والتهديد ونحوهما ولم يبلغ مقصده يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تتجاوز مائة جنيه مصري.
وأما إذا كان القبول صحيحًا صادقًا والإيجاب غير صادق فلا يكون هناك إلا عرضًا من جهة الموظف الذي يحاول الرشوة لم يصادف قبول الفرد الذي تطلب منه الرشوة - وبعبارة أخرى،
هل الإيجاب الصادق من ناحية الموظف والقبول الصوري من ناحية الفرد - أو عدم القبول إطلاقًا - يمكن أن يدخل تحت طائلة العقاب.
أو بعبارة ثالثة - إذا كان الشروع في الرشوة من ناحية الفرد يعاقب عليه القانون بمقتضى المادة (111) - فهل الشروع من ناحية الموظف أو من ناحية الوسيط يمكن أن يدخل تحت طائلة العقاب.
أو بعبارة رابعة - هل تحتمل جريمة الرشوة - إن كان صاحب التفكير الأول فيها الموظف أو الوسيط - الشروع أو لا تحتمله.
من الجرائم التي يعاقب عليها قانون العقوبات ما لا يحتمل مراحل الجريمة الثلاث وهي (الأعمال التحضيرية - والبدء في التنفيذ - والتنفيذ) لأن هذه الجرائم تقع بصورة يمتزج فيها البدء بالتنفيذ مع التنفيذ ذاته فلا مبدأ لها ولا نهاية بل هي تقع بصورة لمحية أو وقتية (Instantané).
وأبرز مثل لهذه الجرائم هو جريمة هتك العرض، وجريمة القذف، وجريمة السب، وجرائم النشر إطلاقًا - فهذه الجرائم لا تحتمل الشروع - ولا يمكن أن يتصور فيها - وعلى نسقها جريمة الرشوة - لأنها إنما تنحصر في أمر معنوي صرف هو تلاقي الإرادتين - إيجابًا - وقبولاً - وعدًا أو عطاءً.
عرض الأستاذ مرقص بك فهمي في المقال السالف الذكر للشروع في جناية الرشوة - وكيف أنه يتحقق - وقارن في بحثه بين القانونين المصري والفرنسي - وانتهى من بحثه إلى أن الشروع لا يتصور في جناية الرشوة إطلاقًا فقال:
(الواقع إن القانون والعقل وطبيعة العمل - كل هذا يقتضي أن الشروع في الرشوة من جانب الموظف وبمجرد الاقتراح أمر لا يجوز).
ولكن المسيطرين على تطبيق القانون يفهمون دائمًا - مدفوعين بعامل الصلاح والاستقامة - أنهم مسيطرون أيضًا على الآداب العامة فيدفعهم الغضب على من أخطأ إلى تلمس العقوبة من أي طريق - وفي القانون جنايات وشروع - والمفهوم أن لكل عمل شروعًا فالطريق لتطبيق العقوبة نراه سهلاً بسيطًا، ولو تمهل الباحث وأنصف - وحسب للضعف الإنساني حسابه - ونذكر أن لعثرات اللسان مجالاً لغير ميدان الجنايات وتذكر أنه ما من جناية تولد من هفوة كلامية أو من نزعة طائشة انحصر أثرها في كلمة تذهب في الهواء - إذا تذكر شيئًا من هذا وقف أم هذه العقوبة التي تذهب بحياة إنسان وتلصق بأهله العار - بكلمة - قد لا يعلم أحد إن كانت تعبر عما في قلبه أو هي سهم طائش - نقول - لو تذكر هذا لوقف موقف الجزع والشفقة ولا ندري أتقف شفقته عند من قضى عليه أو تصل به إلى الاجتماع كله - فما أسعد الناس إذا اقتصرت جناياتهم على عثرات اللسان.
أراد الأستاذ مرقص بك فهمي أن يدعم رأيه الذي ساقه في مقاله السالف الذكر فقال:
(إن أصحاب البنديكت وجارو كانوا يرون أن عرض الموظف أخذ رشوة - إذا لم يقبل هذا العرض - يكون شروعًا إلا أن جارو رجع عن رأيه فيما بعد وقال هذا الرأي يظهر لنا إنه نتيجة لمبادئ الشروع العامة ولكن يجب علينا أن نلاحظ أن العلماء لم يرد في مباحثهم إمكان الشروع في الرشوة من جهة الموظف).
ثم قال الأستاذ مرقص بك فهمي إن جارو تقدم بعد ذلك خطوة إلى الأمام فكتب في الجزء الرابع من مؤلفه طبعة ثانية صفحة 75 ما نصه:
المادة (177): (وهي تقابل المادة 108 عقوبات مصر) إنما تقرر العقوبة على قبول العرض أو الوعد للغرض المعين فهي بذلك تجعل الجريمة في اتفاق الإرادتين وعلى هذا فإن طلب نقود - إذا لم يقبله من طلب منه - لا يعتبر إلا شروعًا في جنحة الاتجار بالوظيفة وهي جنحة لا عقوبة عليها بنص في القانون، ومعنى هذا الرأي الذي انتهى إليه جارو أنه لا شروع في جناية الرشوة مطلقًا.
لم يكن هذا هو رأي الأستاذ مرقص بك فهمي - ولا رأي جارو فقط - بل هو أيضًا رأي محكمة النقض والإبرام المصرية في حكم صدر منها بتاريخ 3 يناير سنة 1929 ونشر بمجموعة الأستاذ محمود عمر (الجزء الأول صفحة 97) وقبل أن نسوق هذا الرأي ونعلق عليه ونستخرج منه النتائج التي تتفق مع رأينا نرجو أن يلاحظ أن الهيئة التي أصدرت هذا الحكم كانت مكونة من (عبد العزيز فهمي باشا - ومحمد لبيب عطية باشا - ومسيو سودان - وزكي برزى بك - وحامد فهمي بك).
قال الحكم المذكور:
(جريمة ارتشاء الموظف المنصوص عليها في المادة (89) من قانون العقوبات تتحقق أما بقبول الموظف وعدًا بشيء ما لأداء عمل من أعمال وظيفته أو لامتناعه عن عمل من أعماله - وأما بأخذه عطية أو هبة لأي هذين الغرضين، فتنفيذ هذه الجريمة إنما يكون بإيقاع ذلك القبول أو هذا الأخذ - وفي كل من القبول أو الأخذ ينحصر مبدأ التنفيذ ونهايته، وإذن فالوعد - أو الإعطاء - من جانب الراشي مهما يكونا محرمين واقعًا جانيها تحت العقاب - فإن كليهما بالنسبة لجريمة ارتشاء الموظف عمل تحضيري بحت، ومثلهما الاستيعاد والاستعطاء الحاصلان لذي الحاجة من جانب الموظف - بل هذان أشد من الوعد أو الإعطاء تغلغلا في باب التحضيريات من قبل أنهما أسبق زمانًا منهما من مبدأ التنفيذ) .
ترى محكمة النقض والإبرام إذن أن الوعد أو العطاء من ناحية الراشي والقبول أو الأخذ من ناحية الموظف هما مبدأ التنفيذ ونهايته - ومعنى هذا أن جريمة الرشوة تقع وتتحقق بالقبول أو الأخذ - وأن لا مبدأ لتنفيذهما - حتى يقال إن هناك شروعًا - لأن مبدأ التنفيذ، والتنفيذ ذاته - يمتزج أحدهما بالآخر امتزاجًا لا يجعل لواحد منهما حياة مستقلة يحيا بها فيقال إن هناك مبدأ تنفيذ يمكن أن يكون شروعًا - وأن هناك تنفيذًا يمكن أن تتم به الجريمة.
ويقول الحكم كذلك:
(إن الوعد أو الإعطاء إذا لم يقبلهما الموظف لا يكونان بالنسبة له جريمة ما بل هما يكونان بالنسبة للراشي جريمة الشروع في الرشوة المنصوص عنها في المادة (111) فإن كان الاستيعاد أي طلب الوعد - أو الاستعطاء - أي طلب الإعطاء واقعان من جانب الموظف فلا يكون ذلك إلا عمل تحضيري).
وخلاصة هذا الحكم أن جريمة الرشوة - إذا لم تتم - فلا تحتمل الشروع اللهم إلا ذلك الشروع الذي نص عنه صراحةً في المادة (111) من قانون العقوبات وهو بالنسبة للراشي، ونرجو أن يلاحظ أن هذا الذي سمي (شروعًا) في المادة (111) لم يكن شروعًا بالمعنى القانوني الصحيح لأنه عين الوقائع المادية التي تكونه - ومعنى هذا أنه لا عقاب على الراشي إذا شرع في رشوة وخاب أثر جريمته بسبب خارج عن إرادته غير عدم القبول الذي نص عنه في المادة (111) - فمثلاً إذا وضع في يده مالاً وذهب إلى أحد الموظفين ليقدمه له - وضُبط وهو يمد يده بهذا المال إلى الموظف - أي قبل أن تظهر نية الموظف في القبول أو عدم القبول فلا شروع ولا عقاب.
وخلاصة جميع ما تقدم أن الشروع لا يتصور إطلاقًا في جريمة الرشوة اللهم إلا ذلك الذي نص عنه في المادة (111) من قانون العقوبات - أو بعبارة أخرى إذا نص عن الشروع في المادة (111) بالنسبة للراشي ولم ينص عنه بالنسبة للمرتشي أو الوسيط فلا عقاب على هذين الآخرين في حالة الشروع.

هل يمكن أن يتصور الشروع بالنسبة للوسيط

الشروع من ناحية الراشي نص عنه في المادة (111) عقوبات.
الشروع من ناحية الموظف لم يعرض له القانون وترك أمره للقواعد العامة.
ومعنى ذلك أن الشروع من ناحية الموظف يعاقب عليه كجناية - إن احتملت جناية الرشوة الشروع - ولا يعاقب عليه إذا لم تحتمل هذه الجناية الشروع - وقد سبق لنا التدليل على أن هذه الجناية لا تحتمل الشروع.
بقي أن نبحث مركز الوسيط.
نص على عقاب الوسيط في المادة (108) عقوبات فجعل شأنه شأن الراشي وشأن الموظف المرتشي عند تمام الجريمة.
فإذا كانت الجريمة ناقصة - هل يمكن أن يكون هناك شروع في وساطة.
عرض المرحوم أحمد أمين بك لهذا في كتابه شرح قانون العقوبات صفحة 5 فقال:
(وقد يتوسط بين الراشي والمرتشي شخص ثالث وهو (الرائش) - وقد سماه القانون في المادة (93) (المتوسط) ولم يضع له الشارع الفرنسي حكمًا خاصًا - وهو عند الشراع الفرنسيين والمحاكم الفرنسية شريك لمن كلفه الوساطة).
ولكن الشارع المصري عنى بالنص عليه في معرض تقرير العقاب - فهل أراد بذلك أن يجعل من فعله جريمة خاصة كجريمة الراشي، ليس ثمة ما يبرر القول بذلك لأن الرائش ليس له عمل مستقل في جريمة الرشوة بل هو رسول أحد الطرفين إلى الآخر وقد يكون رسولاً مشتركًا بينهما وعلى كل حال فالواجب أن تكون جريمته معلقة بمصير جريمة من كلفه الوساطة سواء في حالة التمام أو الشروع أو الانعدام إلا ما اُستثنى في حالة الإعفاء المنصوص عليها في ختام المادة (93) من قانون العقوبات، ومعنى هذا أن جريمته لا يتصور وجودها منفصلة فيتعين إذن اعتباره شريكًا لمن كلفه الوساطة أو فاعلاً أصليًا معه في جريمة واحدة، والرأي الأول أرجح.
ثم أراد أحمد بك أمين أن يتحدث عن عقوبة الوسيط صفحة 31 فقال:
لم يترك القانون حكم الرائش (أي الوسيط) لقواعد الاشتراك العامة - بل نص على عقابه في المادة (93) عقوبات فجعله مساويًا لعقاب الراشي والمرتشي أي السجن مع غرامة تساوي قيمة ما أعطى أو وعد به.
أما في حالة الشروع فيختلف عقابه بحسب ما إذا كان وسيطًا للراشي أو للمرتشي - فإذا كان يعمل لصالح المرتشي فيعد شريكًا له ويعاقب على الشروع بالمادة (93) من المادتين (45) و(46) عقوبات - وإذا كان يعمل للراشي فيعاقب معه بالمادة (96) عقوبات.
ذلك هو رأي المرحوم أحمد بك أمين - ونحن ندين بهذا الرأي.
أولاً: لأن هذه التسمية (الوسيط) لم ترد إلا في المادة (108) عند تقرير العقوبة وفي حالة تمام الجريمة - فلا يمكن أن يسمى من ساهم في الجريمة الناقصة باسم الوسيط - بل يجب أن يلحقه وصف آخر من تلك الأوصاف التي عينها القانون - وهو أما أن يكون فاعلاً أصليًا أو شريكًا أو مفاعلاً.
ثانيًا: إن القانون في ذكر (الوسيط) على التعيين في (108) خرج على نصوص القانون الفرنسي الذي كان ينقل عنه وأراد أن لا يترك في هذه الحالة المعينة - وهي حالة تمام الرشوة - أمر الوسيط لقواعد الاشتراك العامة فقد ينقصه ركن من أركان ذلك الاشتراك وبهذا يفلت من العقاب فوضعه مع الراشي والمرتشي وسماه وسيطًا وجعل عقابه هو عقاب الراشي والمرتشي سواء بسواء - فلا يمكن قياس الجريمة الناقصة على هذه الحالة المعينة بالذات وهي الجريمة التامة - لأن القواعد العامة تقضي بأن لا عقوبة إلا بنص في القانون.
إذن - الوسيط لا يمكن أن يسمى وسيطًا في غير الجريمة التامة ويبقى أنه إن ساهم في عمل الراشي - إذا كانت الجريمة ناقصة - عوقب عقاب هذا الراشي كشريك أو مفاعل - وإن ساهم في عمل الموظف عوقب بعقاب هذا الموظف إن كان القانون يسمح بهذه العقوبة في الجريمة الناقصة وقد سبق لنا القول بأن جريمة الرشوة لا تحتمل الشروع من ناحية الموظف مطلقًا ولا عقاب عليه إن استعطى أو استوعد كما سبق لمحكمة النقض إن قررت ذلك في حكم 3 يناير سنة 1929.
على أن تعيين الناحية التي يساهم فيها الوسيط فيكون شريكًا لصاحبها تتعين بوقائع الدعوى أو بصاحب المصلحة، فإن كان لا يعمل لواحد منهما ويعمل لنفسه كان عمله بعيدًا عن جريمة الرشوة إطلاقًا لا يمت لها بصلة مطلقًا - فقد يكون نصبًا إذا توفرت أركانه - وقد يكون غير ذلك - وتتعين المصلحة بين الراشي والمرتشي بصاحب الغنم الأكثر من الاثنين في هذا الاتفاق غير المشروع.

أحمد رشدي
المحامي

متى يجوز استئناف الحكم الصادر في دعوى التزوير الفرعية

مجلة المحاماة - العددان التاسع والعاشر
السنة السابعة - يونيه ويوليه سنة 1927

متى يجوز استئناف الحكم الصادر في دعوى التزوير الفرعية
نقد لحكمي محكمة مصر الصادرين في 18 أكتوبر سنة 1926 و14 فبراير سنة 1927

نشرت مجلة المحاماة بالعدد الرابع من سنتها السابعة تحت نمرة (243) حكمًا لمحكمة مصر الابتدائية الأهلية أصدرته في 18 أكتوبر سنة 1926 قررت فيه أن الحكم الصادر من المحكمة الجزئية برد وبطلان سند حصل الادعاء فيه بالتزوير يجوز استئنافه وإن كانت قيمة الدعوى الأصلية لا تبلغ نصاب الاستئناف.
نشرته ونشرت تحته تعليقًا للأستاذ عبد الفتاح بك السيد.
ونشرت مجلة كلية الحقوق تعليقًا آخر للأستاذ العشماوي بك بالعدد الثاني من سنتها الأولى بالصحيفة نمرة 81 وما بعدها - ثم نشرت مجلة المحاماة بالعدد الخامس من سنتها السابعة تحت نمرة 349 حكمًا آخر أصدرته محكمة مصر في 14 فبراير سنة 1927 فندت فيه بعض ما اعترض به على حكمها الأول.
ولأهمية المسألة ولهذا التنازع عليها رأيت أن أكتب هذه الكلمة رجاءً أن تكون الحاسمة فيها.
القانون صريح في وجوب الرجوع إلى قيمة المدعى به لمعرفة جواز استئناف الحكم وعدم جوازه المادة (345) من قانون المرافعات.
وصريح في حالة ما إذا أقيمت دعوى من المدعى عليه على المدعي في أثناء الخصومة أو دعوى بطلب المقاصة في الرجوع في التقدير إلى أكبر مبلغ حصلت المطالبة به أمام المحكمة المادة (348) مرافعات.
وصريح فيما استثناه من ذلك بالنص كالأحكام الصادرة في الاختصاص وفي رد القضاة.
والفقهاء متفقون على أن ولاية القاضي على أصل الدعوى تمتد إلى وسائل الدفاع وأوجه الدفع والدفوع التي تقدم فيها وتكون ولايته عليها ولاية على أصلها فيحكم فيها بحكم قابل للاستئناف إذا كان حكمه في الأصل قابلاً له كذلك.
ولا خلاف في أن الخصومة قد تتسع بين الخصمين إلى أبعد مما يتنازعان عليه في الظاهر فتفصل فيها المحكمة في حدودها هذه لا في حدودها الواضحة بتقدير المدعى به ويكون الاعتبار في جواز الاستئناف وعدمه لقيمة هذه الخصومة التي امتدت إليها الدعوى.
لا خلاف في ذلك كله فيما نعلم في الفقه والقضاء - ولكنك إذا سألت متى تعتبر الخصومة ممتدة إلى أبعد من حدود المدعى به رأيت اختلافهم في التفصيل والتطبيق.
على أنهم مع ذلك متفقون على تبعية الأحكام الصادرة في الدفع بسبق الفصل في الدعوى أو بسقوط الحق فيها بالتقادم للأحكام التي تصدر في موضوع الدعوى فيكون الحكم فيها غير قابل للاستئناف متى كانت قيمة الدعوى الأصلية أقل من نصاب الاستئناف.
وهم متفقون على امتداد الخصومة إلى ما وراء حدود المدعى به إذا تعلقت طرق الدفاع أو الدفوع الموضوعية بأصل الحق المترتب عليه المدعى به ونزل المدعى به منه في الواقع منزلة الفرع من أصله.
فإذا طالب المدعي بما تأخر له من إيراد مؤقت ودفع المدعى عليه بأنه لم يرتب إيرادًا ما كان الحكم الصادر في الدفع قابلاً للاستئناف متى كانت قيمة الإيراد المدعي بترتيبه تبلغ نصاب الاستئناف وإن كانت قيمة المدعي بتأخره منه أقل من هذا النصاب لأن الخصومة امتدت بهذا الدفع إلى خصومة في ترتيب هذا الإيراد فكانت قيمتها تزيد عن قيمة المدعى به ونزل منها منزلة الفرع من أصله.
وهم متفقون على تعدية حكم الأصل في الدعوى إلى جميع أوجه الدفع إلا ما اُستثنى بالنص كالحكم الصادر في الاختصاص وفي رد القضاة، وكذلك ما تمتد به الخصومة فتزيد قيمتها عما يفصل فيه القاضي فصلاً نهائيًا فيكون الحكم الصادر فيها قابلاً للاستئناف ولو كانت قيمة أصل الدعوى أقل من نصاب الاستئناف.
ومن هذا الطعن بالتزوير ومخاصمة وكلاء الدعاوى (Desavoeu) وإنكار صفة أحد الخصوم من وارث أو شريك أو وصي.
ولعل الفقه في مسائل هذا الباب من القانون هو النظر إلى الارتباط الوثيق بين نظرية قوة الشيء المقضي فيه وبين نظرية تأثير أوجه الدفاع والدفوع على قابلية الأحكام التي تصدر فيها وفي الموضوع للاستئناف وعدمه.
وإنك لتلاحظ فيما تطالعه من الأحكام الصادرة في هذه المسائل وما شابهها أنهم ينظرون في آثار الدفع على غير المحكوم فيه من موضوع الدعوى فإن رأوا أنها تتعداه إلى غيره اعتبروا الدفع قد امتد بالخصومة إلى ما وراء حدودها الأصلية وقدروا الدعوى باعتبار قيمة الدفع إن كان مما يقبل التقدير وإلا اعتبروها مجهولة القيمة.
اعتبر ذلك في أحكامهم الصادرة في الدفوع المتعلقة ببطلان السند المثبت لأصل الحق تراهم فرقوا بين ما إذا تقدم الدفع كوسيلة لدفع الخصومة الحالية فلم يعتبروه مادًا للخصومة فيما وراءها وبين ما إذا طلب الحكم فيه على أنه دعوى فرعية فيعتبرون الدفع قد سحب الخصومة إلى حدود هذا السند برمته، وكأنهم يلاحظون في هذا وذاك أن المحكمة في الصورة الأولى لا تكون قد حكمت إلا في موضوع الدعوى الأصلية بعد أن نظرت في البطلان والصحة كوسيلة من وسائل الدفاع في الدعوى وأنها في الصورة الثانية تكون قد حكمت في بطلان السند وصحته حكمًا يتعدى هذه الدعوى إلى غيرها مما يتعلق به (راجع فقرة 735 من كريبون في كتابه الاستئناف).
واعتبر كذلك أحكامهم في الدعاوى التي يمتد النزاع فيها إلى صفة أحد الأخصام ككونه وارثًا أو شريكًا أو وصيًا تراهم اعتبروه (على ما ثبت عليه القضاء أخيرًا) من المسائل الفرعية المتعلقة بموضوع الدعوى والتي تفصل فيها المحاكم كما تفصل فيه بحكم قابل للاستئناف وغير قابل له إلا أن يصبح النزاع في الصفة هو المقصود الأصلي من الخصومة بطلب الحكم فيه وتحكم فيه المحكمة ويحوز حكمها فيه قوة الشيء المحكوم به (راجع كريبون فقرة 740 و741 وملحق دالوز نمرة 90 تحت كلمة درجات التقاضي وقد جاء فيه أن هذا هو الذي ثبت عليه القضاء أخيرًا).
كما تعتبره في أحكامهم الصادرة في دعوى التزوير ودعوى الإنكار فقد اعتبرتا من المسائل الفرعية التي يكون للحكم الصادر فيها صفة الحكم الصادر في موضوع الدعوى من حيث جواز الاستئناف وعدمه باعتبار قيمة المدعى به وأنهما لا يمدان الخصومة إلا إذا كان موضوع السند يتناول غير المدعى به وتزيد قيمته عن نصاب الحكم النهائي، فإذا كان السند المدعى بتزويره لا يتضمن إلا نفي المدعى به كما إذا طالبت بسند قيمته 1000 قرش مثلاً وادعى المدعى عليه التخالص وكان سند التخالص لا يشمل غير ذلك اتصل الدفع بالموضوع وأخذ حكمه في عدم جواز الاستئناف أما إذا تضمن السند المدعى بتزويره حقوقًا تزيد قيمتها عما لا يجوز استئنافه وكان من شأن الحكم بتزويره أو صحته أن يؤثر على تلك الحقوق بأن يكون قضاء فيها كانت الدعوى الفرعية مما يصح استئنافه.
ونحن إذا اهتدينا بما قدمناه من فقه الباب كله تبين لنا عدم صحة ما ذهبت إليه محكمة مصر في دعوى التزوير أخذًا برأي جارسونيه فيها.
مناقشة جارسونيه: لم يأتِ جارسونيه في إيراد أصول المسألة إلا بما أورده فيها غيره فقد قال إن قاضي الأصل هو قاضي الفرع وإن قاضي أول درجة لا يكون حكمه نهائيًا إذا تصدى لمصالح خارجة عن نصابه وأنه ينبغي التضحية بالقاعدة الأولى في مصلحته الثانية لأن المقصود من الأولى اختصار الإجراءات واجتناب الإطالة والمقصود من الثانية تحقيق العدالة بترتيب درجتين من درجات التقاضي فيما يجب أن ينظر القضاء فيه أمام درجتين متواليتين، وهو في ذلك لم يأتِ بجديد ولا يخالفه أحد فيه - ثم قال بالبناء على هذه المقدمات إن الدعوى تكون قابلة للاستئناف إذا تناول الدفع مصلحة تزيد قيمتها عن النصاب الذي يفصل فيه القاضي فصلاً ابتدائيًا أو كانت المصلحة مما لا يقدر له قيمة، وهو في هذا لم يأتِ بجديد أيضًا.
ثم قال تطبيقًا لما سبق إن الحكم الصادر برد وبطلان ورقة نسب التزوير فيها لأحد طرفي الخصومة هو حكم قابل للاستئناف لأنه يقوم على أساسه اتهام جنائي يتناول مصالح خطيرة وغير مقدرة القيمة وهي شرف وحرية الخصم الذي صدر عليه.
ولما تساءل الأستاذين العشماوي بك وعبد الفتاح بك عما عساه يكون رأي محكمة مصر وقد أخذت بمذهب جارسونيه فيما إذا كان الحكم الصادر في دعوى التزوير صادرًا برفضها أو صدر بالرد والبطلان وكان التزوير منسوبًا لأجنبي وما رأيها في دعوى المطالبة بأشياء مسروقة أو بتعويضات ناشئة عن ارتكاب أية جريمة من الجرائم مهما قلت قيمتها - ولما تساءلا عن ذلك أجابتهما محكمة مصر في حكمها الثاني بجواز الاستئناف في هذه الصور جميعها جريًا على ما اعتمدته من رأي جارسونيه وإن كان الظاهر من رأيه أنه لا يرى الاستئناف إلا في الصورة التي أوردها وهي صورة الحكم بالرد والبطلان في تزوير منسوب لأحد طرفي الخصومة.
وإذن فقد علمت أن الخلاف بين جارسونيه ومحكمة مصر من جانب وبين الأستاذين العشماوي بك وعبد الفتاح بك والفقه والقضاء الفرنسي والأهلي والمختلط من الجانب الآخر لم يكن خلافًا في تأصيل أصول المسألة وإنما في تطبيقها على دعوى التزوير يرى جارسونيه أن دعوى التزوير المنسوب لأحد طرفي الخصومة في صورة الحكم فيها بالرد والبطلان تمد الخصومة فتتناول شرف المحكوم عليه وهو غير مقدر القيمة وترى محكمة مصر أنها تكون دائمًا غير مقدرة القيمة في هذه الصورة وفي غيرها بالإلحاق بها. ويرى الكل أن دعوى التزوير لا تمد الخصومة إلا إذا كان السند المدعى بتزويره يشمل حقوقًا أخرى تتأثر بها ويحوز فيها الحكم الصادر في دعوى التزوير قوة الشيء المحكوم به.
وإذن فالخلاف قد انحصر فيما يأتي، هل يُعتد بما يمكن أن يشعر به الحكم الصادر في دعوى التزوير من المساس بالشرف فتكون دعوى التزوير من أجله غير مقدرة القيمة أم لا ؟
وقد علمت مما أوردناه في صدر هذا المقال أنهم لا يعتدون في امتداد الدعوى إلا بما تتعلق به الخصومة بالفعل وتفصل فيه المحكمة صراحةً أو ضمنًا. وما القول بأن وراء المدعى بالتزوير المساس بالشرف وهو أغلى من أن تقدر له قيمة إلا كالقول بأن وراء الادعاء بشيء ما في قضية ما مساسًا بالحرية وما أغلاها وإذن فلا تكاد تفتح الباب لمثل هذا حتى تتسرب منه كل قضية تتعلق بأغلى الحقوق من الحرية والمساواة وحرمة المساكن.
وبعد فهل يصح أن يقال إن الحكم الصادر بالرد والبطلان يتعدى أثره الدعوى الأصلية في صورة ما إذا كانت قيمة السند المنسوب تزويره إلى أحد الخصمين فيه أقل من نصاب الاستئناف وهل يصح الاعتداد بما قيل من أنه يكون عندئذٍ ماسًا بالشرف لتأسيس اتهام جنائي عليه ؟
نقول لا، لأنه لا يكون لمثل هذا الحكم في مثل هذه الصورة غير الأثر الذي ستنتهي به الدعوى الأصلية بالحكم في موضوعها على موجبه ولا شبهة في أن لا يكون له قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم الجنائية، وإذا قيل إن جارسونيه يقصد ما يتعرض له المحكوم عليه من الامتهان باطلاع الغير على حكم صادر بتزويره قلنا إن هذا مما لا يعتد به ومما لا يقام له وزن إذ المصلحة التي يمكن أن تمتد إليها الخصومة هي ما طُرح على القضاء وفصل فيه بحكم يكون له قوة الشيء المحكوم به، ولم يكن شيء من ذلك مطروحًا في الدعوى حتى يقال إنها فصلت فيه.
ولقد حاول جارسونيه نقد مذهب خصومه بعد أن عزاه إلى روديير وهو أحد أنصاره الكثيرين فقال في هامش كتابه بالصحيفة نمرة 120 الجزء السادس بالطبعة الثالثة إنه إذا صح وتعين الأخذ به يكون الحكم الصادر في حالة إنكار الخطوط قابلاً للاستئناف إذا كانت قيمة السند المنكور مما تبلغ نصاب الاستئناف وهو ما لا يراه.
وإذا كان مذهبنا ومذهب روديير ينتهي بالتسوية بين دعوى الإنكار ودعوى التزوير في وجوب الاعتبار بقيمة السند المنكور أو المدعى بتزويره لتقدير المصلحة التي امتدت إليها الخصومة في الدعويين فلا محل للاعتراض، إذ الغريب في النظر هو عدم التسوية بينهما حتى في مذهب جارسونيه لأنه إذا كان الحكم بالرد والبطلان في صورة الادعاء بالتزوير يمس بشرف المحكوم عليه فكذلك يكون الحكم الصادر بالرد والبطلان في صورة الإنكار، وقد يصح أن يقال إن هذا الحكم في صورة الإنكار يصلح أن يكون أساسًا لاتهام جنائي كما صح أن يقال فيه كذلك في صورة الادعاء بالتزوير.
ومن لي بجارسونيه فيعلم كيف أخذت محكمة مصر برأيه وكيف عممته في جميع الصور وكيف خرجت به إلى غير دعوى التزوير من دعاوى التعويض الناشئة عن ارتكاب أية جريمة من الجرائم، فيعدل عن رأيه ويعود إلى ما أجمع عليه الفقهاء.
مناقشة حكم محكمة مصر الصادر في فبراير سنة 1927. يوهم حكم 14 فبراير سنة 1927 بما قيل فيه من أن جارسونيه استند في رأيه إلى أحكام كثيرة أن مذهبه في دعوى التزوير مؤيد بكثير من الأحكام، والحق أنه أورد كثيرًا في تأييد ما أجمع عليه الفقهاء من اعتبار الأحكام الصادرة في أوجه الدفع فيما لا يزيد موضوع الدعوى الأصلية فيه عن نصاب الاستئناف نهائية إلا إذا تعلقت بمصالح تزيد عن هذا النصاب، ولم يورد لتأييد مذهبه في دعوى التزوير إلا ثلاثة أحكام، حكمان صادران قبل قانون 11 إبريل سنة 1838 وقد اعترفت محكمة مصر بأنهما قد لا يصلحان سندًا له على ما حققه الأستاذ العشماوي بك في تعليقه. والحكم الثالث صدر من محكمة جرينوبل في 8 مارس سنة 1837 ونشر في موسوعات دالوز نمرة 127 وهو خاص بدعوى دفع فيها المدعى عليه بأنه وقع سندها على بياض فحكمت المحكمة المذكورة بجواز استئناف الحكم الصادر فيها لاعتبارها الدفع غير مقدر القيمة وقد عنيت موسوعات دالوز في نمرة 245 بالنص على خطأ هذا الحكم ومخالفته لما جرى عليه القضاء على أثبت ما يكون في ذلك.
ومن الحق أن نذكر أن رأي جارسونيه لم يناصره فيه أحد من الفقهاء فيما نعلم ولم يؤيده القضاء إلى الآن ولا نزال نرى المجلات القضائية المختلفة مفعمة بالأحكام الكثيرة المؤيدة لمخالفيه (راجع دالوز الدورية 92 – 1 – 476) و(94 - 2 - 467) و(95 - 1 - 120).
وقد عرضت محكمة مصر في حكمها الصادر في 14 فبراير سنة 1927 لما قرره كريبون من جواز استئناف الأحكام الصادرة في مخاصمة وكلاء الدعاوى (Desaveu) وإن حصلت المخاصمة أثناء نظر دعوى قيمتها أقل من نصاب الاستئناف فقالت إنه في ذلك قد تناقض تناقضًا هدم به نظريته رأسًا على عقب حيث بنى حكمه على ما في مخاصمة وكيل الدعوى من المساس بشرفه واعتباره وكان الأولى به أن يعتد بما في الحكم بالرد والبطلان في دعوى التزوير من المساس بشرف أحد طرفي الخصومة وشرفه أولى بالاعتبار من شرف وكيل الدعوى إذ هو أجنبي فيها.
وظاهر أن احتمال الخطأ فيما ذهب إليه كريبون في مخاصمة وكيل الدعوى أو في تعليل ما ذهب إليه فيها لا يفيد مذهب جارسونيه في دعوى التزوير فائدة تذكر كما لا يضعف مذهب كريبون فيها لأن كليهما قد استثنى من حكم الأصل المتفق عليه صورة لعارض قوي عنده فجارسونيه استثنى دعوى التزوير وكريبون استثنى دعوى مخاصمة وكيل الدعوى.
على أن كريبون ومن شايعه قد رأوا أن مخاصمة وكيل الدعوى وإن أوقفت سير الدعوى الأصلية إلا أنها خصومة لا تقوم بين الخصمين وإنما تقوم بين الخصم ووكيله ولاحظوا أن المادة (360) مرافعات أباحت للمحكمة التي تنظر فيها بصفة فرعية أن تحكم على الوكيل بالتضمينات لموكله أو للخصم الآخر وبإيقافه عن العمل وبإحالته على المحاكمة التأديبية، فرأوا أن الخصومة قد امتدت في الواقع إلى ما إذا كان الوكيل قد أخل بواجب حرفته فيما نُسب إليه كما قال جلاسون (جزء أول فقرة 920 طبعة ثانية) فقرروا جواز استئناف الأحكام الصادرة فيها بغير مراعاة قيمة الدعوى الأصلية.
ويؤيد كريبون في رأيه كاريه وشيفوا (الطبعة الخامسة الجزء الثالث المسألة 1317).
وأخيرًا قالت محكمة مصر في حكمها الثاني السابق الذكر (إن رأي الشارع المصري وأغراضه قد ظهرت جليًا عند سَن قانون الإخطاط فإنه أخذ صراحةً برأي جارسونيه وسيزاربرو فأجاز الاستئناف في الأحكام الصادرة برد الأوراق المقدمة (المادة 54 من لائحة إجراءات محاكم الإخطاط).
وقال الأستاذ عبد الفتاح بك السيد لعل الذي لاحظه الشارع عند تقرير جواز الاستئناف في الأحكام الصادرة من محاكم الإخطاط باستبعاد الأوراق هو ما ينقص قضاة هذه المحاكم من الدربة القضائية والمران القانوني.
ويكاد المطلع على أصل لائحة الإجراءات التي قدمتها نظارة الحقانية إلى مجلس شورى القوانين ومذكرتها الإيضاحية وتقرير لجنة هذا المجلس ومحاضر جلساته في ملحق الوقائع الرسمية بعدد 24 مارس سنة 1913 و2 إبريل سنة 1913 يقطع بأن شيئًا من رأي جارسونيه لم يخطر ببال أحد بل إن الذي جرى على لسان ناظر الحقانية ووكيله هو رأي جمهور الفقهاء.
كانت الفقرة الأولى من أصل المادة (46) تنص على أنه إذا أنكر أحد الخصمين إمضاءً أو ختمًا منسوبًا إليه في عقد عرفي أو ادعى تزويرهما فعلى الخصم المتمسك بهذا العقد إثبات صحة الختم أو الإمضاء وإلا حكم باستبعاد العقد من الدعوى وليس لمحكمة الخط أن تحكم بتزويره والفقرة الثانية تتضمن أنه إذا كان العقد رسميًا وأنكر الختم والإمضاء أو ادعى بتزويرهما فعلى من أنكر أو ادعى التزوير أن يثبت ذلك فإن ثبت حكم بتزوير العقد وليس للمحكمة تحقيق شيء من ذلك بواسطة الخبراء.
وجاء في المذكرة الإيضاحية أن اللائحة تجاوزت عن ذلك التمييز الذي جرت عليه قوانين المحاكم الأهلية بين إنكار الختم أو الإمضاء ودعوى التزوير لأنه علمي لا يتفق مع روح التشريع في محاكم الإخطاط وأنها ميزت بين الأوراق الرسمية والعرفية فجوزت لمحكمة الخط الحكم باستبعاد الورقة العرفية دون الحكم بتزويرها وجوزت الحكم بتزوير الورقة الرسمية وحرمت عليها الإثبات بواسطة الخبراء لأن هذه المسائل فيها من وجوب الدقة والتمحيص ما لا يناسب طرحه أمام محاكم إنما أنشئت للفصل في المنازعات البسيطة للقرويين. على أن القانون احتاط فجعل الأحكام التي تصدر بتزوير عقد قابلة للاستئناف مهما كانت قيمتها (راجع صـ 4 من ملحق 24 مارس سنة 1913).
ولما عرضت هذه اللائحة على لجنة المجلس صرحت في تقريرها الذي قدمته له بأنها توافق على الفقرة الأولى من المادة (46) ولا توافق على الثانية لأنه ليس من الصواب أن يعطي لمحاكم الإخطاط حق الحكم بتزوير عقد رسمي مع أن ليس لها أن تعين خبراء يفحصون الإمضاء أو الختم المطعون فيهما وأنها ترى أن يقف اختصاص محاكم الإخطاط باستبعاد العقد الرسمي دون الحكم بتزويره أسوةً بالعقود العرفية وأن ينص على أن القاضي الجزئي ليس له أن ينظر ابتدائيًا في القضايا التي يطلب فيها الحكم باستبعاد عقد رسمي حتى يجوز استئناف جميع الأحكام الصادرة في هذا الموضوع.
ولما حصلت المناقشة في هذه المادة أمام المجلس طلب المرحوم الصوفاني بك إحالة القضايا التي ينكر فيها ختم أو إمضاء في أوراق رسمية أو عرفية على القاضي الجزئي لوقوف معلومات قضاة الإخطاط عند حد محدود ولأن مجالس الإخطاط مجالس عرفية تحكم بين الناس بما تتبينه منهم طبقًا للعادات والأخلاق (صـ 15 من ملحق 24 مارس سنة 1913).
فأجاب ناظر الحقانية بأن تعديل اللجنة لا يعطي لمحاكم الإخطاط الحق بأن تحكم بالتزوير مطلقًا وإنما لها أن تقضي باستبعاد العقد فقط إذ اعتقدت أنه غير صحيح فإذا كان العقد المستبعد رسميًا كان الحكم فيه قابلاً للاستئناف ولفت الصوفاني بك إلى أن العقود التي تحكم محاكم الإخطاط باستبعادها هي التي لا تزيد قيمتها عن نصاب محاكم الإخطاط أما إذا قدم لها عقد قيمته مائة جنيه مثلاً وحصل التمسك به في دعوى قيمتها 500 قرش فإذا طعن بتزوير هذا العقد فلا تحكم محكمة الخط باستبعاده بل يجب أن تحكم بعدم الاختصاص، ولما أعيدت المناقشة في جلسة 10 فبراير سنة 1913 ابتدأ وكيل الحقانية بإبداء ملاحظات تتعلق باستئناف الأحكام فقال إذا حُكم على شخص باستبعاد ورقة فإن صدر هذا الحكم في قضية من القضايا التي تستأنف فكل حكم فرعي فيها يكون تابعًا للحكم المستأنف في الموضوع….. وإن كانت من القضايا التي لا تستأنف من أصلها فالأحكام الفرعية فيها لا تستأنف، فالحكم باستبعاد ورقة غير رسمية حكم تابع لا أصلي لأن الحكم في أصل الدعوى غير قابل للاستئناف والفرع يتبع الأصل وإنما أجيز الاستئناف في الحكم الصادر باستبعاد أوراق رسمية ولو قلت قيمة الدعوى محافظة على الثقة الخاصة التي منحها الشارع لهذه الأوراق ثم قال إن الحكم باستبعاد الأوراق بينه وبين الحكم بتزويرها فرق كبير لأن الاستبعاد يفيد أن المحكمة لم ترتَح لهذه الورقة كما لم ترتَح لشهادة شاهد مثلاً، أما الحكم بالتزوير فهو وصمة رسمية يصدر بها قرار من القاضي فيلصق بالشخص عار لا يمحى ثم قال في العقود الرسمية ليست العلة للتي توجب الاستئناف هي جسامة القيمة بل إن هناك سلطة رسمية وشهادة عامة بأن هذه الورقة يجب اعتبارها فاحترامًا لهذا أجيز الاستئناف (ملحق 2 إبريل سنة 1913 صـ 3). ثم حصلت الموافقة على تعديل اللجنة.
وعند المناقشة في المادة (54) الخاصة بالاستئناف التي عدلتها اللجنة باستبدال كلمة تزوير بكلمة استبعاد قال وكيل الحقانية إن كان غرض اللجنة أن حكم هذه المادة ينسحب على الأوراق العرفية فنحن مفترقون لأننا لا نقبل الاستئناف إلا في الأحكام التي تصدر في الأوراق الرسمية التي يحصل الطعن فيها لأن العلة التي قبلنا بسببها إجازة استئناف الأحكام الصادرة في الأوراق الرسمية هي تلك القوة الشرعية الثابتة للأوراق المحررة على يد مأمور رسمي خلافًا للأوراق البسيطة التي لا تجد نظارة الحقانية أن الاستئناف يشملها.
ثم لما اقترح أن يكون الحكم بالاستبعاد قابلاً للاستئناف مهما كانت قيمة الورقة أنكر وكيل الحقانية عليهم جواز الاستئناف إذا كانت قيمة كل الدعوى والورقة أقل من 500 قرش.
وأخيرًا حصلت الموافقة على التعديل على هذا الشكل (وفي الدعاوى التي حكم فيها باستبعاد الأوراق وبعدم استبعادها) (صـ 7 من ملحق 2 إبريل 1913).
وأنت ترى في هذا كله أن ليس في أصل المشروع ولا في مذكرته الإيضاحية ولا في تقرير لجنة مجلس الشورى ولا في مداولات المجلس أن أحدًا أشار إلى رأي جارسونيه أو إلى العلة التي علل بها جارسونيه رأيه فلم يقل أحد إن دعوى التزوير تصبح غير مقدرة القيمة إذا حكم بالرد والبطلان لما فيه من المساس بشرف المحكوم عليه كما قال جارسونيه ولا أنها تكون دائمًا كذلك كما ذهبت إليه محكمة مصر بل رأيت أن نظارة الحقانية صرحت بتبعية دعوى التزوير لأصل الدعوى وجعلت الحكم الصادر فيها تابعًا للحكم الصادر فيه ولم تجز استئنافها إذا كانت الدعوى الأصلية لا تتجاوز نصاب الاستئناف إلا إذا كانت الورقة المنكورة أو المدعى بتزويرها رسمية وبينت (أن ليست علة هذا الاستئناف عندها جسامة القيمة بل إن هناك سلطة رسمية وشهادة بأن هذه الورقة يجب اعتبارها) وأصرت على وجوب التفرقة بين الأوراق الرسمية والأوراق العرفية مبينة أن الحكم باستبعاد الورقة العرفية لا يفيد إلا أن المحكمة لم ترتَح لهذه الورقة كما لا ترتاح لشهادة شاهد. ولكن المجلس بعد سماعه ما أبداه الصوفاني بك خاصًا بنظام محاكم الإخطاط وكفاءة قضاتها المحدودة وبعد أن لاحظ أن المشروع والتعديل قد حرما محاكم الإخطاط من الاستعانة بالخبراء قرر التسوية بين الأوراق الرسمية والعرفية وأجاز الاستئناف عند الحكم لا لأنه راعى أن دعوى التزوير تكون غير مقدرة القيمة لمساسها بشرف المحكوم عليه بل لأنه لم يرَ أن يحمل محاكم الإخطاط أمانة الحكم في هذه المسائل، ولهذا منع القاضي الجزئي من الجلوس مع غيره في القضايا التي يطلب فيها استبعاد الأوراق ليتولى تحقيقها عند استئنافها أمامه بالتطبيق لقواعد قانون المرافعات وأجاز له الانفراد في محكمة الخط الذي به محل المركز للحكم في هذه القضايا حكمًا نهائيًا (المادة 46 من لائحة الإجراءات).
وإنا نرجو في ختام هذا المقال لمحكمة مصر توفيقًا تعدل به عن قضائها هذا وتعود إلى ما ثبت عليه قضاء المحاكم وفقه الفقهاء.

حامد فهمي
المحامي